ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
١٧ فقرة، ج ١ ص ٣٩٥
- ج ١ ص ٣٩٥
فتوفّي عبد المطلب بعد الفيل بثماني سنين؛ كذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: وكان عبد المطّلب يوصي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَمّه أبا طالب، وذلك أن أبا طالب، وعبد الله أبا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانا لأمّ، فكان أبو طالب هو الذي يلِي أمرَ
ج ١ ص ٣٩٦رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد جدّه، وكان يكون معه. ثم إن أبا طالب خرج في ركب من قريش إلى الشَّام تاجرًا، فلمّا تهيّأ للرحيل وأجمع السير ضَبّ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يزعمون- فرقّ له أبو طالب، فقال: والله لأخرجنّ به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبدًا، أو كما قال: فخرج به معه، فلمّا نزل الركب بُصْرى من أرض الشأم، وبها واهب يقال له بَحِيرَى في صومعة له، وكان ذا علم من أهل النّصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة مذ قطّ واهب، إليه يصير علمهم عن كتاب - فيما يزعمون - يتوارثونه كابرًا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحِيرَى، صنع لهم طعامًا كثيرًا، وذلك أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في صومعته، عليه غمامة تُظلّه من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظلّ شجرة قريبًا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلّت الشّجرة، وتهصّرت أغصان الشجرة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى استظلّ تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى، نزل من صومعته، ثم أرسل إليهم فدعاهم جميعًا، فلما رأى بحِيرَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل يلحظه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياء من جَسده قد كان يجدُها عنده من صفته. فلما فرغ القوم من الطّعام وتفرّقوا، سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء في حاله؛ في يقَظتِهِ وفي نومه، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُخبِرُه فيجدُها بَحيرى موافقةً لما عنده من صِفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتَم النبوّة بين كَتِفَيه، ثم قال بَحِيرى لعمّه أبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، فقال له بَحِيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حَيًّا. قال: فإنه ابنُ أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمّه حُبْلى به، قال: صدقتَ، ارجع به إلى بلدك، واحذَرْ عليه يَهُود؛ فوالله لِئنْ رأوه وعرفوا منه ما عرفْتُ، ليبغُنَّه شرًّا، فإنه كائن له شأن عظيم، فأسرع به إلى بلده، فخرج به عمّهُ سريعًا حتى أقدمه مكَّة.
وقال هشام بن محمَّد: خرج أبو طالب برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بُصْرَى من أرْضِ الشأم؛ وهو ابنُ تسع سنين (١) . (٢: ٢٧٧) .
- (١)صحيح.
-
حدّثني العباس بن محمد، قال: حدَّثنا أبو نوح، قال: حدَّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى، قال: خرج
ج ١ ص ٣٩٧أبو طالب إلى الشأم، وخرج معه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أشْيَاخ من قُريش، فلما أشرفُوا على الرّاهب هَبطُوا فحلُّوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب - وكانوا قبل ذلك يمرُّون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت. قال: فهم يحلُّون رحالهم؛ فجعل يتخلَّلُهُم حتى جاء فأخَذ بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: هذا سيّدُ العالمين، هذا رسولُ ربّ العالمين؛ هذا يبعثه الله رحمةً للعالمين. فقال له أشياخ قُريش: ما عَلّمَك؟ قال: إنّكم حين أشرفتم من العَقَبة لم تبق شَجرَة ولا حَجَر إلّا خَرّ ساجدًا؛ ولا يسجدون إلا لنبيّ، وإني أعرِفه بخاتَم النبوّة، أسفلَ من غُضْروفِ كتفه مثل التّفاحة.
-
ثم رجع فصَنَع لهم طعامًا، فلما أتاهم به كان هو في رِعْيَة الإبل. قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غَمامة، فقال: انظروا إليه؛ عليه غمامة تُظلُّه! فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فَيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه؛ قال: فبينما هو قائم عليهم؛ وهو يناشدُهم ألّا يذهبوا بهِ إلى الرّوم؛ فإنّ الرّوم إن رأوْه عرفوه بالصّفة فقتلوه؛ فالتفتَ فإذا هو بسبعة نفرٍ قد أقبلوا من الرُّوم؛ فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أنّ هذا النبيّ خارج في هذا الشهر، فلم يبقَ طريق إلا بُعِثَ إليها ناس، وإنا اخْترْنا خيرةَ بعثِنا إلى طريقك هذا؛ قال لهم: هل خَلَّفتم خَلْفَكُم أحدًا هو خَيرٌ منكم؟ قالوا: لا؛ إنما اخترنا خيرة لطريقك هذا، قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضِيَه، هل يستطيع أحد من الناس رَدّه! قالوا: لا؛ فتابعوه وأقاموا معه، قال: فأتاهم، فقال: أنشدكم الله، أيّكم وليّه؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزلْ يناشِده حتى ردّه، وبعث معه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بلالًا، وزوّده الراهب من الكَعْك والزّيت (١) . (٢: ٢٧٨/ ٢٧٩) .
- (١)قلنا: الحديث أخرجه الترمذي من طريق أبي نوح هنا وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقال الجزري: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح أو أحدهما وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ وعدّه أئمتنا وهمًا فإن سن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ ذاك اثنا عشر سنة وأبو بكر أصغر منه بسنين وبلال لعله لم يكن ولد في ذلك الوقت. قلنا: والحديث أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يوافقه الذهبي وقال: أظنه موضوعًا وبعضه باطل، وقال ابن كثير: وهكذا رواه غير واحد من الحفاظ من حديث أبي نوح عبد الرحمن بن غزوان الخزاعي ويقال الضبي ويعرف بقراد سكن بغداد، وهو من = = الثقات الذين أخرج لهم البخاري، ووثقه جماعة من الأئمة الحفاظ، ولم أر أحدًا جرحه مع هذا، وفي حديثه هذا غرابة. وقال ابن حجر: رجاله ثقات وليس فيه سوى هذه اللفظة فيحتمل أنها مدرجة فيه منقطعة من حديث آخر وهمًا من أحد رواته. قلنا: ولقد ذكر ابن كثير ما في هذه الرواية من الغرائب في البداية والنهاية، وحكم الذهبي على بطلان هذا الحديث في ميزان الاعتدال.
- ج ١ ص ٣٩٨
حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق عن محمّد بن عبد الله بن قيس بن مخْرمة، عن الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن جَدّه عليّ بن أبي طالب، قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: ما هممتُ بشيء ممّا كان أهلُ الجاهليّة يعملون به غيرَ مرَّتين، كلّ ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك. ثمّ ما هممتُ بسوء حتى أكرَمنِي الله عَزّ وجلّ برسالته؛ فإنّي قد قلت ليلة لغلامٍ من قريش كان يرعى مَعِي بأعلى مكة: لو أبصرتَ لي غَنَمِي حتى أدخلَ مكّة، فأسمرَ بها كما يسمُر الشباب! فقال: أفعل؛ فخرحتُ أريد ذلك؛ حتى إذا جئتُ أوّلَ دارٍ من دُور مكّة، سمعت عَزْفًا بالدّفوف والمزامير، فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان بن فلان تزوّج بفلانة بنت فلان. فجلست أنظر إليهم، فضرب الله على أذني فنمْت فما أيقظني إلّا مَسّ الشمس؛ قال: فجئت صاحِبِي، فقال: ما فعلت؟ قُلت: ما صنعت شيئًا، ثم أخبرتُه الخبر. قال: ثم قلتُ له ليلةً أخرى مثلَ ذلك، فقال: أفعل، فخرجتُ فسمعتُ حين جئت مكّة مثلَ ما سمعت حين دخلتُ مكّة تلك اللّيلة، فجلستُ أنظر، فضرب الله على أذني؛ فوالله ما أيقظني إلّا مَسُّ الشمس؛ فرجعت إلى صاحبي فأخبرتُه الخبر. ثم ما هممتُ بعدها بسوء حتى أكرمني الله عَزّ وجلّ برسالته (١) . (٢: ٢٧٩) .
- (١)إسناده ضعيف والحديث حسن صحيح أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٥) وصححه على شرط مسلم وقال الهيثمي رواه البزار ورجاله ثقات (المجمع ٨/ ٢٦٦). قلنا: والحديث ذكره ابن كثير برواية البيهقي من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن قيس به ... ثم قال ابن كثير: وهذا حديث غريب جدًّا (البداية والنهاية ٢/ ٢٤٨. ط. دار الفكر). قلنا: والحديث ضعفه المحدث الألباني وعقب على تصحيح الحاكم له على شرط مسلم ووافقه الذهبي لهذا التصحيح قائلًا (أي الألباني): وهو وهم منه لأمرين: = = - الأول: أن ابن إسحاق إنما يروي له مسلم مقرونًا بغيره كما ذكر الذهبي نفسه في الميزان والحاكم لم يروه عنه مقرونًا بغيره كما ترى فليس هو على شرط مسلم. - الثاني: أن محمدًا بن عبد الله بن قيس ليس بمشهور العدالة فلم يوثقه غير ابن حبان، وتوثيقه عندما ينفرد به لا يوثق به لأن من قاعدته أن يوثق المجهولين كما أفاده المحققون كالحافظ ابن حجر في اللسان.
- ج ١ ص ٣٩٩
واختلف السَّلَف في سنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نُبّئ كم كانت؟ فقال بعضهم: نُبّئَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما بنتْ قريش الكعبة بخمس سنين؛ وبعدما تمّت له من مولده أربعون سنة.
- ذكر من قال ذلك:
-
حدّثني محمد بن خلَف العسقلانيّ، قال: حدَّثنا آدم، قال: حدَّثنا حمّاد بن سلَمة، قال: حدَّثنا أبو جَمْرة الضّبْعيّ، عن ابن عباس، قال: بُعِث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأربعين سنة (١) . (٢: ٢٩٠) .
- (١)قلنا: في إسناده حماد بن سلمة لما كبر ساء حفظه وبقية رجاله ثقات وآدم وأبو جمرة من رجال الصحيح والحديث صحيح كما سيأتي بعد قليل.
-
حدَّثنا عمرو بن علي وابن المثَنّى، قالا: حدَّثنا يحيى بن محمّد بن قيس قال: سمعتُ ربيعة بن أبي عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بُعث على رأس أربعين (٢) . (٢: ٢٩١) .
- (٢)حديث أنس حديث صحيح وهو جزء من حديث أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس (ح ٣٥٤٧) وفيه (أنزل عليه وهو ابن أربعين) وكذلك (ح ٣٥٤٨).
-
حدَّثنا العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: حدَّثنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: حدثني أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بُعث على رأس أربعين (٣) . (٢: ٢٩١) .
- (٣)حديث صحيح.
-
حدّثني ابنُ عبد الرحيم البرْقيّ، قال: حدَّثنا عمرو بن أبي سلَمة، عن الأوزاعيّ، قال: حدّثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: حدّثني أنس بن مالك، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بُعث على رأس أربعين (٤) . (٢: ٢٩١) .
- (٤)ضعيف.
- ج ١ ص ٤٠٠
حدثني أبو شُرَحْبيل الحِمْصيّ، قال: حَدّثني أبو اليمان، قال: حدَّثنا إسماعيل بن عَيّاش، عن يحيى بن سعيد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، قال: أنزل على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن أربعين (١) (٢: ٢٩١) .
- (١)صحيح.
-
حدَّثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا الحجّاج بن المنهال، قال: حدَّثنا حَمّاد، قال: حدَّثنا عَمْرو بن دينار، عن عُروة بن الزُّبَير، قال: بُعِث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن أربعين (٢) . (٢: ٢٩١) .
- (٢)صحيح.
-
حدثنا ابن المثنّى، قال: حَدّثنا الحجاج، عن حَمّاد، قال: أخبَرنا عمرو، عن يحيى بن جَعْدة، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال لفاطمة: إنّه كان يُعْرَض عليّ القرآن كل عام مَرّة؛ وإنه قد عُرِض عليَّ العامَ مرتين؛ وإنه قد خُيِّلَ إليّ أن أجَلِي قد حضر؛ وأنّ أوَّلَ أهلي لحاقًا بي أنتِ؛ وإنه لم يُبعث نبيّ إلّا بُعِث الذي بعده بنصفٍ من عمره، وبعث عيسى لأربعين، وبعثتُ لعشرين" (٣) . (٢: ٢٩١) .
- (٣)صحيح.
-
حدثني عبيد الله بن محمد الورّاق، قال: حدَّثنا روْح بن عبادة، قال: حدَّثنا هشام، قال: حدَّثنا عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: بُعِث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأربعين سنة، فمكَثَ بمكّة ثلاث عشرة سنة (٤) . (٢: ٢٩٢) .
- (٤)صحيح.
-
حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا أبو أسامة ومحمّد بن ميمون الزّعفرانيّ، عن هشام بن حسّان، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس، قال: بُعِث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل عليه وهو ابن أربعين سنة، فمكَث بمكّة ثلاث عشرة سنة (٥) . (٢: ٢٩٢) .
- (٥)صحيح.
- ج ٢ ص ١
صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ
السيرة النبوية
للإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ
(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)
-
حقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه
محمد بن طاهر البرزنجي
بإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق
محمد صبحي حسن حلّاق
المجلّد الثاني
دَار ابْن كَثير
دمشق- بَيروت