[ميلاد عيسى ابن مريم]

٦ فقرات، ج ١ ص ٣٧٤

  1. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = فخديجة خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة خمسة عشر سنة وبعدها أزيد من عشر سنين، وكانت له وزير صدق بنفسها ومالها، - رضي الله عنها - وأرضاها. وأما فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنّها خصت بمزيد فضيلة على أخواتها لأنها أُصيبت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبقية أخواتها متن في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما عائشة فإنها كانت أحب أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه ولم يتزوج بكرًا غيرها, ولا يعرف في سائر النساء في هذه الأمة - بل ولا في غيرها - أعلم منها ولا أفهم، وقد غار الله لها حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فأنزل الله براءتها من فوق سبع سموات، وقد عمرت بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريبًا من خمسين سنة تبلغ عنه القرآن والسنة وتفتي المسلمين وتصلح بين المختلفين وهي أشرف أمهات المؤمنين حتى خديجة بنت خويلد أم البنات والبنين في قول طائفة من العلماء السابقين واللاحقين، والأحسن الوقف فيهما -رضي الله عنهما-، وما ذاك إلا لأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" يحتمل أن يكون عامًا بالنسبة إلى المذكورات وغيرهن، ويحتمل أن يكون عامًا بالنسبة إلى ما عدا المذكورات ..... والله أعلم. والمقصود ها هنا ذكر ما يتعلق بمريم بنت عمران عليها السلام، فإن الله طهرها واصطفاها على نساء عالم زمانها، ويجوز أن يكون تفضيلها على النساء مطلقًا كما قدمنا. [ميلاد عيسى ابن مريم]: قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا (١٧) قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [مريم: ١٦ - ٣٧]. ذكر تعالى هذه القصة بعد قصة زكريا التي هي كالمقدمة لها والتوطئة قبلها، كما ذكر في =
    ج ١ ص ٣٧٤
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = سورة آل عمران، وقرن بينهما في سياق واحد، وكما قال في سورة الأنبياء: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ} [الأنبياء: ٨٩ - ٩١]. وقد تقدم أن مريم لما جعلتها أمها محررة تخدم بيت المقدس، وأنه كفلها زوج أختها أو خالتها نبي ذلك الزمان زكريا - عليه السلام -، وأنه اتخذ لها محرابًا وهو المكان الشريف من المسجد، لا يدخله أحد عليها سواه، وأنها لما بلغت اجتهدت في العبادة، فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات، وظهر عليها من الأحوال ما غبطها به زكريا عليه السلام، وأنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها وبأنه سيهب لها ولدًا زكيًّا يكون نبيًّا كريمًا طاهرًا مكرمًا مؤيدًا بالمعجزات، فتعجبت من وجود ولد من غير والد, لأنها لا زوج لها, ولا هي ممن تتزوج، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون، فاستكانت لذلك وأنابت وسلمت لأمر الله، وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه, لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل. وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها أو لحاجة ضرورية لا بد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء، فبينما هي يومًا قد خرجت لبعض شؤونها و {انْتَبَذَتْ} أي: انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل - عليه السلام - {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا} فلما رأته {قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} قال أبو العالية: علمت أن التقي ذو نهية. وهذا يرد قول من زعم أنه كان في بني إسرائيل رجل فاسق مشهور بالفسق اسمه "تقي" فإن هذا قول باطل بلا دليل، وهو من أسخف الأقوال. {قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} أي: خاطبها الملك {قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} أي: لست ببشر ولكني ملك بعثني الله إليك {لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} أي: ولدًا زكيًّا. {قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ} أي: كيف يكون لي غلام أو يوجد لي ولد {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} أي: ولست ذات زوج وما أنا ممن يفعل الفاحشة {قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي: فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها والحالة هذه قائلًا: {كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ} أي: وعد أنه سيخلق منك غلامًا ولست بذات بعل، ولا تكونين ممن تبغين {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي: وهذا سهل عليه ويسير لديه، فإنه على ما يشاء قدير. وقوله: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ} أي: ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلًا على كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى. وقوله: {وَرَحْمَةً =
    ج ١ ص ٣٧٥
  3. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = مِنَّا} أي: نرحم به العباد بأن يدعوهم إلى الله في صغره وكبره في طفولته وكهولته، بأن يفردوا الله بالعبادة وحده لا شريك له، وينزهوه عن اتخاذ الصاحبة والأولاد والشركاء والنظراء والأضداد والأنداد. وقوله: {وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل معها، يعني: أن هذا أمر قضاه الله وحتمه وقدره وقرره، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق واختيار ابن جرير، ولم يحك سواه ... والله أعلم. ويحتمل أن يكون قوله: {وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} كناية عن نفخ جبريل فيها كما قال تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا}. والصحيح أن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله: {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} وكقوله: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} ومعلوم أن بين كل حالين أربعين يومًا كما ثبت في الحديث المتفق عليه. قال محمد بن إسحاق: شاع واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل بيت زكريا. وقوله: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} أي: فألجأها واضطرها الطلق إلى جذع النخلة، وهو بنص الحديث الذي رواه النسائي بإسناد لا بأس به عن أنس مرفوعًا والبيهقي بإسناد وصححه عن شداد بن أوس مرفوعًا أيضًا ببيت لحم الذي بني عليه بعض ملوك الروم فيما بعد على ما سنذكره هذا البناء المشاهد الهائل. {قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتن، وذلك أنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها، مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد المنقطعات إليه المعتكفات فيه، ومن بيت النبوة والديانة فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا الحال أو كانت {نَسْيًا مَنْسِيًّا} أي: لم تخلق بالكلية. وقوله: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} وقرئ (مَنْ تَحْتَها). وفي المضمر قولان، أحدهما أنه جبريل، قاله العوفي عن ابن عباس قال: ولم يتكلم عيسى إلا بحضرة القوم. وبهذا قال سعيد بن جبير وعمرو بن ميمون والضحاك والسدي وقتادة. وقال مجاهد والحسن وابن زيد وسعيد بن جبير في رواية: هو ابنها عيسى، واختاره ابن جرير. وقوله: {أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} قيل: النهر، وإليه ذهب الجمهور. وجاء فيه حديث رواه الطبراني لكنه ضعيف واختاره ابن جرير وهو الصحيح. وعن الحسن والربيع بن أنس وابن أسلم وغيرهم أنه ابنها. والصحيح الأول لقوله: {وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا} فذكر الطعام والشراب، ولهذا قال: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا}. =
    ج ١ ص ٣٧٦
  4. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = قوله: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} وهذا من تمام كلام الذي ناداها من تحتها قال: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} أي: فإن رأيت أحدًا من الناس {فَقُولِي} له أي بلسان الحال والإشارة {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} أي: صمتًا، وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام. قاله قتادة والسدي وابن أسلم. ويدل على ذلك قوله: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} فأما في شريعتنا فيكره للصائم صمت يوم إلى الليل. وقوله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} {يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا} أي: أمرا عظيمًا منكرًا. ظاهر سياق القرآن العظيم يدل على أنها حملته بنفسها وأتت به قومها وهي تحمله. والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها {قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا} والفرية هي الفعلة المنكرة العظيمة من الفعال والمقال: ثم قالوا لها: {يَاأُخْتَ هَارُونَ} قيل: شبهوها بعابد من عباد زمانهم كانت تساميه في العبادة، وكان اسمه هارون. قاله سعيد بن جبير. وقيل: أرادوا بهارون أخا موسى شبهوها به في العبادة، وأخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى وهارون نسبًا فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على أدنى من عنده من العلم ما يرده عن هذا القول الفظيع، وكأنه غره أن في التوراة أن مريم أخت موسى وهارون ضربت بالدف يوم نجى الله موسى وقومه وأغرق فرعون وملأه، فاعتقد أن هذه هي هذه. وهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح مع نص القرآن كما قررناه في التفسير مطولًا ولله الحمد والمنة. وقد ورد في الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هارون، وفي ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها، والله أعلم. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكره، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى نجران فقالوا: أرأيت ما تقرؤُون: {يَاأُخْتَ هَارُونَ} وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرحت فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم" [مسند أحمد / ح ١٨٢٢٦]. وكذا رواه مسلم والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن إدريس، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وفي رواية: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بأسماء صالحيهم وأنبيائهم" [مسلم / ٩/ ٢١٣٥] والترمذي [ح / ٣١٥٥]. والمقصود أنهم قالوا: {يَاأُخْتَ هَارُونَ} ودل الحديث على أنها قد كان لها أخ نسبي اسمه هارون، وكان مشهورًا بالدين والصلاة والخير، ولهذا قالوا: {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ =
    ج ١ ص ٣٧٧
  5. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = أُمُّكِ بَغِيًّا} أي: لست من بيت هذه شيمتهم ولا سجيتهم، لا أخوك ولا أمك ولا أبوك، فاتهموها بالفاحشة العظمى، ورموها بالداهية الدهياء. فلما ضاق الحال وانحصر المجال وامتنع المقال، عَظُمَ التوكل على ذي الجلال، ولم يبقَ إلا الإخلاص والاتكال {فَأَشَارَتْ إِلَيهِ} أي: خاطبوه وكلموه فإن جوابكم عليه وما تبغون من الكلام لديه، فعندها {قَالُوا} من كان منهم جبارًا شقيًا: {كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} أي: كيف تحيلينا في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب، وهو مع ذلك رضيع في مهده ولا يميز بين مخيض وزبدة، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء والنقص لنا والازدراء، إذ لا تردين علينا قولًا نطقيًّا، بل تحيلين في الجواب على من كان في المهد صبيًّا فعندها: {قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: ٣٠ - ٣٣]. هذا أول كلام تفوه به عيسى ابن مريم، فكان أول ما تكلم به أن {قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} اعترف لربه تعالى بالعبودية، وأن الله ربه، فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله، بل هو عبده ورسوله وابن أمته، ثم برأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله: {آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا لعنهم الله وقبحهم، وكما قال تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا: إنها حملت به من زنى في زمن الحيض، لعنهم الله فبرأها الله من ذلك، وأخبر عنها أنها صديقة واتخذ ولدها نبيًّا مرسلًا أحد أولي العزم الخمسة الكبار، ولهذا قال: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ} وذلك أنه حيث كان دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونزه جنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة تعالى وتقدس {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد بالصلاة، والإحسان إلى الخليقة بالزكاة، وهي تشتمل على طهارة النفوس من الأخلاق الرذيلة وتطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويج على اختلاف الأصناف وقرى الأضياف والنفقات على الزوجات والأرقاء والقرابات وسائر وجوه الطاعات وأنواع القربات. ثم قال: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} أي: وجعلني برًا بوالدتي، وذلك أنه تأكد حقها عليه لتمحض جهتها إذ لا والد له سواها، فسبحان من خلق الخليقة وبرأها وأعطى كل نفس هداها. {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} أي: لست بفظ ولا غليظ، ولا يصدر مني قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته. {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} وهذه المواطن الثلاثة التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام. ثم لما ذكر تعالى قصته على الجلية وبيّن أمره ووضحه وشرحه قال: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ =
    ج ١ ص ٣٧٨
  6. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = فَيَكُونُ}، كما قال تعالى بعد ذكر قصته وما كان من أمره في آل عمران: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} [آل عمران: ٥٨ - ٦٣]. ولهذا لما قدم وفد نجران وكانوا ستين راكبًا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم، ويؤول أمر الجميع إلى ثلاثة هم أشرافهم وساداتهم وهم العاقب والسيد وأبو حارثة بن علقمة، فجعلوا يناظرون في أمر المسيح فأنزل الله صدر سورة آل عمران في ذلك، وبيّن أمر المسيح وابتداء خلقه وخلق أمه من قبله. وأمر رسوله بأن يباهلهم إن لم يستجيبوا له ويتبعوه، رأوا ثم نكصوا وامتنعوا عن المباهلة، وعدلوا إلى المسالمة والموادعة، وقال قائلهم وهو العاقب عبد المسيح: يا معشر النصارى .. لقد علمتم أن محمدًا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيًّا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنها للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فطلبوا ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسألوه أن يضرب عليهم جزية وأن يبعث معهم رجلًا أمينًا، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح وقد بيّنا ذلك في تفسير آل عمران وقد بسطنا هذه القصة في السيرة النبوية. والمقصود أن الله تعالى بيّن أمر المسيح فقال لرسوله: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} يعني من أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد الله، ولهذا قال: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} أي: لا يعجزه شيء ولا يكربه ولا يؤوده بل هو القدير الفعال لما يشاء {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وقوله: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد، أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم، وأن هذا هو الصراط المستقيم. قال الله تعالى: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي: فاختلف أهل الزمان ومن بعدهم فيه. فمن قائل من البهود: إنه ولد زِنْية، واستمروا على كفرهم وعنادهم. وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا: هو الله، وقال آخرون: هو ابن الله. وقال المؤمنون: هو عبد الله ورسوله، وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهؤلاء هم الناجون المثابون والمؤيدون المنصورون، ومن خالفهم في شيء من هذه القيود فهم الكافرون الضالون الجاهلون، وقد توعدهم العلي العظيم الحكيم العلم بقوله: {فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، أنبأنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن =
    ج ١ ص ٣٧٩