[ابتلاع الحوت يونس]

فقرتان، ج ١ ص ٣٨٦

  1. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = فكشف الله العظيم - بحوله وقوته ورأفته ورحمته - عنهم العذاب الذي كان قد اتصل بهم سببه. ولهذا قال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} أي هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكاملها، فدل على أنه لم يقع ذلك، بل كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}، وقوله: {إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} أي آمنوا بكاملهم. وقد كانوا مئة ألف لا محالة، واختلفوا في الزيادة: فعن مكحول عشرة آلاف، وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية: حدثني أُبيّ بن كعب، أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} قال: "يزيدون عشرين ألفًا" فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلًا في هذا الباب. [ابتلاع الحوت يونس]: والمقصود أنه - عليه السلام - لما ذهب مغاضبًا بسبب قومه، ركب سفينة في البحر فلجت بهم، واضطربت وساجت بهم وثقلت بما فيها، وكادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون. قالوا: فاشتوروا فيما بينهم على أن يقترعوا، فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتخففوا منه. فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس لما يريده الله به من الأمر العظيم. قال الله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ}. وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة أُلقي في البحر. وبعث الله عزَّ وجلَّ حوتًا عظيمًا من البحر، فعند ذلك وهنالك، قال ما قال بلسان الحال والمقال، كما أخبر عنه ذو العزة والجلال؛ الذي يعلم السر والنجوى، ويكشف الضر والبلوى، يسمع الأصوات وإن ضعفت، وعالم الخفيات وإن دقت، ومجيب الدعوات وإن عظمت، حيث قال في كتابه المبين، المنزل على رسوله الأمين، وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ} أي إلى أهله {مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}، {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ} أن نضيّق عليه، وقيل معناه: نقدر من التقدير وهي لغة مشهورة، قَدِرَ وقَدَّرَ كما قال الشاعر: فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت، ما تقدر يكن لك الأمر {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والضحاك: ظلمة الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وقوله تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} قيل: معناه فلولا أنه =
    ج ١ ص ٣٨٦
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = سبح الله هنالك، وقال ما قال من التهليل والتسبيح، والاعتراف لله بالخضوع، والتوبة إليه والرجوع إليه للبث هنالك إلى يوم القيامة. وقيل معناه: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ} من قبل أخذ الحوت له {مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيرًا، قاله الضحاك بن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وعطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير. ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: "يا غلام .. إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" [مسند أحمد / ح ٢٦٦٩ / سنن الترمذي / ح ٢٥١٦]. قال ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدثني بشر بن منصور، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك - وهو ابن أبي وقاص - يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى: دعوة يونس بن متى"، قال: فقلت: يا رسول الله ... هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله تعالى: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} فهو شرط من الله لمن دعاه به. [جامع البيان ج ١٧/ ٨٢]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب -يعني ابن سعد- عن سعد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من دعا بدعاء يونس استجيب له" قال أبو سعيد الأشج، يريد به: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}. وهذان طريقان عن سعد [وانظر أبو يعلى ٢/ ٧٠٧]. وثالث أحسن منهما: وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عمير، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد - وهو ابن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يرد عليّ السلام، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين ... هل حدث في الإسلام شيء؟ قال: لا، وما ذاك؟ قلت: لا، إلا أني مررت بعثمان آنفًا في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يرد عليّ السلام قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك ألا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال: ما فعلت، قال سعد: قلت: بلى، حتى حلف وحلفت، قال: ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى، وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفًا، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة، قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن =
    ج ١ ص ٣٨٧