نبي الله عيسى عليه السلام
٥ فقرات، ج ١ ص ٣٦٩
- ج ١ ص ٣٦٩
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = وكذلك رواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي وموسى بن إسماعيل، وكلاهما عن أبان بن يزيد العطار به، ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، عن محمد بن شعيب بن سابور، عن معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري به، ورواه الحاكم من طريق مروان بن محمد الطاطري، عن معاوية بن سلام، عن أخيه به. ثم قال: تفرد به مروان الطاطري، عن معاوية بن سلام. [انظر "أبو يعلى" ١٥٧١] والطبراني / ٣/ ٣٤٣٠]. قلت: وليس كما قالا. ورواه الطبراني عن محمد بن عبدة، عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن معاوية بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري. فذكر نحوه فسقط ذكر زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري فذكر نحو هذه الرواية, قلنا الحديث أخرجه أحمد (١/ ٦٠٥). نبيُّ الله عيسى عليه السَّلام قال تعالى وهو أصدق القائلين: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ} [آل عمران: ٣٣ - ٣٧]. يذكر تعالى أنه اصطفى آدم - عليه السلام - والخلص من ذريته المتبعين شرعه الملازمين طاعته، ثم خصّص فقال: {وَآلَ إِبْرَاهِيمَ} فدخل فيهم بنو إسماعيل، ثم ذكر فضل هذا البيت الطاهر الطيب وهم آل عمران، والمراد بعمران هذا والد مريم عليها السلام. {وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ} وقرئ بضم التاء {وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} أي: في خدمة بيت المقدس، وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خدامًا من أولادهم. وقولها: {وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ} استدل به على تسمية المولود يوم يولد، وكما ثبت في الصحيحين عن أنس في ذهابه بأخيه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحنك أخاه وسماه عبد الله. وجاء في حديث الحسن عن سمرة مرفوعًا: "كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه" رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي. [أحمد / ٤/ ٢٠١، والترمذي / ح ١٥٢٢]. وقولها: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ} قد استجيب لها في هذا كما تقبل منها نذرها، فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن =
- ج ١ ص ٣٧٠
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد ليستهل صارخًا من مس الشيطان إلا مريم وابنها"، ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ}. أخرجاه من حديث عبد الرزاق ورواه ابن جرير عن أحمد بن الفرج عن بقية، عن عبد الله بن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه. ذكر كثيرٌ من المفسرين أن أمها حين وضعتها لفتها في خرقها ثم خرجت بها إلى المسجد فسلمتها إلى العُبَّاد الذين هم مقيمون به، وكانت ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم فتنازعوا فيها، والظاهر أنها إنما سلمتها إليهم بعد رضاعها وكفالة مثلها في صغرها. ثم لما دفعتها إليهم تنازعوا في أيهم يكفلها، وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان، وقد أراد أن يستبد بها دونهم من أجل زوجته أختها أو خالتها على القولين. فشاحوه في ذلك وطلبوا أن يقترع معهم، فساعدته المقادير فخرحت فرعته غالبة لهم، وذلك أن الخالة بمنزلة الأم. قال الله تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} أي: بسبب غلبه لهم في القرعة كما قال تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}. قال الله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ} قال المفسرون: اتخذ لها زكريا مكانًا شريفًا من المسجد لا يدخله سواها، فكانت تعبد الله فيه وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتها، وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها، حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة والصفات الشريفة، حتى إنه كان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقًا فيسألها: {أَنَّى لَكِ هَذَا} فتقول: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي: رزق رزقنيه الله {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ}. فعند ذلك وهنالك طمع زكريا في وجود ولد من صلبه وإن كان قد أسن وكبر {قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ}. {وَإِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي =
- ج ١ ص ٣٧١
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [آل عمران: ٤٢ - ٥١]. يذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالم زمانها، بأن اختارها لإيجاد ولد منها من غير أب، وبشرت بأن يكون نبيًّا شريفًا {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} أي: في صغره يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكذلك في حال كهولته، فدل على أنه يبلغ الكهولة ويدعو إلى الله فيها، وأمرت بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لتكون أهلًا لهذه الكرامة، ولتقوم بشكر هذه النعمة. فقول الملائكة: {يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ} أي: اختارك واجتباك {وَطَهَّرَكِ} أي: من الأخلاق الرذيلة، وأعطاك الصفات الجميلة {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ} يحتمل أن يكون المراد عالمي زمانها كقوله لموسى: {إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ} وكقوله عن بني إسرائيل: {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ} ومعلوم أن إبراهيم - عليه السلام - أفضل من موسى، وأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أفضل منهما، وكذلك هذه الأمة أفضل من سائر الأمم قبلها وأكثر عددًا وأفضل علمًا وأزكى عملا من بني إسرائيل وغيرهم. ويحتمل أن يكون قوله: {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ} محفوظ العموم فتكون أفضل نساء الدنيا ممن كان قبلها أو وُجِد بعدها لأنها إن كانت نبية على قول من يقول بنبوتها ونبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى محتجًّا بكلام الملائكة والوحي إلى أم موسى، كما يزعم ذلك ابن حزم وغيره، فلا يمتنع على هذا أن تكون مريم أفضل من سارة وأم موسى لعموم قوله: {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ} إذ لم يعارضه غيره ... والله أعلم. وأما قول الجمهور كما قد حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره عن أهل السنة والجماعة من أن النبوة مختصة بالرجال، وليس في النساء نبية فيكون أعلى مقامات مريم، كما قال الله تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} فعلى هذا لا يمتنع أن تكون أفضل الصديقات المشهورات ممن كان قبلها وممن يكون بعدها ... والله أعلم. وقد جاء ذكرها مقرونًا مع آسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهن وأرضاهن. وقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عديدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد" [البخاري / ح ٣٤٣٢] و [أحمد ٦٤٠] و [مسلم ٢٤٣٠]. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حسبك من نساء العالمين بأربع: مريم بنت عمران، واسية امرأة فرعون، =
- ج ١ ص ٣٧٢
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد" [أحمد / ح ١٢٣٩٤]. ورواه الترمذي عن أبي بكر بن زنجويه، عن عبد الرزاق به وصححه، ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي وابن عساكر من طريق تميم بن زياد، كلاهما عن أبي جعفر الرازي، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد رسول الله". وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: كان أبو هريرة يحدث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريشٍ أحناه على ولد في صغره وأرعاه لزوج في ذات يده" قال أبو هريرة: لم تركب مريم بعيرًا قط. [مسند أحمد / ٧٦٥٤]. وقد رواه مسلم في صحيحه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق به. [صحيح مسلم / ٢٠١/ ٢٥٢٧]. وقال أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني موسى بن علي، سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرأفه بزوج على قلة ذات يده"، قال أبو هريرة: وقد علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ابنة عمران لم تركب الإبل. تفرد به وهو على شرط الصحيح. ولهذا الحديث طرق أخرى عن أبي هريرة. وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خطَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأرض أربع خطوط فقال: "أتدرون ما هذا"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون" ورواه النسائي من طرق عن داود بن أبي هند. وقد رواه ابن عساكر من طريق أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث، حدثنا يحيى بن حاتم العسكري: أنبأنا بشر بن مهران بن حمدان، حدثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حسبك منهن أربع سيدات نساء العالمين: فاطمة بنت محمد، وخديجة بنت خويلد، وآسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران". وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت لفاطمة: "أرأيت حين أكببت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبكيت ثم ضحكت؟ قالت: أخبرني أنه ميت من وجعه هذا فبكيت، ثم أكببت عليه فأخبرني أني أسرع أهله لحوقًا به وأني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران =
- ج ١ ص ٣٧٣
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = فضحكت". وأصل هذا الحديث في الصحيح. وهذا إسناد على شرط مسلم وفيه أنهما أفضل الأربع المذكورات. وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن يزيد -هو ابن أبي زياد- عن عبد الرحمن بن أبي نعيم، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران" إسناد حسن وصححه الترمذي ولم يخرجوه، وقد روي نحوه من حديث علي بن أبي طالب ولكن في إسناده ضعف. والمقصود أن هذا يدل على أن مريم وفاطمة أفضل هذه الأربع. ثم يحتمل الاستثناء أن تكون مريم أفضل من فاطمة ويحتمل أن يكونا على السواء في الفضيلة. ولكن ورد حديث إن صح عين الاحتمال الأول فقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: أنبأنا أبو الحسين بن الفراء وأبو غالب وأبو عبد الله ابنا البنا، قالوا: أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة، أنبأنا أبو طاهر المخلص، حدثنا أحمد بن سليمان، حدثنا الزبير هو ابن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، عن عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية امرأة فرعون". فإن كان هذا اللفظ محفوظًا بثم النبي للترتيب فهو مبيّن لأحد الاحتمالين اللذين دل عليهما الاستثناء، وتقدم على ما تقدم من الألفاظ التي وردت بواو العطف التي لا تقتضي الترتيب ولا تنفيه، والله أعلم. وقد روى هذا الحديث أبو حاتم الرازي عن داود الجعفري، عن عبد العزيز بن محمد وهو الدراوردي، عن إبراهيم، عن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس مرفوعًا، فذكره بواو العطف لا بثم الترتيبية، فخالفه إسنادًا ومتنًا .... فالله أعلم. فأما الحديث الذي رواه ابن مردويه من حديث شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" وهكذا الحديث الذي رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". فإنه حديث صحيح كما ترى اتفق الشيخان على إخراجه، ولفظه يقتضي حصر الكمال في النساء في مريم وآسية، ولعل المراد بذلك في زمانهما فإن كلًّا منهما كفلت نبيًّا في حال صغره، فآسية كفلت موسى الكليم، ومريم كفلت ولدها عبد الله ورسوله، فلا ينفي كمال غيرهما في هذه الأمة كخديجة وفاطمة. =