ذكر بقية خبر تبع أيام قباذ وزمن أنوشروان وتوجيه الفرس الجيش إلى اليمن لقتال الحبشة وسبب توجيهه إياهم إليها

٨٤ فقرة، ج ٦ ص ٤٣٦

الصفحة ١ من ٣

  1. ٨١٦ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: كان تُبّع الآخر وهو تُبّان أسعد أبو كَرِب حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وقد كان حين مرّ بها في بدءته لم يُهِج أهلها، وخلّف

    ج ٦ ص ٤٣٧بين أظهرهم ابنًا له، فقتل غِيلة، فقدمها وهو مُجْمع لإخرابها، واستئصال أهلها وقطع نخلها؛ فجمع له هذا الحيّ من الأنصار حين سمعوا بذلك من أمره ليمتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن الطلّة، أحد بني النجّار، ثم أحد بني عمرو بن مبذول؛ فخرجوا لقتاله. وكان تُبّع حين نزل بهم، قد قتل رجل منهم - من بني عديّ بن النجار يقال له: أحمر- رجلًا من أصحاب تُبّع، وجده في عَذْق له يجُدّه، فضربه بِمنْجله فقتله، وقال: إنما الثمرُ لمن أبَرّه، ثم ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة يقال لها: ذات تومان. فزاد ذلك تُبّعًا عليهم حَنَقًا.

    ج ٦ ص ٤٣٦
  2. فبينا تُبّع على ذلك من حربه وحربهم يقاتلهم ويقاتلونه - قال: فتزعُمُ الأنصار: أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويَقْرُونه بالليل فيُعجِبه ذلك منهم؛ ويقول: والله إنّ قومَنا هؤلاء لكرام- إذ جاءه حَبْران من أحبار يهود من بني قريظة، عالمان راسخان حين سمعا منه ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك لا تفعل؛ فإنّك إن أبيت إلّا ما تريد حِيلَ بينك وبينها، ولم نأمنْ عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ فقالا: هي مهاجَر نبيّ يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره. فتناهَى عند ذلك من قولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علْمًا، وأعجبه ما سمع منهما. فانصرف عن المدينة، وخرج بهما معه إلى اليمن واتّبعهما على دينهما. وكان اسم الحبْرَين كعبًا وأسدًا، وكانا من بني قريظة، وكانا ابني عم، وكانا أعلم أهل زمانهما كما ذكر لي ابن حميد عن سَلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عمرو، عن أبان بن أبي عيّاش، عن أنس بن مالك، عن أشياخ من قومه ممن أدرك الجاهلية؛ فقال شاعر من الأنصار وهو خال ابن عبد العُزّى بن غزيّة بن عمرو بن عَبْد بن عوف بن غَنْم بن مالك بن النجّار، في حربهم وحرب تُبّع، يفتخر بعمرو بن طَلّة ويذكر فضله وامتناعه:

    أصَحا أم انْتَهَى ذُكَرَهْ ... أمْ قَضَى مِنْ لَذَّةٍ وَطَرَهْ

    أمْ تَذَكَّرْتَ الشَّبَابَ وَمَا ... ذكْرُكَ الشَّبَابَ أَوْ عُصُرَهْ!

    إنَّها حَرْبٌ ربَاعِيَةٌ ... مثْلُهَا آتى الْفَتَى عِبَرَهْ

    فَسَلا عِمْرَانَ أَوْ فَسَلا ... أسْدًا إذْ يَغْدُو مَعَ الزُّهَرَهْ

    فيلَقٌ فيهَا أَبو كَرِبٍ ... سابِغًا أَبْدَانُهَا ذَفِرَهْ

    ج ٦ ص ٤٣٨ثمَّ قالُوا مَنْ يؤمُّ بهَا ... أبَنِي عَوْفٍ أَم النَّجَرَهْ

    يا بَني النَّجَّارِ إنّ لَنَا ... فيهِمُ قَبْلَ الأَوَانِ تِرَهْ

    فتَلَقَّتْهُمْ عَشَنَّقَةٌ ... مَدُّهَا كَالْغَبْيَةِ النَّثِرَهْ

    سَيّدٌ سَامَى المُلُوكَ ومَنْ ... يَغْزُ عَمْرًا لَا يَجِدْ قَدَرَه

    وقال رجل من الأنصار، يذكر امتناعهم من تُبّع:

    تُكلِّفُني مِنْ تَكَالِيفَها ... نَخِيلَ الأسَاويفِ والمَنْصَعَهْ

    نَخِيلًا حَمتْهَا بَنُو مَالِكٍ ... خُيُولَ أَبي كَرِبَ المُفْظَعَهْ

    قال: وكانَ تُبّع وقومه أصحابَ أوثان يعبدونها، فوجّه إلى مكّة -وهي طريقه إلى اليمن- حتى إذا كان بالدُّفّ من جُمْدان بين عُسْفان وأمَجِ، في طريقه بين مكّة والمدينة؛ أتاه نفر من هُذيل، فقالوا له: أيُّها الملك! ألا ندلّك على بيت مال داثر، قد أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجَد والياقوت والذهب والفضة؟ قال: بلى! قالوا: بيت بمكّة يعبده أهله، ويصلّون عندَه. وإنما يُريد الهُذليُّون بذلك هلاكَه لما قد عرفوا من هلاك مَنْ أراده من الملوك، وبغَى عنده.

  3. فلما أجمع لما قالوا، أرسل إلى الحَبْرين، فسألهما عن ذلك، فقالا له: ما أراد القومُ إلّا هلاكك وهلاك جُنْدِك؛ ولئن فعلت ما دعوْك إليه لتهلِكنّ وليهلكنّ مَنْ معك جميعًا، قال: فماذا تأمرانني أن أصنغ إذا قدمت عليه؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهلُه، تطوف به وتعظّمه وتكرّمه، وتحلق عنده رأسك وتتذلّل له حتى تخرج من عنده. قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك؟ قالا: أمَّا والله إنه لَبيت أبينا إبراهيم، وإنّه لَكما أخبرناك؛ ولكنّ أهلَه حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصَبوا حوله، وبالدّماء التي يُهريقون عنده، وهم نجس أهل شِرْك. أو كما قالا له.

  4. فعرف نصحَهما وصِدْق حديثهما، فقرّب النفَر من هُذَيل، فقطّع أيديَهم وأرجلهم. ثم مضى حتى قدم مكّة، وأري في المنام أن يكسوَ البيت، فكساه الخَصَف ثم أرِيَ أن يكسوَه أحسن من ذلك، فكساه المَعَافر، ثم أرِيَ أن يكسوَه أحسن من ذلك، فكساه المُلاء والوصائل؛ فكان تُبّع -فيما يزعمون- أوّلَ من كساه وأوصى به ولاتَه من جُرْهم، وأمرهم بتطهيره، وألّا يقربوه دمًا ولا ميتة ولا مئلاثًا وهي المحائض، وجعل له بابا ومفتاحًا، ثم خرج متوجّهًا إلى اليمن بمن معه من جنوده، وبالحَبْرين، حتى إذا دخل اليمن دعا قومَه إلى الدخول فيما

    ج ٦ ص ٤٣٩دخل فيه، فأبوْا عليه حتى يحاكموه إلى النّار التي كانت باليمن (١) .

    1. (١)ضعيف. وانظر البداية والنهاية (٢/ ٩٤).
  5. ٨١٧ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة عن ابن إسحاق، عن بعض أصحابه: أنّ الحَبْرين ومَنْ خرج معهما من حِمْير؛ إنما اتّبعوا النار ليردّوها، وقالوا: مَنْ ردّها فهو أوْلى بالحقّ، فدنا منها رجالٌ من حِمْير بأوثانهم ليردُّوها، فدنت منهم لتأكلَهم، فحادوا عنها فلم يستطيعوا ردّها، ودنا منها الحَبْران بعد ذلك، وجَعلا يتلُوَان التوراة وتنكُص، حتى ردّاها إلى مخرجها الذي خرجت منه؛ فأصفقت عند ذلك حميَر على دينهما، وكان رئام بيتًا لهم يعظّمونه، وينحرون عنده، ويُكلَّمون منه إذْ كانوا على شِرْكهم، فقال الحَبْران لتبّع: إنما هو شيطان يَفْتِنهُم ويلدب بهم، فخلّ بيننا وبينه، قال: فشأنكما به؛ فاستخرجا منه -فيما يزعم أهل اليمن- كلبًا أسود، فذبحاه وهدما ذلك البيت؛ فبقاياه اليوم باليمن -كما ذكر لي- وهو رئام به آثار الدّماء التي كانت تُهراق عليه.

  6. فقال تبّع في مسيره ذلك وما كان هتم به من أمر المدينة وشأن البيت وما صنع برجال هذيل الذين قالوا له ما قالوا، وما صنع بالبيت حين قدم مكّة من كسوته وتطهيره، وما ذكر له الحبْران من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

    مَا بَالُ نَوْمِكَ مِثْلَ نَوْمِ الأَرْمَدِ ... أرِقًا كَأَنَكَ لَا تَزَالُ تُسَهَّدُ

    حنَقًا على سِبْطَينِ حَلَّا يَثْرِبًا ... أوْلَى لهُمْ بعِقَابِ يَوْمٍ مُفْسِدِ!

    ولَقَدْ نَزَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ مَنْزِلًا ... طابَ الْمَبيتُ به وَطَابَ المَرْقَدُ

    وَجَعَلْتُ عَرْصَةَ مَنْزِلٍ بِرُباوةٍ ... بينَ الْعَقِيقِ إلى بقيعِ الْغَرْقَدِ

    ولقدْ تَرَكْنَا لابَهَا وَقَرَارَهَا ... وسِبَاخَهَا فُرِشَتْ بِقَاعٍ أجْرَدِ

    ولقد هَبَطْنَا يَثْرِبًا وَصدُورُنَا ... تغْلِي بَلابِلُهَا بقَتْلٍ مُحْصِدِ

    ولقدْ حَلَفْتُ يَمِينَ صَبْرٍ مُؤْليًا ... قسَمًا لَعَمْرُكَ لَيسَ بالمُتَرَدِّدِ

    إنْ جِئْتُ يَثْربَ لا أُغَادرُ وَسْطَهَا ... عذْقًا ولا بُسْرًا بيَثْرِبَ يَخْلُدُ

    حتى أَتاني منْ قُرَيظَةَ عالِمٌ ... حبْرٌ لَعَمْرُكَ في الْيهُودِ مُسَوَّدُ

    قال ازْدَجِرْ عَنْ قَرْيَةٍ مَحْفُوظَةٍ ... لنَبيّ مَكَّةَ مِنْ قُرَيشٍ مُهْتَدِ

    فَعَفوْتُ عَنْهُمْ عَفْوَ غَيرِ مُثَرِّبٍ ... وتركْتُهُمْ لِعقابِ يوْمٍ سَرْمَدِ

    ج ٦ ص ٤٤٠وتركْتُهُمْ للهِ أرْجُو عَفْوَهُ ... يومَ الْحِسَابِ مِنَ الْجَحِيمِ الْمُوقَدِ

    ولقدْ تَرَكْتُ بِهَا لَهُ مِنْ قَوْمِنا ... نفرًا أُولي حَسَبٍ وبأسٍ يُحْمَدُ

    نَفَرًا يكونُ النَّصْرُ في أَعْقابهمْ. أرْجُو بِذاكَ ثوابَ رَبِّ مُحَمَّدِ

    ما كنْتُ أحْسِبُ أَنَّ بَيتًا طاهِرًا ... لله في بَطْحاءِ مَكَّةَ يُعْبَدُ

    حتى أتاني منْ هُذَيل أعْبُدٌ ... بالدُّفِّ منْ جُمْدان فَوْقَ الْمسْندِ

    قالوا بمَكَّةَ بيتُ مَالٍ داثِرٍ ... وكنوزُهُ منْ لُؤْلؤٍ وزَبَرْجَدِ

    فأرَدْتُ أمرًا حال رَبِّي دُونَه ... واللهُ يَدْفَعُ عَنْ خَرَابِ الْمَسْجِدِ

    فَرَدَدتُ ما أمَّلْتُ فيه وفيهمُ ... وتَرَكْتُهم مَثَلًا لأهْلِ الْمشْهَدِ

    قد كانَ ذُو القَرْنَينِ قَبْلي مُسْلِمًا ... ملِكًا تَدينُ له الْملُوكُ وتُحْشَدُ

    ملَكَ الْمَشارِقَ والْمَغاربَ يبْتَغِي ... أسْبَابَ علْم منْ حَكيمٍ مُرْشدِ

    فرأى مغيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُروبها ... في عَينِ ذي خُلْبٍ وثأْطٍ حَرْمَدِ

    مِن قَبْلِهِ بلْقيسُ كانَتْ عَمّتِي ... ملَكَتْهُمُ حتى أتاها الهُدْهُدُ (١)

    1. (١)ضعيف.
  7. (٢: ١٠٩/ ١١٠) .

  8. ٨١٨ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة، قال: حدّثني ابن إسحاق، قال: هذا الحيّ من الأنصار يزعمون: أنّه إنما كان حنَق تُبّع على هذا الحيّ من يهود الذين كانوا بين أظهرهم، وأنّه أراد هلاكهم حين قدم عليهم المدينة، فمنعوه منهم، حتى انصرف عنهم ولذلك قال في شعره:

    حنَقًا على سِبْطين حلَّا يثربًا ... أوْلَى لهم بِعقابِ يوم مُفْسِدِ (٢)

    1. (٢)ضعيف.
  9. (٢: ١١٠/ ١١١) .

  10. ٨١٩ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدثنا سَلمة عن ابن إسحاق، قال: وقد كان قدِم على تُبّع قبل ذلك شافع بن كُلَيب الصَّدَفيّ، وكان كاهنًا، فأقام عنده، فلما أراد توديعَه قال تُبّع: ما بَقيَ مِنْ علمك؟ قال: بقيَ خبر ناطق، وعلم صادق، قال: فهل تجِدُ لقوم مُلْكًا يوازي ملكي؟ قال: لا إلا لملك غسان نَجْل، قال: فهل تجد ملكًا يزيد عليه؟ قال: نعم، قال: ولمن؟ قال أجده لبارّ مبرور، أيِّد بالقَهور، ووُصف في الزّبور، وفُضّلَتْ أمّته في السّفور، يفرّج الظلم بالنور،

    ج ٦ ص ٤٤١أحمد النبيّ، طوبى لأمته حين يجى، أحد بني لؤيّ، ثم أحد بني قصيّ. فبعث تُبّع إلى الزَّبُور فنظر فيها، فإذا هو يجد صفة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - (١) . (٢: ١١١) .

    1. (١)ضعيف.
  11. ٨٢٠ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عمنّ حدّثه، عن سَعيد بن جُبير، عن ابن عباس وغيره من علماء أهل اليمن ممّن يروي الأحاديث، فحدّث بعضهم بعض الحديث، وكلّ ذلك قد اجتمع في هذا الحديث: أنّ مَلِكًا من لَخْم، كان باليمن فيما بين التبابعة من حِمير، يقال له: ربيعة بن نَصْر، وقد كان قبْل ملكه باليمن مَلَك تبّع الأوَل، وهو زيد بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفيّ بن سبأ الأصغر بن كهف الظلم بن زيد بن سَهْل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم بن وائل بن الغوث بن قطَن بن عَريب بن زُهير بن أيمن بن هَمَيسع بن العرَنجج حِمْير بن سبأ الأكبر بن يعْرُب بن يَشْجُب بن قَحطان.

  12. وكان اسم سبأ عَبْد شمْس؛ وإنما سُمّيَ سبأ -فيما يزعمون- لأنه كان أول من سبَى في العرب.

  13. فهذا بيت مملكة حمير الذي فيه كانت التّبابعة، ثم كان بعد تُبّع الأول زيد بن عمرو، وشَمِر يُرْعش بن ياسر يُنعم بن عمرو ذي الأذعار، ابنُ عمّه. وشمِر يُرْعش الذي غزا الصين وبنى سَمَرْقَنْد وحَيَّرَ الحيرة، وهو الذي يقول:

    أنا شَمِرٌ أبو كَرِبَ الْيَماني ... جلَبْتُ الْخَيلَ من يَمَنٍ وشامٍ

    لآتيَ أَعْبُدًا مَرَدُوا عَلَينَا ... ورَاءَ الصِّينِ في عَثْمِ ويامِ

    فَنحْكُم في بلادِهمُ بحُكْمٍ ... سواءً لا يُجاوزه غُلام

    القصيدة كلُّها (٢) . (٢: ١١١/ ١١٢) .

    1. (٢)ضعيف.
  14. ٨٢٠ / أ- قال: ثم كان بعد شمِر يُرعش بن ياسر يُنعم تُبّع الأصغر، وهو تُبَّان أسعد أبو كرب بن مَلِكيكرب بن زيد بن تُبّع الأول بن عمرو ذي الأذعار، وهو الذي قدم المدينة، وساق الحبْرين من يهود إلى اليمن، وعمر البيت الحرام

    ج ٦ ص ٤٤٢وكساه، وقال ما قال من الشِّعر فكلّ هؤلاء ملْكه قبل ملك ربيعة بن نصر اللخميّ؛ فلما هلَك ربيعة بن نصر، رجع مُلْك اليمن كلّه إلى حسان بن تُبَّان أسعد أبي كرب بن مَلِكيكَرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار (١) . (٢: ١١٢) .

    1. (١)ضعيف.
  15. ٨٢١ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدّثني ابن إسحاق عن بعض أهل العلم: أنّ ربيعة بن نَصْر رأى رؤيا هالته، وفَظِعَ بها، فلما رآها بعث في أهل مملكته، فلم يدع كاهنًا ولا ساحرًا ولا عائفًا ولا منجّمًا إلّا جَمَعه إليه، ثم قال لهم: إنّي قد رأيت رؤيا هالتْني، وفظعت بها، فأخبروني بتأويلها، قالوا له: اقصصها علينا لنخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئنّ إلى خبركم عن تأويلها، إنَّه لا يعرف تأويلَها إلّا من يعرفها قبل أن أخبِره بها. فلما قال لهم ذلك قال رجل من القوم الذين جمعوا لذلك: فإن كان الملك يريد هذا فليبعثْ إلى سَطيح وشِقّ، فإنّه ليس أحدٌ أعلم منهما، فهما يخبرانك بما سألت - واسم سَطِيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عديّ بن مازن بن غسّان، وكان يقال لسطيح: الذّئبيّ، لنسبته إلى ذئب بن عبدّي، وشِقّ بن صعب بن يشكر بن رُهْم بن أفرك بن نذير بن قيس بن عَبْقر بن أنمار. فلما قالوا له ذلك؛ بعث إليهما، فقدِم عليه قبل شِقّ سَطِيح، ولم يكن في زمانهما مثلهما من الكُهّان، فلما قدم عليه سطيح دعاه فقال له: يا سطيح! إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها فإنّك إن أصبتَها أصبت تأويلها، قال- أفعل، رأيتَ جُمْجُمة- قال أبو جعفر: وقد وجدته في مواضع أخر، رأيت حُمَمة- خرجت من ظُلُمَة، فوقعت بأرض ثهْمَة، فأكلتْ منها كلّ ذات جُمْجُمة، فقال له الملك: ما أخطأتَ منها شيئًا يا سَطِيح، فما عندك في تأويلها؟ فقال: أحلف بما بين الحرّتين من حَنَش، ليهبِطَنّ أرضَكم الحَبَش، فليملكُنَّ ما بين أبْينَ إلى جُرَش. قال له الملك: وأبيكَ يا سطيح؛ إنّ هذا لغائظ مُوجِع، فمتى هو كائن يا سطيح؟ أفي زماني أم بعده؟ قال: لا بل بعده بحين، أكثر من ستّين أو سبعين، يمضين من السنين. قال: فهل يدوم ذلك من مُلكهم أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين، يمضين من السنين، ثم يقتلون بها أجمعون، ويخرجون منها

    ج ٦ ص ٤٤٣هاربين. قال الملك: ومَنْ ذا الذي يلي ذلك مِنْ قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه إرم ذي يَزَن، يخرج عليهم من عَدَن، فلا يترك منهم أحدًا باليمن. قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع. قال: ومَنْ يقطعه؟ قال: نبيّ زكيّ، يأتيه الوحي من العليّ. قال: وممّن هذا النبيّ؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قال: وهل للدّهر يا سطيح من آخر؟ قال: نعم، يوم يُجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون. قال: أحقُّ ما تخبرنا يا سطيح؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتّسق، إنّ ما أنبأتك به لحقّ.

  16. فلمّا فرغ قدِم عليه شِقّ، فدعاه، فقال له: يا شِقّ! إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظِعْتُ بها، فأخبرني عنها، فإنك إن أصبتَها أصبت تأويلها -كما قال لسطيح؛ وقد كتمه ما قال سطيح لينظر: أيتفِقان، أم يختلفان- قال: نعم، رأيتَ جُمجمة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كلُّ ذات نَسَمة. فلما رأى ذلك الملك من قولهما شيئًا واحدًا، قال له: ما أخطأت يا شِقّ منها شيئًا، فما عندك في تأويلها؟ قال: أحلِف بما بين الحرّتين من إنسان، لينزلنّ أرضَكم السودان، فليغلبُنّ على كلّ طَفْلة البنان، وليَملِكُنّ ما بين أبْينَ إلى نجران. فقال له الملك: وأبيك يا شِقّ إن هذا لنا لغائظ مُوجع، فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟ قال: بل بعدك بزمان، ثم يستنقذُكم منه عظيم ذو شان، ويذيقهم أشدّ الهوان. قال: ومَنْ هذا العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بدنيّ ولا مُدَنّ، يخرج من بيت ذي يَزن، قال: فهل يدوم سلطانه أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول مرسَل، يأتي بالحقّ والعدل بين أهل الدين والفضل؛ يكون المُلْك في قومه إلى يوم الفَصْل، قال: وما يوم الفصل؟ قال: يوم يجْزي فيه الولاة، يُدْعى من السماء بدعوات، يَسمع منها الأحياء والأموات، ويُجمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتَّقى الفوز والخيرات. قال: أحقّ ما تقول يا شِقّ؟ ! قال: إي وربّ السماء والأرض، وما بينهما من رفع وخَفْض: إنّ ما نبّأتك لحقّ ما فيه أمْض. فلما فرغ من مسألتهما، وقع في نفسه: أنّ الذي قالا له كائن من أمر الحبشة، فجهّزَ بنِيه وأهلَ بيته إلى العراق بما يُصْلِحهم، وكتب لهم إلى مَلِك من ملوك فارس يقال له: سابور بن خرّزاذ، فأسكنهم الحيرة، فمن بقيّة ربيعة بن نصر كان

    ج ٦ ص ٤٤٤النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهو النّعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر. ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم (١) .

    1. (١)الخبر في سيرة ابن هشام (١/ ١٩) والبداية والنهاية (٢/ ٨٩).
  17. ٨٢٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: ولما قال سَطِيح، وشِقّ لربيعة بن نصر ذلك، وصنع ربيعة بولده وأهل بيته ما صنع، ذهب ذكر ذلك في العرب، وتحدّثوا حتى فشا ذكره وعلمه فيهم، فلما نزلت الحبشة اليمن، ووقع الأمر الذي كانوا يتحدّثون به من أمر الكاهنين، قال الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة البكريّ، في بعض ما يقول، وهو يذكر ما وقع من أمر ذينك الكاهنين: سطيح، وشِقّ:

    ما نَظَرَتْ ذاتُ أشْفارٍ كنظْرتِها ... حقًّا كما نَطَقَ الذِّئبيُّ إذْ سَجَعا

    وكان سَطِيح إنما يدعوه العرب الذئبيّ، لأنّه من ولد ذئب بن عديّ. فلما هلك ربيعة بن نصر، واجتمع مُلك اليمن إلى حسّان بن تُبّان أسعد أبي كرب بن مَلِكْيكَرِب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار، كان ممّا هاج أمر الحبشة وتحوّل الملك عن حِمْير وانقطاع مدّة سلطانهم -ولكلّ أمر سبب-: أنّ حسان بن تُبّان أسعد أبي كرب، سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرضَ العرب وأرض العجم، كما كانت التبابعة قبْله تفعل؛ حتى إذا كان ببعض أرض العراق، كرِهت حِمْير وقبائل اليمن السير معه، وأرادوا الرّجعة إلى بلادهم وأهليهم؛ فكلّموا أخًا له كان معه في جيشه، يقال له: عمرو، فقالوا له: اقتل أخاك حسان؛ نملّكك علينا مكانه، وترجع بنا إلى بلادنا. فتابعهم على ذلك، فأجمع أخوه ومن معه من حِمْير وقبائل اليمن على قَتْل حَسّان، إلّا ما كان من ذي رُعَين الحميَريّ، فإنّه نهاه عن ذلك، وقال له: إنكم أهل بيت مملكتنا، لا تقتل أخاك ولا تشتِّت أمر أهل بيتك -أو كما قال له- فلما لم يقبل منه قوله -وكان ذو رُعَين شريفًا من حميَر- عَمَد إلى صحيفة فكتب فيها:

    ألا مَن يشتَري سَهرًا بِنَوْمٍ ... سعيدٌ مَن يَبيتُ قَريرَ عَينِ

    فإمَّا حِمْيَرٌ غَدَرتْ وخَانَتْ ... فمعْذِرَةُ الإلهِ لذِي رُعَينِ

    ج ٦ ص ٤٤٥ثم ختم عليها. ثم أتى بها عمرًا، فقال له: ضع لي عندك هذا الكتاب؛ فإنّ لي فيه بغيةً وحاجة، ففعل. فلما بلغ حسّان ما أجمع عليه أخوه عمرو وحمْير وقبائل اليمن من قتله؛ قال لعمرو:

    يا عَمْرُو لا تُعْجِلْ عَلَيَّ مَنِيَّتي ... فالمُلْكُ تأخُذُه بغَيرِ حُشودِ

    فأبى إلا قتلَه، فقَتله ثم رجع بمن معه من جنده إلى اليمن. فقال قائل من حمير:

    إنّ للهِ مَن رأَى مِثْل حَسَّا ... نَ قَتيلًا في سَالِفِ الأحقَابِ

    قَتَلَتْه الأقْيالُ مِن خَشيةِ الْجيـ ... ـش وقالُوا له لَبابِ لَبَابِ

    مَيتُكم خَيرُنا وحَيُّكُمُ ... رَبٌّ عَلَينا وكُلُّكُمْ أرْبابي

    فلمّا نزل عمرو بن تُبّان أسعد أبي كرب اليمن مُنع منه النّوم، وسلّط عليه السهر -فيما يزعمون- فجعل لا ينام، فلما جَهده ذلك؛ جعل يسأل الأطبّاء والحُزاة من الكهّان والعرّافين عمّا به، ويقول: منع منيّ النوم فلا أقدر عليه، وقد جَهدني السهر، فقال له قائل منهم: والله ما قتلَ رجل أخاه قطّ أو ذا رحِم بغيًا على مثل ما قتلت عليه أخاك إلّا ذهب نومُه، وسلّط عليه السّهر، فلما قيل له ذلك؛ جعل يقتُل كلَّ مَنْ كان أمرَه بقتل أخيه حسّان من أشراف حمير وقبائل اليمن؛ حتى خلص إلى ذي رُعين، فلما أراد قتله؛ قال: إنّ لي عندك براءة ممّا تريد أن تصنع بي، قال له: وما براءتك عندي؟ قال: أخرِج الكتاب الذي كنت استودعتكه ووضعته عندك، فأخرج له الكتاب، فإذا فيه ذانك البيتان من الشعر:

    أَلا مَنْ يشتَرِي سَهَرًا بنومٍ ... سعيدٌ مَنْ يبيتُ قريرَ عَينِ

    فإمَّا حِمْيَرٌ غدرتْ وخانت ... فمعذرة الإله لذي رُعَينِ

    فلمّا قرأهما عمرو قال له ذو رُعين: قد كنت نهيتُك عن قتل أخيك فعصيتَني، فلما أبيت عليّ وضعتُ هذا الكتاب عندك حجّة لي عليك، وعذرا لي عندك، وتخوّفت أن يصيبك إن أنت قتلتَه الذي أصابك، فإن أردت بي ما أراك تصنع بمن كان أمرك بقتل أخيك، كان هذا الكتاب نجاةً لي عندك، فتركه عمرو بن تُبّان أسعد فلم يقتله من بين أشراف حمير، ورأى أن قد نصحه لو قبل منه نصيحته. وقال عمرو بن تُبّان أسعد حين قتل من قتل من حمْيَر وأهل اليمن ممّن كان أمره بقتل أخيه حسان، فقال:

    ج ٦ ص ٤٤٦شَرَيْنا النَّوْمَ إذْ عُصِبَتْ عَلابِ ... بتَسهِيدٍ وعَقْدٍ غَيرِ مَينِ

    تَنَادَوْا عِنْدَ غَدْرِهِمُ: لَبابِ ... وقدْ بَرَزَتْ مَعَاذِرُ ذِي رُعَينِ

    قَتَلْنا مَنْ تولَّى المكْرَ منهمْ ... بَواءً بابْنِ رُهْمٍ غيرَ دَينِ

    قتَلْناهُمْ بحَسّانَ بن رُهْمٍ ... وحسّان قَتيل الثَّائرَينِ

    قتَلْناهُم فلا بُقْيَا عليهمْ ... وقرَّتْ عِنْدَ ذاكُمْ كلُّ عَينِ

    عُيونُ نَوَادبٍ يَبْكِينَ شَجْوًا ... حرائرَ من نسَاءِ الفيلَقَينِ

    أوانِسَ بالعِشَاءِ وهُنَّ حُور ... إذَا طلَعَتْ فُروعُ الشِّعْرَيَينِ

    فنُعْرَفُ بالوَفاءِ إذا انْتَمَينا ... ومَنْ يَغْدرْ نُبايِنْهُ ببينِ

    فَضلْنا الناسَ كلَّهُمُ جميعًا ... كفَضْلِ الإبْرِزيّ على اللُّجَينِ

    مَلَكْنَا النَّاسَ كلّهُم جَمِيعًا ... لنا الأسْبَابُ بعدَ التُّبَّعينِ

    مَلَكْنا بعدَ داوُدٍ زمانًا ... وعَبَّدْنا ملُوكَ المشْرقَينِ

    زَبَرْنا في ظَفارِ زبورَ مَجْدٍ ... ليقرَأَه قُرومُ الْقريتَينِ

  18. فنحن الطَّالبونَ لكلِّ وَتْرٍ ... إذا قال المقَاولُ أينَ أينِ!

    سَأشْفي مِنْ وُلاةِ المكرِ نَفْسي ... وكَانَ المكرُ حَينَهُمُ وحَيني

    أطَعْتُهُمُ فلم أرْشُدْ وَكَانوا ... غواةً أهلَكوا حَسَبي وزَيني

    قال: ثم لم يلبث عمرو بن تُبّان أسعد أن هلك.

    قال هشام بن محمد: عمرو بن تبّع هذا يدعى موثَبان؛ لأنه وثب على أخيه حَسّان بفُرْضة نُعْم فقتله- قال: وفُرضة نُعْم رَحَبة طوق بن مالك، وكانت نُعْم سريّة تبّع حسان بن أسعد (١) . (٢: ١١٤/ ١١٦ / ١١٥/ ١١٧) .

    1. (١)ضعيف.
  19. ٨٢٣ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحادتى. قال: فمرِج أمرُ حميَر عند ذلك، وتفرّقوا، فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة منهم، يقال له: لخنيعة ينوف ذوشناتر، فملَكهم فقتل خيارهم، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، فقال قائل من حمْير، يذكر ما ضيّعت حمْير من أمرها، وفرّقت جماعتها، ونفت من خيارها:

    تقتِّلُ أبْناها وتَنفِي سَرَاتَها ... وتَبنِي بأيديهمْ لَهَا الذلَّ حمْيَرُ

    ج ٦ ص ٤٤٧تُدمِّرُ دُنْياها بطَيش حُلُومِهَا ... ومَا ضَيَّعَتْ مِنْ دِينَها فَهُوَ أْكْثَرُ

    كذَاكَ القُرونُ قَبْلَ ذَاكَ بظلْمِها ... وإسرَافِها تأتِي الشُّرورَ فتَخْسَرُ

    وكان لخنيعة يحْوف ذو شناتر يصنع ذلك بهم - وكان امرأً فاسقًا يزعمون: أنه كان يعمل عمل قوم لوط، ثم كان -مع الذي بلغ منهم من القتل والبغْي- إذا سمع بالغلام من أبناء الملوك قد بلغ أرسل إليه فوقع عليه في مَشْرَبة له قد صنعها لذلك، لئلّا يملك بعد ذلك أبدًا، ثم يطلع من مَشْرَبته تلك إلى حَرسه ومَن حضر من جنده، وهم أسفل منه، قد أخذ سواكًا، فجعله في فيه -أي ليعلمهم أنه قد فرغ منه ثم يخلّي سبيله، فيخرج على حَرَسه وعلى الناس وقد فضحه؛ حتى إذا كان آخر أبناء تلك الملوك زُرْعة ذو نواس بن تُبّان أسعد أبي كرب بن مَلِكيكَرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار أخو حسّان -وزُرْعة كان صبيًّا صغيرًا حين أصيب أخوه، فشبّ غلامًا جميلًا وسيمًا ذا هيئة وعَقْل- فبعث إليه لخنيعة ينوف ذوشُناتر؛ ليفعل به كما كان يفعل بأبناء الملوك قبْله، فلما أتاه رسوله عرف الذي يريد به، فأخذ سِكّينًا حديدًا لطيفًا، فجعله بين نعله وقدمه، ثم انطلق إليه مع رسوله، فلمّا خلا به في مشربته تلك أغلقَها عليه وعليه، ثم وثب عليه وواثبه ذو نواس بالسكِّين فطعنه به حتى قتله، ثم احتزّ رأسَه، فجعله في كُوّة مشربته تلك التي يطلع منها إلى حرسه وجنده، ثم أخذ سِواكه ذلك، فجعله في فيه ثم خرج على الناس، فقالوا له: ذو نواس، أرطبٌ أم يَباس؟ فقال: سل تحماس استرطبان ذو نواس، استرطبان؛ لا باس. فذهبوا ينظرون حين قال لهم ما قال، فإذا رأس لخنيعة ينوف ذي شناتر في الكُوّة مقطوع في فيه سواكه، قد وضعه ذو نواس فيها. فخرجت حمير والأحراس في أثر ذي نواس حتى أدركوه، فقالوا له: ما ينبغي لنا أن يملكنا إلّا أنت؛ إذ أرحتَنا من هذا الخبيث. فملّكوه واستجمعت عليه حمْير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير. وتهوّد وتهوّدت معه حِمْير، وتسمّى "يوسف" ، فأقام في ملكه زمانًا. وبنجْران بقايا من أهل دين عيسى على الإنجيل؛ أهل فضل واستقامة، لهم من أهل دينهم رأس يقال له عبد الله بن الثّامر؛ وكان موقع أصل ذلك الدين بنَجْران، وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان، وأهلها وسائر العرب كلّها أهل أوثان يعبدونها. ثم إنّ

    ج ٦ ص ٤٤٨رجلًا من بقايا أهل ذلك الدّين وقع بين أظهرهم يقال له: فيميون، فحملهم عليه فدانوا به.

    قال هشام: زرعة ذو نواس؛ فلما تهوّد سمي يوسف، وهو الذي خدّ الخدود بنجران، وقتل النصارى (١) . (٢: ١١٧/ ١١٨ / ١١٩) .

    1. (١)ضعيف.
  20. ٨٢٤ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن المغيرة بن أبي لبيد مولى الأخنس، عن وهب بن منبّه اليمانيّ: أنه حدّثهم أن موقع ذلك الدّين بنجْران كان أنّ رجلًا من بقايا أهل دين عيسى بن مريم يقال له: فيمِيُون، وكان رجلًا صالحًا مجتهدًا زاهدًا في الدنيا، مجاب الدّعوة، وكان سائحًا ينزل القرى، لا يُعرف بقرية إلّا خرج منها إلى قرية لا يُعرَف فيها وكان لا يأكل إلّا من كَسْب يده، وكان بنّاءً يعمل الطّين، وكان يعظّم الأحد، فإذا كان الأحد لم يعمل فيه شيئًا، وخرج إلى فلاة من الأرض فصلّى بها حتى يُمسي، وكان في قرية من قرى الشّأم يعمل عمله ذلك مستخفيًا؛ إذ فطِن لشأنه رجل من أهلها، يقال له: صالح، فأحبّه صالح حبًّا لم يحبّه شيئًا كان قبله، فكان يتّبعه حيث ذهب، ولا يفطن له فيميون حتى خرج مرّة في يوم الأحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع، وقد اتّبعه صالح، وفيميون لا يدري، فجلس صالح منه منظر العين، مستخفيًا منه لا يحبّ أن يعلم مكانه، وقام فيميون يصلّي، فبينا هو يصلّي إذ أقبل نحوه التنّين -الحية ذات الرؤوس السبعة- فلما رآها فيميُون دعا عليها فماتت، ورآها صالح، ولم يدرِ ما أصابها، فخافها عليه فعيل عَوْلُه، فصرخ: يا فيميون، التنين قد أقبل نحوك! فلم يلتفت إليه، وأقبل عَلى صلاته حتى فرغ وأمسى، وانصرف وعرف أنه قد عرِف، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه، فكلّمه، فقال: يا فيميون، يعلم الله ما أحببت شيئًا حبّك قطّ، وقد أردت صُحبَتك والكينونة معك حيثما كنت. قال: ما شئت، أمري كما ترى؛ فإن ظننت أنك تقوى عليه؛ فنعم. فلزمه صالح، وقد كاد أهل القَرية أن يفطَنوا لشأنه، وكان إذا فاجأه العبدُ به ضرّ؛ دعا له فشُفِي، وإذا دُعِي إلى أحد به الضرّ؛ لم يأته. وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير، فسأل عن شأن فيميون، فقيل له: إنّه لا يأتي أحدًا إذا دعاه، ولكنّه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر، فعمد

    ج ٦ ص ٤٤٩الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته، وألقى عليه ثوبًا، ثم جاءه فقال له: يا فيميون! إنّي قد أردت أن أعمل في بيتي عملًا، فانطلق معي حتى تنظر إليه فأشارطك عليه، فانطلق معه حتى دخل حُجرته، ثم قال: ما تريد أن تعمل في بيتك؟ قال: كذا وكذا. ثم انتشط الرجل الثوبَ عن الصبيّ، ثم قال: يا فيميون! عبد من عباد الله أصابه ما ترى، فادع الله له، فقال فيميون حين رأى الصبيّ: اللهم عبد من عبادك دخل عليه عدوّك في نعمتك ليفسدها عليه فاشفِه وعافه، وامنعه منه، فقام الصبيّ ليس به بأس.

  21. وعرف فيميون: أنه قد عُرِف، فخرج من القرية، واتّبعه صالح، فبينما هو يمشي في بعض الشأم مرّ بشجرة عظيمة، فناداه منها رجل، فقال: أفيميون! قال: نعم، قال: ما زلت أنتظرك وأقول: متى هوجاء؟ حتى سمعت صوتك، فعرفت: أنك هو، لا تبرح حتى تقوم عليّ، فإني ميّت الآن. قال: فمات، وقام عليه حتى واراه ثم انصرف ومعه صالح، حتى وطئا بعضَ أرض العرب، فعدِي عليهما فاختطفتهما سيّارة من بعض العرب، فخرجوا بهما حتى باعوهما بينجران - وأهل نجران يومئذ على دين العرب، تعبد نخلة طويلة بين أظهرهم، لهم عيد كلّ سنة؛ إذا كان ذلك العيدُ علّقوا عليها كلَّ ثوب حسن وجدوه، وحليّ النساء. ثم خرجوا، فعكفوا عليها يومًا -فابتاع رجل من أشرافهم فيميون، وابتاع رجل آخر صالحًا، فكان فيمجون إذا قام من الليل- في بيت له أسكنه إياه سيّده الذي ابتاعه- يصلّي، استسرج له البيت نورًا، حتى يصبح من غير مصباح، فرأى ذلك سيّده، فأعجبه ما رأى، فسأله عن دينه فأخبره به، فقال له فيميون: إنّما أنتم في باطل؛ وإنّ هذه النخلة لا تضرّ ولا تنفع؛ لو دعوت عليها الذي أعبد أهلَكها، وهو الله وحدَه لا شريك له. قال: فقال له سيّده: فافعل؛ فإنك إن فعلت دخلنا في دينك، وتركنا ما كنّا عليه، قال: فقام فيميون، فتطهّر ثم صلّى ركعتين، ثم دعا الله عليها، فأرسل الله ريحًا فجعفتْها من أصلها فألقتها، فاتّبعه عند ذلك أهل نجران على دينه، فحملهم على الشريعة من دين عيسى بن مريم. ثم دخل عليهم بعد ذلك الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكلّ أرض. فمن هنالك كانت النصرانيّة بنجران في أرضِ العرب.

  22. فهذا حديث وهب بن منبّه في خبر أهل نجران (١) . (٢: ١١٩/ ١٢٠ / ١٢١) .

    1. (١)ضعيف. وإسناد ابن أبي لبيد مجهول العين.
    ج ٦ ص ٤٥٠
  23. ٨٢٥ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد -مولى لبني هاشم- عن محمد بن كعب القرَظيّ. قال: وحدّثني محمد بن إسحاق أيضًا عن بعض أهل نَجْران: أنّ أهلَ نجران كانوا أهلَ شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قُراها قريبًا من نجران -ونجْران القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد -ساحر يعلّم غلمانَ أهل نجران السّحر، فلما أن نزلها فيميون- قال: ولم يسمّوه باسمه الذي سمّاه به وهبُ بن منبِّه، قالوا: رجل نزلها- ابتنى خيمة بين نَجْران وبين تلك القرية التي بها الساحر، فجعل أهل نَجْران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلّمهم السحر، فبعث الثامر ابنَه عبد الله بن الثّامر مع غلمان أهل نَجْران، فكان إذا مرّ بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه، ويسمع منه حتى أسلم، فوحّد الله وعَبَده وجعل يسأله عن الاسم الأعظم -وكان يعلمه- فكتمه إيّاه، وقال: يا بن أخي، إنك لن تحتمله؛ أخشى ضعفَك عنه. فلما أبى عليه -والثامر أبو عبد الله لا يظنّ إلّا أنّ ابنه عبد الله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان- فلما رأى عبد الله أنّ صاحبه قد ضنّ به عنه، وتخوّف ضعفه فيه عَمَد إلى قِدَاح فجمعها، ثم لم يُبْقِ لله اسمًا يعلمه إلا كتبه في قِدْح؛ لكل اسم قِدْح، حتى إذا أحصاها أوقد لها نارًا، ثم جعل يقْذفُها فيها قِدْحًا قِدْحًا؛ حتى إذا مرّ بالإسم الأعظم قذف فيها بقِدْحه، فوثب القِدْح حمَى خرج منها، لم يضرّه شيء، فقام إليه فأخذه، ثم أتى صاحبه، فأخبره أنه قد علم الإسم الذي كتمه، فقال له: ما هو؟ قال: كذا وكذا، قال: وكيف علمتَه؟ فأخبره كيف صنع، قال: فقال: يا بن أخي! قد أصبته فأمسك على نفسك، وما أظنّ أن تفعل. فجعل عبد الله بن الثامر إذا أتى نَجْران لم يلق أحدًا به ضرّ إلّا قال له: يا عبد الله، أتوحّد الله وتدخل في ديني فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم، فيوحّد الله ويسلم، ويدعو له، فيشفى، حتى لم يبق أحدٌ بنجْران به ضُرّ إلّا أتاه فاتّبعه على أمره، ودعا له، فعُوفي، حتى رُفع شأنه إلى ملك نجْران، فدعاه فقال له: أفسدت عليّ أهل قريتي، وخالفتَ ديني ودين آبائي، لأمثِّلنّ بك! قال: لا تقدر

    ج ٦ ص ٤٥١على ذلك، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيُطرح عن رأسه فيقع على الأرض، ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجْران بُحور، لا يقَع فيها شيء إلّا هلَك، فَيُلقَى فيها فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه، قال عبد الله بن الثامر: إنّك والله لا تقدر على قتلي حتى توحِّدَ الله فتؤمن بما آمنت به؛ فإنك إن فعلت ذلك سُلّطت عليّ فقتلتني، فوحّد الله ذلك الملك، وشهد بشهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصًا في يده فشجّه شجّة غير كبيرة، فقتله، فهلك الملك مكانه، واستجمع أهلُ نجْران على دين عبد الله بن الثَّامر، وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم من الإنجيل وحكمه، ثمّ أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث، فمن هنالك كان أصل النّصرانية بنجران.

  24. فهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن ذلك. والله أعلم.

    قال: فسار إليهم ذو نُواس بجنوده من حِمْير وقبائل اليمن، فجمعهم ثم دعاهم إلى دين اليهودية، فخيّرهم بين القتل والدخول فيها، فاختاروا القتل، فخدّ لهم الأخدود، فحرّق بالنار، وقتّل بالسيف؟ ومثّل بهم كلّ مُثْلة، حتى قتل منهم قريبًا من عشرين ألفًا، وأفلت منهم رجل يقال له: دَوْس ذو ثعلبان، على فرس له، فسلك الرَّملَ فأعجزهم.

    قال: وقد سمعت بعضَ أهل اليمن يقول: إنّ الذي أفلت منهم رجل من أهل نَجْران يقال له: جبّار بن فيض.

    قال: وأثبت الحديثين عندي الذي حدّثني: أنه دوْس ذو ثعلبان.

  25. ثم رجع ذو نُواس بمن معه من جنوده إلى صنعاء من أرض اليمن.

  26. ففي ذي نواس وجنوده تلك حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: أنزل الله على رسوله: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ} إلى قوله: {بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} .

  27. يقال: كان فيمن قَتل ذو نُواس عبد الله بن الثامر رئيسهم وإمامهم. ويقال: عبد الله بن الثامر قُتِل قبل ذلك، قَتله ملك كان قَبْله، هو كان أصل ذلك

    ج ٦ ص ٤٥٢الدين؛ وإنما قَتل ذو نواس مَنْ كان بعده من أهل دينه (١) . (٢: ١٢٠/ ١٢١ / ١٢٢/ ١٢٣) .

    1. (١)لقد ذكر الطبري خبر فيميون هدًا مستغرقًا الصفحات (١٢١، ١٢٢، ١٢٣) عن ابن إسحاق عن بعض أهل نجران وإسناده ضعيف وفيه مخالفة لما ثبت في الصحيح من خبر أصحاب الأخدود كما عند مسلم وغيره ففيه: أن الملك لم يسلم وإنما أسلم قومه وما في الصحيح أصح وأحق أن يحتج به والله أعلم ولقد ذكر ابن كثير القصة بطولها من رواية أحمد وأشار إلى أثر ابن إسحاق المذكور آنفًا وأحببنا أن نذكر كلام الحافظ ابن الكثير رحمه الله وذكره للحديث، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى (٢/ ٣٨). قال الله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ
    2. (٢)وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ
    3. (٣)قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ
    4. (٤)النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ
    5. (٥)إِذْ هُمْ عَلَيهَا قُعُودٌ
    6. (٦)وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ
    7. (٧)وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
    8. (٨)الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ
    9. (٩)إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج ١ - ١٠] قد تكلمنا على ذلك مستقصى في تفسير هذه السورة ولله الحمد. وقد زعم محمد بن إسحاق أنهم كانوا بعد مبعث المسيح، وخالفه غيره فزعموا أنهم كانوا قبله. وقد ذكر غير واحد: أن هذا الصنيع مكرّر في العالم مرارًا في حق المؤمنين من الجبارين الكافرين، ولكن هؤلاء المذكورون في القرآن قد ورد فيهم حديث مرفوع، وأثر أورده ابن إسحاق وهما متعارضان وها نحن نوردهما لتقف عليهما. قال الإمام أحمد: حدثنا حَمَّاد بن سَلَمَةَ عن ثَابِتٍ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهَيب: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: كان مَلِكٌ فيمَنْ كان قبلَكم وكان له ساحرٌ فلما كَبر الساحرُ قال للمِلك إنّي قد كَبُرَتْ سِنِّي وحَضَرَ أجَلي فادفع إليّ كلامًا فلأعَلِّمُه السحرَ فدفع إليه غلامًا فكان يعلِّمهُ السِّحرَ، وكان بين الملك وبين السَّاحر راهبٌ، فأتى الغلامُ علي الراهِب فسمعَ من كلامِه فأعجَبه نحوهُ وكلامُه، وكان إذا أتى الساحرَ ضرَبه وقال: ما حَبَسَكَ؟ وإذا أتى أهله ضربوه، وقالوا: مَا حَبَسكَ؟ فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا أراد الساحرُ أن يضربَك، فقل: حَبَسَني أهلي، وإذا أراد أهلُك أن يضربوكَ؛ فقل: حبسني الساحر، قال فبينا هو ذات يوم إذ أتى على دابة فَظِيعة عظيمةٍ قد حبستِ النَّاس فلا يستطيعون أن يجوزُوا، فقال اليوم أعلم أمر الساحر أحبُّ إلى اللهْ أم أمر الرَّاهب، قال فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبَّ إليكَ وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابةَ حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها. ومضى فأخبر الراهب بذلك فقال: أي بني! أنت أفضل مني، وأنك ستبتلي، فإن ابتليت فلا تدل على، فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء، ويشفيهم الله على يديه، وكان جليسٌ للملك، فعَمِيَ فسمع به، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: اشفني ولك ما هاهنا أجمع، فقال: ما أنا أشفي أحدًا إنما يشفي الله عزّ وجلّ، فإن آمنت به؛ دعوت الله فشفاك فآمن فدعا الله فشفاه. ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان من رذ عليك بصرك؟ فقال: ربي، قال: ولك ربّ = = غيري؟ ! قال: نعم ربي وربّك الله، فاخذه فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الغلام، فأتى به، فقال: أي بني! بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص، وهذه الأدواء قال: ما أشفي أنا أحدًا، إنما يشفي الله عزَّ وجلَّ. قال: أنا؟ قال: لا. قال: أولكَ ربّ غيري؟ قال: ربي وربّك الله، قال فأخذه أيضًا بالعذاب، ولم يزل به حتى دلّ على الراهب فأتى الراهب فوضع فقال: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شِقَاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك، فابى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال للغلام ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا، وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلّا فدَهْدِهُوهُ. فذهبوا به فلمّا علوا الجبل. قال: اللهمّ اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله، فبعث به مع نفر في قَرْقَرَةِ، فقال: إذا لَجَجْتُمْ البحر فإن رجع عن دينه وإلّا فأغرقوه في البحر، فلججوا به البحر فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فغرقوا أجمعون، وجاء الغلام حتى دخل على الملك، فقال ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله. ثم قال للملك أنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني، وإلّا فإنك لا تستطيع قتلي. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، ثم تصلبني على جذع، وتأخذ سهمًا من كنانتي. ثم قل: بسم الله ربّ الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، ففعل ووضع السهم في كبد القوس ثم رماه وقال: بسم الله ربّ الغلام فوقع السهم في صِدْغِهِ، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات. فقال الناس: آمنا بربّ الغلام آمنا بربّ الغلام. فقيل للملك أرأيت ما كنت تحذر، فقد والله نزل بك! قد آمن الناس كلهم. فأمر بأفواه السكك فحفر فيها الأخاديد وأضرمت فيها النيران، وقال من رجع عن دينه فدعوه، وإلّا فأقحموه فيها، وقال: فكانوا يتعادون فيها ويتواقعون، فجاءه امرأة بابن لها ترضعه، فكأنَّها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي: اصبري يا أماه فإنك على الحق، كذا رواه الإمام أحمد ورواه مسلم والنسائي من حديث حماد بن سلمة، زاد النسائي وحماد بن زيد كلاهما عن ثابت به، ورواه الترمذي من طريق عبد الرزَّاق عن مَعْمَرٍ، عن ثَابت، بإسناده نحوه. والحديث في (صحيح مسلم / كتاب الزهد / ٧٣/ ٣٠٠٥) والترمذي (كتاب التفسير / ٣٣٤٠) وأحمد (ح / ٢٣٩٨٦) والله أعلم.
  28. ٨٢٥ / أ- وأما هشام بن محمد فإنه قال: لم يزل مُلْك اليمن متصلًا لا يطمع فيه طامع، حتى ظهرت الحبشة على بلادهم في زمن أنوشِرْوان. قال: وكانَ سببُ ظهورهم أن ذا نُواس الحمْيريّ ملك اليمن في ذلك الزمان، وكان يهوديًّا، فقدم عليه يهوديّ، يقال له: دَوْس من أهل نَجْران، فأخبره: أنّ أهل نجران قتلوا ابنين له ظلمًا، واستنصره عليهم -وأهل نَجْران نصارى- فحمِيَ ذو نُواس لليهوديّة،

    ج ٦ ص ٤٥٤فغزا أهلَ نجران، فأكثر فيهم القتل، فخرج رجل من أهل نَجْران، حتى قدِم على ملك الحبشة، فأعلمه ما ركبوا به، وأتاه بالإنجيل قد أحرقت النارُ بعضه، فقال له: الرّجال عندي كثير، وليست عندي سفن، وأنا كاتب إلى قيصر في البَعْثة إليّ بسفن أحمل فيها الرجال. فكتب إلى قيصر في ذلك، وبعث إليه بالإنجيل المحرّق، فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة (١) . (٢: ١٢٣/ ١٢٤) .

    1. (١)ضعيف.
    ج ٦ ص ٤٥٣
  29. ٨٢٥ / ب- رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أنه حدّث أنّ رجلًا من أهل نَجْران في زمن عمر بن الخطاب حفر خِربة من خِرب نَجْران لبعض حاجاته، فوجد عبد الله بن الثامر تحت دَفن منها قاعدًا واضعًا يده على ضَرْبة في رأسه ممسكًا عليها بيده؛ فإذا أخرت يده عنهما انثعبت دمًا، وإذا أرسلت يده ردّها عليها، فأمسك دمها، وفي يده خاتم مكتوب فيه: "ربّي الله" . فكتب فيه إلى عمر يخبره بأمره، فكتب إليهم عمر: أنْ أقرُّوه على حاله، وردُّوا عليه الدّفْن الذي كان عليه. ففعلوا (٢) . (٢: ١٢٤) .

    1. (٢)مرسل ضعيف.
  30. ٨٢٦ - وخرج دَوْس ذو ثَعْلبان، حين أعجز القومَ على وجهه ذلك؛ حتى قدم على قيصر صاحب الروم، فاستنصره على ذي نُواس وجنوده، وأخبره بما بلغ منهم، فقال له قيصر: بعُدتْ بلادك من بلادنا، ونأت عنا، فلا نقدر على أن نتناولها بالجنود؛ ولكنِّي سأكتب لك إلى ملك الحبشة؛ فإنه على هذا الدّين، وهو أقرب إلى بلادك منّا فينصرك ويمنعك ويطلب لك بثأرك ممّن ظلمك، واستحلّ منك ومن أهل دينك ما استحلّ. فكتب معه قيصر إلى مَلِك الحبشة يذكر له حقّه وما بلغ منه ومن أهل دينه، ويأمره بنصره، وطلب ثأرِه ممّن بغى عليه وعلى أهل دينه. فلما قدم دَوْس ذو ثَعْلبان بكتاب قيصر على النّجاشيّ صاحب الحبشة، بعث معه سبعين ألفًا من الحبشة وأمّر عليهم رجلًا منهم من أهل الحبشة، يقال له: أرياط؛ وعهد إليه: إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم، وأخْرِب ثلث بلادهم، واسْبِ ثُلث نسائهم وأبنائهم. فخرج أرياط ومعه جنوده، وفي جنوده أبرَهة الأشرم، فركب البحر ومعه دَوْس ذو ثعْلبان،

    ج ٦ ص ٤٥٥حتى نزلوا بساحل اليمن، وسمع بهم ذُو نُواس فجمع إليه حِمْير ومَنْ أطاعه من قبائل اليمن، فاجتمعوا إليه على اختلاف وتفرّق، لانقطاع المدّة وحلول البلاء والنِّقْمة، فلم يكن له حرب غير أنَّه ناوش ذو نُواس شيئًا من قتال، ثم انهزموا، ودخلها أرياط بجموعه، فلما رأى ذو نُواس ما رأى ممّا نزل به وبقومه وجّه فرسه إلى البحر، ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضَحْضَاح البحر، حتى أفضى به إلى غَمْرة، فأقحمه فيه، فكان آخرَ العهد به. ووطئ أرياط اليمن بالحبشة، فقتل ثلثَ رجالها، وأخرب ثلثَ بلادها، وبعث إلى النجاشيّ بثلث سباياها ثم أقام بها، قد ضبطها وأذلّها، فقال قائل من أهل اليمن، وهو يذكر ما ساق إليهم دَوْس ذو ثعلبان من أمر الحبشة؛ فقال: "لا كدَوْس ولا كأعلاقِ رَحْلِهْ" يعني: ما ساق إليهم من الحبشة، فهي مَثَل باليمن إلى اليوم (١) . (٢: ١٢٤/ ١٢٥) .

    1. (١)وانظر البداية والنهاية (١/ ٩٩).
  31. ٨٢٧ / أ- وقال ذو جَدن الحميريّ وهو يذكر حِمْير، وما دخل عليها من الذُّلّ بعد العزّ الذي كانوا فيه، وما هُدِم من حصون اليمن، وكان أرياط قد أخرب مع ما أخرب من أرض اليمن سِلْحين، وبينون، وغُمْدان حصونًا لم يكن في الناس مثلها، فقال:

    هَوْنَكِ ليسَ يَرُدُّ الدَّمْعُ ما فاتا ... لا تَهْلِكي أسَفًا في ذِكْرِ مَنْ مَاتا

    أبَعْدَ بَينُونَ لا عَيْنٌ وَلَا أثَرٌ ... وبَعْدَ سِلْحينَ يبْني النَّاسُ أَبْياتًا!

    وقال ذو جَدَنٍ الحميريّ في ذلك:

    دَعِيني لا أبا لكِ لَنْ تُطِيقي ... لحاكِ اللهُ قَدْ أنْزَفْتِ رِيقي

    لدَى عَزْفِ الْقِيانِ إذِ انْتَشَينا ... وإذ نُسْقَى منَ الخمْرِ الرّحيقِ

    وَشُرْبُ الْخمْرِ لَيسَ عَلَيَّ عَارًا ... إذَا لم يشْكُنيِ فيها رفيقي

    فإنَّ الموْتَ لَا يَنْهَاهُ نَاهٍ ... ولَوْ شَرِبَ الشِّفاءَ مَعَ النَّشُوق

    وَلا متَرَهِّبٌ في اسْطُوانٍ ... يناطِحُ جُدْرُه بَيضَ الأَنُوق

    وغُمْدَان الَّذِي حُدِّثتْ عَنْهُ ... بنَوْهُ مُمْسِكًا في رَأْسِ نيقِ

    بِمَنْهَمَةٍ وأسفَله جُروبٌ ... وحُرُّ الموْحَلِ اللَّثِقِ الزَّليقِ

    مَصَابيحُ السَّليطِ تَلُوحُ فيه ... إذَا يُمْسِي كتَوْماضِ البُرُوقِ

    ج ٦ ص ٤٥٦ونَخْلَتُه التي غُرِسَتْ إليه ... يكاد الْبُسْرُ يَهْصِرُ بالعُذوقِ

    فأصْبَحَ بَعْدَ جِدَّتِهِ رَمَادًا ... وغيَّرَ حُسْنَه لَهَبُ الْحَريقِ

    وَأَسْلَمَ ذُو نُوَاسٍ مُسْتَمِيتًا ... وحَذَّرَ قَومَهُ ضَنْك المَضِيقِ

    وقال ابن الذئبة الثّقفيّ، وهو يذكر حميَر حين نزل بها السودان وما أصابوا منهم:

    لَعَمْرُكَ ما لِلفَتَى مِنْ مَفَرّ ... مَعَ الْمَوْتِ يَلْحَقه والْكِبَرْ

    لَعَمْرُكَ ما لِلفَتَى صُحرَةٌ ... لعَمْرُكَ ما إنْ لَه مِن وَزَرْ

    أبَعْدَ قَبَائلَ مِنْ حِمْيَرٍ ... أتُوا ذَا صَبَاحٍ بِذَاتِ العَبَرْ

    بأَلْبِ ألُوبٍ وحَرَّابةٍ ... كمِثْلٍ السَّماء قُبَيلَ الْمَطَرْ

    يُصِمُّ صِيَاحُهُمُ الْمُقْرَبَات ... وينْفُون منْ قَاتَلُوا بالزُّمَرْ

    سَعَالى كمِثْلِ عَديدِ التُّرَاب ... يَيبَسُ منهم رطابُ الشَّجرْ

    وأما هشام بن محمد، فإنّه زَعم: أنّ السفن لما قدمت على النجاشيّ من عند قيصر حَمل جيشه فيها، فخرجوا في ساحل المنْدب. قال: فلما سمع بهم ذو نُواس كتب إلى المقَاول يدعوهم إلى مُظاهرته، وأن يكون أمرُهم في محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحدًا، فأبوْا، وقالوا: يقاتل كلّ رجل عن مَقوْلَته وناحيته. فلما رأى ذلك صنع مفاتيح كثيرة، ثم حملها على عِدّة من الإبل، وخرج حتى لقيَ جمعَهم، فقال: هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها، فلكم المال والأرض، واستبقوا الرجال والذرّيّة. فقال عظيمهم: اكتب بذلك إلى الملك، فكتب إلى النّجاشي، فكتب إليه يأمره بقبول ذلك منهم، فسار بهِم ذو نُواس حتى إذا دخل بهم صنعاء، قال لعظيمهم: وجِّهْ ثقاتِ أصحابك في قبْض هذه الخزائن. ففزق أصحابه في قبضها ودفَع إليهم المفاتيح، وسبقت كتُب ذي نواس إلى كلّ ناحية: أن اذبحوا كلّ ثور أسودَ في بلدكم؛ فقتلت الحبشة، فلم يبق منهم إلا الشّريد. وبلغ النجاشيّ ما كان من ذي نُواس، فجهز إليه سبعين ألفًا، عليهم قائدان: أحدهما أبرهة الأشرم؛ فلما صاروا إلى صنعاء ورأى ذو نُواس ألّا طاقة له بهم ركب فرسه، واعترض البحر فاقتحمه، فكان آخرَ العهد به وأقام أبرهة ملكًا على صنعاء ومخاليفها، ولم يبعث إلى النجاشي بشيء.

  32. فقيل للنجاشيّ: إنه قد خلعَ طاعتك، ورأى: أنه قد استغنى بنفسه، فوجّه إليه

    ج ٦ ص ٤٥٧جيشًا به رجل من أصحابه، يقال له: أرْياط، فلما حلّ بساحته؛ بعث إليه أبرهة أنّه يجمعني وإياك البلاد والدّين، والواجبُ عليّ وعليك أن ننظر لأهل بلادنا وديننا ممّن معي ومعك، فإن شئت فبارزني؛ فأيُّنا ظفر بصاحبه كان المُلْك له، ولم يقتل الحبشة فيما بيننا. فرضيَ بذلك أرياط، وأجمع أبرهة على المكْر به، فاتّعدا موضعًا يلتقيان فيه، وأكمن أبرهة لإرياط عبدًا له يقال له: أرنجده، في وَهْدةٍ قريب من الموضع الذي التقيا فيه، فلما التقيا سبق أرياط فزرق أبرهة بحربته، فزالت الحربة عن رأسه وشرمت أنفه فسمِّي الأشرم، ونهض أرنجده من الحُفْرة، فزرق أرياط فأنفذه، فقتله، فقال أبرهة لأرنجده: احتَكمْ، فقال: لا تدخل امرأة في اليمن على زوجها حتى يُبدَأ بي، قال: لك ذاك، فغبر بذلك زمانًا. ثم إن أهل اليمن عَدَوْا عليه فقتلوه، فقال أبرهة: قد أنَى لكم أن تكونوا أحرارًا، وبلغ النجاشيَّ قتلُ أرياط، فآلى ألّا يكون له ناهية دون أن يُهريق دم أبرهة، ويطأ بلادَه، وبلغ أبرهة أليّتُه، فكتب إليه: أيُّها الملك! إنّما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك، قدِم عليّ يريد توهينَ ملكك، وقتل جندك، فسألته أن يكفّ عن قتالي إلى أن أوجّه إليك رسولًا، فإن أمرته بالكفّ عني، وإلّا سلمت إليه جميع ما أنا فيه، فأبى إلّا محاربتي، فحاربته فظهرت عليه، وإنّما سلطاني لك، وقد بلغني: أنّك حلفت ألّا تنتهيَ حتى تُهريق دمي، وتطأ بلادي. وقد بعثت إليك بقارورة من دمي، وجراب من تراب أرضي؛ وفي ذلك خروجك من يمينك، فاستتمّ أيّها الملك يدك عندي؛ فإنما أنا عبدك وعزّي عزّك. فرضيَ عنه النجاشي وأقرّه على عمله (١) . (٢: ١٢٤/ ١٢٥ / ١٢٦/ ١٢٧ / ١٢٨) .

    1. (١)ضعيف.
  33. ٨٢٨ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: فأقام أرياط باليمن سنين في سلطانه ذلك، ثم نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشيّ، وكان في جنده حتى تفرّقت الحبشة عليهما، فانحاز إلى كلّ واحد منهما طائفة منهم؛ ثم سار أحدهما إلى الآخر، فلما تقارب الناس، ودنا بعضهم من بعض أرسل أبرهة إلى أرياط: إنّك لن تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تُفنيَها شيئًا؛ فابرز لي وأبرز لك، فأيّنا ما أصاب صاحبه انصرف إليه جنده.

  34. فأرسل إليه أرياط: أن قد أنصفتَني فاخرج. فخرج إليه أبرهة، وكان رجلًا قصيرًا لحيمًا حادرًا، وكان ذا دين في النصرانيّة، وخرج إليه أرياط وكان رجلًا عظيمًا طويلًا وسيمًا وفي يده حربة وخلف أبرهة ربوة تمنع ظهره وفيها غلام له يقال له عَتْودَة، فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع أرياط الحربة فضرب بها على رأس أبرهة -يريد يافوخه- فوقعت الحربة على جبهة أبرهة، فشرمتْ حاجبه وعينه وأنفه وشفته؛ فبذلك سمِّي أبرهة الأشرم، وحمل غلام أبرهة عَتْودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، فقال عَتْوَدة في قتله أرياط: "أنا عَتْوَدَهْ، من فرقة أرِدَّه، لا أبٌ ولا أمّ نجده" ، أي يقول: قتلك عبدُه، قال: فقال الأشرم عند ذلك لعْتودة: حكمك يا عتودة وإن كنت قتلته، ولا ينبغي لنا ذلك إلا ديته، فقال عَتْودة: حكمي ألّا تدخل عروس من أهل اليمن على زوجها منهم حتى أصيبها قبله. فقال: ذلك لك، ثم أخرج دية أرياط، وكان كلّ ما صنع أبرهة بغير علم النجاشيّ ملك الحبشة، فلما بلغه ذلك غضب غضبًا شديدًا، وقال: عدا على أميري، فقتله بغير أمري. ثم حلف ألّا يدع أبرهة حتى يطأ بلادَه، ويجزّ ناصيته؛ فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه، ثم ملأ جرابًا من تُراب اليمن، ثم بعث به إلى النجاشيّ، وكتب إليه: أيُّها الملك؛ إنما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك، فاختلفنا في أمرك، وكلٌّ طاعته لك، إلّا أني كنت أقوى منه على أمر الحبشة، وأضبَط لها وأسوش لها، وقد حلقت رأسي كلّه حين بلغني قَسَم الملك، وبعثت إليه بجراب من تُراب أرض اليمن، ليضعَه تحت قدميه فيبرّ قسمُه.

    ج ٦ ص ٤٥٨
  35. فلما انتهى ذلك إلى النّجاشيّ رضي عنه، وكتب إليه: أن اثبت على عملك بأرض اليمن، حتى يأتيَك أمري فلما رأى أبرهة: أنّ النجاشيّ قد رضي عنه، وملّكه على الحبشة وأرض اليمن بعث إلى أبي مرّة بن ذي يزَن، فنزع منه امرأته ريحانة ابنة علْقمة بن مالك بن زيد بن كَهْلان- وأبو ريحانة ذو جَدَن، وقد كانت ولدت لأبي مرة معد يكرب بن أبي مرة، وولدت لأبرهة بعد أبي مرة مسروق بن أبرهة، وبسباسة ابنة أبرهة، وهرب منه أبو مرّة فأقام أبرهة باليمن وغلامه عَتْودة يصنع باليمن ما كان أعطاه من حكمه حينًا، ثم عدا على عَتَوْدة رجل من حِمْير -أو من خثعم- فقتله، فلما بلغ أبرهة قتله- وكان رجلًا حليمًا سيدًا شريفًا ورعًا

    ج ٦ ص ٤٥٩في دينه من النصرانية- قال: قد أنَى لكم يا أهل اليمن أن يكونَ فيكم رجل حازم، يأنف مما يأنف منه الرجال؛ إنّي والله لو علمت حين حكّمته أنّه يسأل الذي سأل ما حكّمتُه، ولا أنعمته عينًا، وأيم الله لا يُؤخذ منكم فيه عَقْل، ولا يتبعكم منّي في قتله شيء تكرهونه.

    قال: ثم إنّ أبرهة بني القُلَّيْس بصنعاء، فبنى كنيسة لم يُر مثلها في زمانها بشيء من الأرض، ثم كتب إلى النّجاشيّ ملك الحبشة: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يُبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنتهٍ حتى أصرفَ إليها حاجّ العرب.

  36. فلما تحدّثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشيّ غضب رجل من النّسَأة أحد بني فقيم، ثم أحد بني مالك، فخرج حتى أتى القُلَّيس فقعد فيها، ثم خرج فلحق بأرضه؛ فأخبر بذلك أبرهة، فقال: من صنع هذا؟ فقيلَ: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجّ العرب إليه بمكّة؛ لما سمع من قولك: أصرف إليه حاجّ العرب، فغضب فجاء فقعد فيها؛ أي أنها ليست لذلك بأهل. فغضِب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرَنّ إلى البيت فيهدمه، وعند أبرهة رجال من العرب، قد قدموا عليه يلتمسون فضله، منهم محمد بن خُزاعيّ بن حزابة الذكوانيّ، ثم السُّلَمي، في نفر من قومه، معه أخ له، يقال له: قيس بن خُزاعيّ؛ فبينا هم عنده غشيَهم عبد لأبرهة، فبعث إليهم فيه بغدائه، وكان يأكل الخُصَى، فلما أتي القوم بغدائه؛ قالوا: والله لئن أكلنا هذا لا تزال تعيجنا به العرب ما بقينا، فقام محمد بن خزاعيّ، فجاء أبرهة فقال: أيها الملك! هذا يوم عيد لنا، لا نأكل فيه إلا الجُنوب والأيدي، فقال له أبرهة: فسنبعث إليكم ما أحببتم؛ فإنما أكرمتكم بغدَائي لمنزلتكم مني.

  37. ثم إن أبرهة توّج محمد بن خُزاعيّ، وأمّره على مُضَر، وأمره أن يسير في الناس يدعوهم إلى حجِّ القُلَّيس؛ كنيسته التي بناها. فسار محمد بن خُزاعيّ، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة -وقد بلغ أهلَ تِهامة أمرُه، وما جاء له- بعثوا إليه رجلًا من هُذيل، يقال له: عروة بن حياض الملاصيّ، فرماه بسهم فقتله. وكان مع محمد بن خُزاعيّ أخوه قيس، فهرب حين قُتل أخوه، فلحق بأبرهة،

    ج ٦ ص ٤٦٠فأخبره بقتله، فزاد ذلك أبرهة غضبًا وحَنقًا، وحلَف ليغزوَنّ بني كنانة وليهدمنّ البيت.

  38. وأما هشام بن محمّد، فإنه قال: بنَى أبرهة بعد أن رضيَ عنه النّجاشي وأقرّه على عمله كنيسة صنعاء، فبناها بناء معجِبًا لم يُرَ مثله بالذهب والأصباغ المعجبة، وكتب إلى قيصر يعلمه أنّه يريد بناء كنيسة بصنعاء، يبقى أثرُها وذكْرها، وسأله المعونةَ له على ذلك فأعانه بالصنّاع والفُسَيفساء والرّخام، وكتب أبرهة إلى النجاشيّ حين استتمّ بناؤها: إنّي أريد أن أصرف إليها حاجّ العرب. فلما سمعت بذلك العرب أعظمته، وكُبر عليها، فخرج رجل من بني مالك بن كنانة حتى قدم اليمن، فدخل الهيكل، فأحدث فيه، فغضب أبرهة، وأجمع على غزو مكة وهدْم البيت، فخرج سائرًا بالحبشة ومعه الفيل، فلقيَه ذو نَفْر الحميريّ، فقاتله فأسره، فقال: أيها الملك! إنما أنا عبدك فاستبقني، فإنّ حياتي خير لك مِنْ قتلي، فاستبقاه، ثم سار فلقيَه نُفيل بن حبيب الخثعميّ، فقاتله فهزم أصحابه، وأسرَه، فسأله أن يستبقيَه، ففعل وجعله دليله في أرض العرب (١) . (٢: ١٢٨/ ١٢٩ / ١٣٠/ ١٣١ / ١٣٢) .

    1. (١)ضعيف.
  39. ٨٢٩ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: ثم إن أبرهة حين أجمع السّير إلى البيت؛ أمر الحبشان فتهيّأت وتجهّزت، وخرج معه بالفيل - قال: وسمعت العرب بذلك، فأعظموه، وفظِعوا به، ورأوْا جهاده حقًّا عليهم حين سمعوا: أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام- فخرج له رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له: ذو نفْر، فدعا قومه ومن أجابه منهم من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وإخرابه، فأجابه مَنْ أجابه إلى ذلك، وعرض له فقاتله، فهُزِم ذو نفْر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر أسيرًا، فأتِيَ به، فلما أراد قتله قال له ذو نفْر: أيُّها الملك! لا تقتلني؛ فإنّه عسى أن يكون كوني معك خيرًا لك من قتلي. فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق -وكان أبرهة رجلًا حليمًا- ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك، يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خَثْعم؛ عرض له نُفَيل ابن حبيب الخثعميّ في قبيلي

    ج ٦ ص ٤٦١خثعم: شهران وناهس ومَنْ تبِعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخِذ له نُفيل أسيرًا، فأتى به؛ فلما همّ بقتله؛ قال له نُفَيل: أيُّها الملك! لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يدايَ لك على قبيلي خثعم؟ شهران، وناهس بالسمع والطّاعة، فأعفاه وخلّى سبيله، وخرج به معه يدلّه على الطريق، حتى إذا مرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن معتّب في رجال ثقيف، فقال له: أيُّها الملك! إنّما نحن عبيدُك، سامعون لك مطيعون ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد -يعنون اللّات- إنما تريد البيتَ الذي بمكّة -يعنون الكعبة- ونحن نبعث معك مَنْ يدلك. فتجاوز عنهم، وبعثوا معه أبا رِغال، فخرج أبرهة ومعه أبو رِغال، حتى أنزله المغمِّس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت العرب قَبرَه، فهو القبر الذي يرجُم الناس بالمغمِّس.

  40. ولما نزل أبرهة المغمّس؛ بعث رجلًا من الحبشة، يقال له: الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل مكة من قُريش وغيرهم، وأصاب منها مئتي بعير لعبد المطلب بن هاشم؛ وهو يومئذ كبير قريش وسيّدها، فهمّت قريش وكنانة وهذيل ومَنْ كان بالحرَم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا: أنّه لا طاقة لهم به؛ فتركوا ذلك، وبعث أبرهة حُناطة الحميريّ إلى مكة، وقال له: سلْ عن ستد هذا البلد وشريفهم؛ ثم قل له: إن الملك يقول لكنم: إني لم آتِ لحربكم؛ إنما جئت لهدم البيت؛ فإن لم تعرضوا دونه بحرب، فلا حاجةَ لي بدمائكم؛ فإن لم يُرِدْ حربي فَائْتني به.