ذكر بقية خبر تبع أيام قباذ وزمن أنوشروان وتوجيه الفرس الجيش إلى اليمن لقتال الحبشة وسبب توجيهه إياهم إليها

٨٤ فقرة، ج ٦ ص ٤٣٦

الصفحة ٢ من ٣

  1. فلما دخل حُنَاطة مكّة سأل عن سيّد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، فجاءه، فقال له ما أمره به أبرهة. فقال له عبد المطّلب: والله ما نريد حربَه، وما لنا بذلك من طاقة؛ هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم -أو كما قال- فإنْ يمنعْه فهو بيته وحَرمه، وإن يخلّ بينه وبينه، فوالله ما عندنا من دَفْع عنه -أو كما قال له- فقال له حُناطة: فانطلِق إلى الملِك، فإنّه قد أمرني أن آتيَه بك- فانطلق معه عبد المطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نفْر- وكان له صديقًا- حتى دُلّ عليه، وهو في محبسه، فقال له: يا ذا نفْر! هل عندك غَناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفْر: وما غَناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوًّا أو عشيًّا! ما عندي غناء في

    ج ٦ ص ٤٦٢شيء مما نزل بك إلّا أن أنيسًا سائس الفيل لي صديق، فسأرسل إليه فأوصيه بك، وأعظّم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلّمه بما تريد، ويشفع لك عنده بخير؛ إن قدر على ذلك. قال: حسبي.

    ج ٦ ص ٤٦١
  2. فبعث ذو نفْر إلى أنَيس، فجاء به، فقال: يا أنَيس! إن عبد المطلب سيّد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس بالسّهل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب له الملك مئتي بعير فاستأذِنْ له عليه، وانفعه عنده بما استطعت. قال: أفعل، فكلّم أنيس أبرهة، فقال: أيها الملك! هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عِير مكّة يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، فَائْذنْ له عليك، فيكلِّمك بحاجته وأحْسِن إليه. قال: فأذن له أبرهة -وكان عبد المطلب رجلًا عظيمًا وسيمًا جسيمًا- فلما رآه أبرهة أجلّه وأكرمه أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يُجلسه معه على سرير مُلْكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه، وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له حاجَتك إلى الملك، فقال له ذلك التّرجمان، فقال عبد المطّلب: حاجتي إلى الملك أن يردّ عليّ مئتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتُك، ثم زهدت فيك حين كلّمتَني؛ أتكلّمني في مئتي بعير قد أصبتُها لك وتتركُ بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئتُ لهدمه لا تكلّمني فيه! قال له عبد المطلب: إنّي أنا ربّ الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه، قال: ما كان ليمنع منّي، قال: أنت وذاك، اردد إليّ إبلي.

  3. وكان -فيما زعم بعض أهل العلم- قد ذهب مع عبد المطّلب إلى أبرهة حين بحث إليه حُناطة: يعمر بن نُفاثة بن عديّ بن الدُّئِل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة -وهو يومئذ سيّد بني كنانة- وخويلد بن واثلة الهذلي -وهو يومئذ سيد هُذَيل- فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تِهامة على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم. والله أعلم.

  4. وكان أبرهة قد ردّ على عبد المطلب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه؛ انصرف عبد المطّلب إلى قُريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرّز في شَعَف الجبال والشِّعاب تخوُّفًا عليهم معرّة الجيش، ثم قام عبد المطّلب فأخذ بحلْقة الباب باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله

    ج ٦ ص ٤٦٣ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب، وهو آخذ بحلْقة باب الكعبة:

    يَا رَبِّ لَا أرْجُو لَهْم سواكَا ... يا رَبّ فامْنَعْ مِنْهُمُ حِمَاكا

    إنَّ عَدُوَّ الْبَيتِ مَن عاداكا ... امْنَعْهُمُ أنْ يُخْرِبُوا قُراكا

    ثم قال أيضًا:

    لاهُمَّ إنَّ الْعَبْدَ يَمْـ ... ـنعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حِلالكْ

    لا يغلبنَّ صَلِيبُهُمْ ... ومِحالُهُم غَدْوًا مِحَالك

    فلَئِنْ فَعَلْتَ فَرُبَّمَا ... أوْلى فأَمْرٌ ما بدا لَك

    ولئنْ فَعَلْتَ فإِنَّه ... أمْرٌ تُتِمُّ بِهِ فِعالكْ

    جَرُّوا جُموعَ بِلادِهم ... والْفِيلَ كَي يَسْبُوا عِيالكْ

    عَمَدُوا حِمَاكَ بكَيدِهِمْ ... جهْلًا ومَا رَقِبُوا جَلالكْ

  5. [وقال أيضًا] :
  6. وَكُنْتَ إذا أَتَى باغٍ بِسِلْمٍ ... نُرَجّي أَنْ تَكُونَ لَنا كذَلِكْ

    فَوَلّوْا لم ينالُوا غَيرَ خِزْيٍ ... وكانَ الْحَينُ يُهْلِكُهُمْ هُنَالِكْ

    ولم أَسْمَعْ بأرْجَسَ من رِجالٍ ... أرَادوا العِزَّ فانْتهكُوا حَرَامَكْ

    ثم أرسل عبد المطلب حَلْقة الباب، باب الكعبة، وانطلق هو ومَنْ معه من قريش إلى شعَف الجبال، فتحرّزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكّة إذا دخلها. فلما أصبح أبرهة تهيّأ لدخول مكة، وهيأ فيلَه، وعبَّى جيشه -وكان اسم الفيل محمودًا- وأبرهة مجمع لهدْم البيت ثم الانصراف إلى اليمن؛ فلما وجَّهوا الفيل أقبل نُفيل بن حَبيب الخَثْعَميّ حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بإذنه، فقال: ابْرُكْ محمُود، وارجعْ راشدًا من حيث جئت؛ فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل وخرج نُفيل بن حبيب يشتدّ حتى صعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقومَ فأبى، وضربوا في رأسه بالطّبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجنَ لهم في مَرَاقّه فبزَغوه ليقوم فأبى، فوجّهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجّهوه إلى الشأم ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى مكّة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كلّ طير منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في مِنقاره، وحجران في رجليه مثل الحمّص،

    ج ٦ ص ٤٦٤والعَدَس لا تصيب منهم أحدًا إلَّا هلك، وليس كلُّهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاؤوا، ويسألون عن نُفيل بن حبيب ليدلّهم على الطريق إلي اليمن، فقال نُفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته:

    أَينَ الْمَفرّ والإلهُ الطَّالِبْ ... والأشْرَمُ الْمَغْلوبُ غَيرُ الغالبْ!

    وقال نفيل أيضًا:

    ألا حُيِّيتِ عَنَّا يا رُدَيْنا ... نعِمْناكمْ مَعَ الإصْباح عَينا

    أتانا قابِسٌ مِنكمْ عِشاءً ... فلَمْ يُقدَرْ لقَابِسِكمْ لدَينا

    رُدينَةُ لوْ رَأَيتِ ولَم تَرَيهِ ... لدَى جَنْبِ المُحَصَّبِ مَا رَأَينا

    إذًا لَعَذَرْتني وحَمِدْتِ رَأْيي ... ولم تأسَي عَلَى ما فاتَ بَينا

    حَمِدْتُ اللهَ إذْ عَايَنْتُ طيرًا ... وخِفْتُ حِجَارَةً تُلْقَى عَلَينَا

    فكلُّ القَوْمِ يَسْألُ عن نُفَيلٍ ... كأَنَّ عَلَيَّ لِلْحِبْشَانِ دَينَا!

  7. فخرجوا يتساقطون بكلّ طريق، ويهلكون بكل مهلكٍ على كلِّ منهَل، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم تسقط أنامله أنمُلةً أنمُلةً، كلّما سقطت منه أنملة اتبعتها منه مِدّة تَمُثّ قيحًا ودمًا حتى قَدموا به صنعاء؛ وهو مثل فرخ الطّير، فما مات حتى انصدع صدره من قلبه -فيما يزعمون (١) (٢: ١٣٣/ ١٣٢ / ١٣٤/ ١٣٥ / ١٣٦) .

    1. (١)الخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٤٢) وأخرجه البيهقي (دلائل النبوة ١/ ١١٥) والله أعلم.
  8. ٨٣٠ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا عبد الله بن عثمان بن أبي سُليمان عن أبيه، قال: وحدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن السّلمانيّ عن أبيه، قال: وحدّثنا عبد الله بن عمرو بن زهير الكَعْبيّ عن أبي مالك الحِمْيريّ عن عطاء بن يسار، قال: وحدّثنا محمد بن أبي سعيد الثَّقَفيّ عن يَعلَى بن عطاء، عن وكيع بن عُدُس، عن عمّه أبي رَزين العُقَيلي، قال: وحدّثنا سعيد بن مُسْلم عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، عن ابن عبّاس -دخل حديث بعضهم في حديث بعض- قالوا: كان النجاشي قد وجّه أرياط أبا صحم في أربعة آلاف إلى اليمن، فأداخها وغلب عليها، فأعطى الملوك، واستذلّ الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له: أبرهة الأشرم

    ج ٦ ص ٤٦٥أبو يكسوم، فدعا إلى طاعته، فأجابوه، فقتل أرياط، وغلب على اليمن، ورأى الناس يتجهّزون أيام الموسم للحجّ إلى البيت الحرام، فسأل: أين يذهب الناس؟ فقالوا: يحجّون إلى بيت الله بمكة، قال: ممّ هو؟ قالوا: من حجارة، قال: فما كسوته؟ قالوا: ما يأتي ها هنا من الوصائل، قال: والمسيح لأبنيَنّ لكم خيرًا منه! فبنى لهم بيتًا، عمله بالرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلّاه بالذهب والفضة، وحفَّه بالجوهر، وجعل له أبوابًا عليها صفائح الذهب ومسامير الذهب، وفصل بينها بالجوهر، وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة، وجعل لها حجابًا، وكان يوقد بالمْندَل، ويلطّخ جُدُره بالمِسك، فيسوّده حتى يغيب الجوهر. وأمر الناس فحجّوه، فحجّه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيه رجال يتعبّدون ويتألّهون، ونَسَكوا له، وكان نُفيل الخثعميّ يؤرِّض له ما يكره، فلما كان ليلة من الليالي لم ير أحدًا يتحرّك، فقامَ فجاء بعَذرة فلطّخ بها قبْلته، وجمع جِيفًا فألقاها فيه. فأخبر أبرهة بذلك، فغضب غضبًا شديدًا، وقال: إنّما فعلت هذا العرب غضبًا لبيتهم، لأنقضنّه حجرًا حجرًا. وكتب إلى النجاشيّ يخبره بذلك، ويسأله أن يبعث إليه بفيله "محمود" -وكان فيلًا لم يُر مثله في الأرض عِظَمًا وجسمًا وقوّة- فبعث به إليه، فلما قدم عليه الفيل سار أبرهة بالناس ومعه مَلِك حِمْير، ونُفَيل بن حبيب الخثعميّ، فلما دنا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نَعم الناس، فأصابوا إبلًا لعبد المطلب، وكان نُفَيل صديقًا لعبد المطّلب، فكلّمه في إبله، فكلّم نُفَيل أبرهة، فقال: أيُّها الملك، قد أتاك سيّد العرب وأفضلهم قَدْرًا، وأقدمهم شرفًا، يحمل على الجياد ويعطى الأموال، ويُطعِم ما هبّت الريح. فأدخله على أبرهة، فقال: حاجتك! قال: تردّ عليّ إبلي، فقال: ما أرى ما بلغني عنك إلا الغُرور، وقد ظننت أنّك تكلّمني في بيتكم الذي هو شرفُكم، فقال عبد المطلب: ارددْ عليّ إبلي، ودونك البيت؛ فإن له ربًّا سيمنعه. فأمر بردّ إبله عليه، فلما قبضها قلّدها النّعال، وأشعرها، وجعلها هَدْيًا، وبثّها في الحرَم لكي يصاب منها شيء فيغضب ربّ الحرم، وأوفى عبد المطلب على حراء ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومُطعم بن عديّ وأبو مسعود الثقفيّ، فقال عبد المطلب:

    لَا هُمَّ إنَّ المَرْء يَمْـ ... ـنَعُ رَحْلَه فامْنَعْ حِلالكْ

    لا يَغلِبنَّ صَلِيبُهُمْ ... ومِحالُهُمْ غَدْوًا مِحالكْ

    ج ٦ ص ٤٦٦إنْ كنْتَ تاركَهم وَقِبْـ ... ـلتنا فأمْرٌ ما بَدَا لكْ

    قال: فأقبلت الطّير من البحر أبابيل، مع كلّ طير [منها] ثلاثة أحجار: حجَران في رجليه، وحجر في مِنقاره، فقذفت الحجارة عليهم، لا تصيب شيئًا إلا هشّمته، وإلّا نفَط ذلك الموضع، فكان ذلك أول ما كان الجُدريّ، والحصبة، والأشجار المرّة، فأهمدتهم الحجارة، وبعث الله سيلًا أتِيًّا، فذهب بهم فألقاهم في البحر.

    قال: وولّى أبرهة ومَنْ بَقِيَ معه هُرّابًا، فجعل أبرهة يسقط عضوًا عضوًا. وأما "محمود" فيل النجاشيّ فربَض ولم يشجع على الحرَم فنجا، وأما الفيل الآخر فشجع فحُصب. ويقال: كانت ثلاثة عشر فيلًا، ونزل عبد المطّلب من حراء، فأقبل رجلان من الحبشة فقبّلا رأسه وقالا: أنت كنت أعلم.

  9. حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدّث أنّ أول ما رُئيَتِ الحصبة والجدريّ بأرض العرب ذلك العام، وأنه أوّل ما رئي بها مُرار الشجر: الحَرْمل والحنظل والعُشر، ذلك العام (١) . (٢: ١٣٧/ ١٣٨ / ١٣٩) .

    1. (١)ضعيف.
  10. ٨٣١ - قال ابن إسحاق: ولما هلك أبرهة ملك اليمن ابنُه في الحبشة يكسوم بن أبرهة -وبه كان يكنى- فذلّت حِمير وقبائل اليمن ووطئتهم الحبشة؛ فنكحوا نساءهم، وقتلوا رجالهم، واتّخذوا أبناءهم تراجمة بينهم وبين العرب.

    قال: ولما ردّ الله الحبشة عن مكّة، فأصابهم ما أصابهم من النقمة، عَظّمت العرب قريشًا، وقالوا: أهل الله، قاتل الله عنهم، فكفَاهم مؤونة عدوّهم.

    قال: ولما هلك يكسوم بن أبرهة ملكَ اليمن في الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة، فلما طال البلاء على أهل اليمن -وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروقًا، وأخرجوا الحبشة من اليمن ثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم أربعة ملوك: أرياط، ثم أبرهة، ثم يكسوم بن أبرهة، ثم مسروق بن أبرهة- خرج سيف بن ذي يَزن الحميريّ، وكان يكنى بأبي مُرّة، حتى قدم على قيصر ملك الروم، فشكا ما همْ فيه، وطلب إليه أن

    ج ٦ ص ٤٦٧يخرجَهم عنه، ويليهم هو، ويبعث إليهم مَنْ شاء من الروم، فيكون له ملك اليمن، فلم يُشْكه، ولم يجد عنده شيئًا مما يريد، فخرج حتى قدم الحيرة على النعمان بن المنذر -وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العرب من العراق- فشكا إليه ما همْ فيه من البلاء والذلّ، فقال له النعمان: إنّ لي على كسرى وفادة في كلّ عام، فأقِم عندي حتى يكون ذلك، فأخرج بك معي. قال: فأقام عنده حتى خرج النّعمان إلى كسرى، فخرج معه إلى كِسرى، فلما قدِم النّعمان على كسرى وفرغ من حاجته؛ ذكر له سيف بن ذي يزن، وما قدم له، وسأل أن يأذنَ له عليه، ففعل. وكان كسرى إنما يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه، وكان تاجه مثل القَنْقَل العظيم، مضروبًا فيه الياقوت، والزبرجد، واللؤلؤ، والذهب، والفضة معلّقًا بسلسلة من ذهب في رأس طاق مجلسه ذلك، كانت عنقه لا تحمل تاجه، إنما يُستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك، ثم يدخل رأسه في تاجه، فإذا استوى في مجلسه كشف الثياب عنه فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلّا برك هيبة له. فلما دخل عليه سيف بن ذي يزنَ برك، ثم قال: أيّها الملك! غلبتْنا على بلادنا الأغربة، فقال كسرى: أيّ الأغربة؟ الحبشة أم السّند؟ قال: بل الحبشة، فجئتك لتنصرَني عليهم، وتخرِجهم عنّي، ويكون مُلْك بلادي لك، فأنت أحبّ إلينا منهم. قال: بعدث أرضك من أرضنا، وهي أرض قليلة الخير؛ إنّما بها الشاء والبعير، وذلك ممّا لا حاجة لنا به، فلم أكن لأورّط جيشًا من فارس بأرض العرب. لا حاجة لي بذلك! ثم أمر فأجيز بعشرة آلاف درهم وافٍ، وكساه كسوة حسنة.

  11. فلما قبض ذلك سيف بن ذي يزن؛ خرج فجعل ينثُر الورِق للناس يُنْهِبها الصبيان والعبيد والإماء، فلم يلبث ذلك أنّ دخل على كسرى، فقيل له: العربيّ الذي أعطيتَه ما أعطيته ينثُرْ دراهمه للناس جممهِبها العبيد والصبيان والإماء. فقال كسرى: إنّ لهذا الرجل لشأنًا، ائتوني به، فلما دخل عليه قال: عمَدت إلى حِباء الملك الذي حَباك به تنثره للناس! قال: وما أصنع بالذي أعطاني الملك! ما جبالُ أرضي التي جئت منها إلّا ذهب وفضة -يرغبه فيها؛ لما رأى من زهادته فيها- إنّما جئت الملك ليمنعَني من الظلم، ويدفع عني الذلّ، فقال له كسرى: أقم عندي حتى أنظر في أمرك. فأقام عنده.

  12. وجمع كسرى مَرَازبته، وأهلَ الرأي ممّن كان يستشيره في أمره، فقال: ما ترون في أمر هذا الرجل، وما جاء له؟ فقال قائل منهم: أيُّها الملك، إن في سجونك رجالًا قد حبستَهم للقتل، فلو أنّك بعثتهم معه، فإن هلكوا كان الذي أردتَ بهم، وإن ظهروا على بلاده كان مُلكًا ازددته إلى ملكك. فقال: إنّ هذا الرأي! أحصوا لي كمْ في سجوني من الرجال؛ فحسبوا له، فوجدوا في سجونه ثمانمئة رجل، فقال: انظروا إلى أفضل رجل منهم حَسَبًا، وبيتًا، اجعلوه عليهم. فوجدوا أفضلَهم حسبًا وبيتًا وَهْرِز -وكان ذا سنّ- فبعثه مع سيف، وأمّره على أصحابه، ثم حملهم في ثماني سفائن، في كلّ سفينة مئة رجل، وما يصلحهم في البحر.

    ج ٦ ص ٤٦٨
  13. فخرجوا حتى إذا لجَّجوا في البحر، غرقت من السفن سفينتان بما فيهما، فخلَص إلى ساحل اليمن من أرْض عدن ستّ سفائن، فيهنّ ستمئة رجل، فيهم وهرِز، وسيف بن ذي يزن، فلما اطمأنّا بأرض اليمن، قال وهْرِز لسيف: ما عندك؟ قال: ما شئتَ من رجل عربيّ، وفرس عربيّ؛ ثم اجعل رجلي مع رجلك؛ حتى نموت جميعًا أو نظهر جميعًا. قال وَهْرِز: أنصفت، وأحسنت! فجمعَ إليه سيف مَن استطاع من قومه، وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده من الحبشة، ثم سار إليهم حتى إذا تقارب العسكران، ونزل الناسُ بعضهم إلى بعض بعث وهرِز ابنًا له كان معه - يقال له: نَوْزاذ- على جريدة خَيل، فقال له: ناوشهم القتال، حتى ننظر كيف قتالهم. فخرج إليهم فناوشهم شيئًا من قتال، ثم تورّط في مكان لم يستطع الخروج منه، فقتلوه، فزاد ذلك وهرِز حنقًا عليهم، وجِدًّا على قتالهم.

  14. فلما تواقف الناس على مصافّهم قال وهرِز: أروني ملِكهم، فقالوا: ترى رجلًا على الفيل عاقدًا تاجَه على رأسه، بين عينيه ياقوتة حمراء، قال: نعم، قالوا: ذاك ملكهم، قال: اتركوه. فوقفوا طويلًا، ثم قال: علام هو؟ قالوا: قد تحوّل على الفرس، فقال: اتركوه، فوقفوا طويلًا، ثم قال: علام هو؟ قالوا: قد تحوّل على البغلة، قال: ابنة الحمار! ذلّ وذلّ ملكه، هل تسمعون أنّي سأرميه، فإن رأيتم أصحابه وقوفًا لم يتحرّكوا فاثبتوا حتى أوذنكم، فإنّي قد

    ج ٦ ص ٤٦٩أخطأت الرجل، وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به، فقد أصبت الرجل، فاحملوا عليهم.

  15. ثم أوْتَر قوسه -وكانت فيما زعموا لا يوتِرها غيره من شدّتها- ثم أمر بحاجبيه فعُصِّبا له، ثم وضع في قوسه نُشابة فمغَط فيها حتى إذا ملأها أرسلها فصكّ بها الياقوتة التي بين عينيه، فتغلغلت النّشابة في رأسه، حتى خرجت من قفاه، وتنكّس عن دابّته، واستدارت الحبشة، ولاثت به، وحملت عليهم الفُرْس، وانهزمت الحبشة، فقتِلوا وهرب شريدهم في كلّ وجه، فأقبل وَهْرِز يريد صنعاء يدخلها؛ حتى إذا أتى بابها قال: لا تدخل رايتي منكّسة أبدًا، اهدموا الباب. فهدم باب صنعاء، ثم دخلها ناصبًا رايتَه يُسار بها بين يديه.

  16. فلما ملك اليمن ونفى عنها الحبشة كتب إلى كسرى: إنّي قد ضبطت لك اليمن، وأخرجت مَنْ كان بها من الحبشة؛ وبعث إليه بالأموال. فكتب إليه كسرى يأمره أن يملّك سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها، وفرض كسرى على سيف بن ذي يزن جِزْية وخرجًا يؤديه إليه في كلّ عام معلوم، يُبْعث إليه في كلّ عام. وكتب إلى وهرِز أن ينصرف إليه. فانصرف إليه وهرز، وملِّك سيف بن ذي يزن على اليمن، وكان أبوه ذو يزن من ملوك اليمن.

  17. فهذا ما حدثنا به ابن حميد عن سلمة، عن ابن إسحاق من أمر حِمْير، والحبشة، وملكهم وتوجيه كسرى من وجّه لحرب الحبشة باليمن (١) . (٢: ١٤٢/ ١٤١) .

    1. (١)الخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٥٤ - ٥٧) وانظر البداية والنهاية (٢/ ١١٠).
  18. ٨٣٢ - وأمّا هشام بن محمد، فإنَّه قال: ملك بعد أبرهة يكسوم، ثم مسروق. قال: وهو الذي قتله وهرِز في مُلك كسرى بن قُباذ، ونفى الحبشة عن اليمن.

    قال: وكان من حديثه: أن أبا مُرّة الفيَّاض ذا يزن، كان من أشراف اليمن، وكانت تحته ريحانة ابنة ذي جَدن، فولدت له غلامًا سمّاه: مَعْدِ يكرب، وكانت ذاتَ جمال، فانتزعها الأشرم من أبي مُرّة، فاستنكحها، فخرج أبو مرّة من اليمن، فلحق ببعض ملوك بني المنذر -أظنُّه عمرو بن هند- فسأله أن يكتب له

    ج ٦ ص ٤٧٠إلى كسرى كتابًا، يعلمه فيه قدرَه وشرفه ونزوعه إليه فيما نزع إليه فيه. فقال: لا تعجَل، فإنّ لي عليه في كلّ سنة وفادة، وهذا وقتها، فأقام قِبَله حتى وفَد عليه معه، فدخل عمرو بن هند على كِسرى، فذكر له شرفَ ذي يزن وحاله، واستأذن له، فدخل فأوسع له عمرو، فلما رأى ذلك كسرى علم أن عمرًا لم يصنع به ذلك بين يديه إلا لشرفه، فأقبل عليه فألطفه، وأحسن مسألته، وقال له: ما الأمر الذي نزع بك؟ قال: أيها الملك، إن السُّودان قد غلبونا على بلادنا، وركبوا منّا أمورًا شنيعة، أجلّ الملك عن ذكرها، فلو أنّ الملِك تناولنا بنصره من غير أن نستنصره، لكان حقيقًا بذلك لفضله وكرمه وتقدّمه لسائر الملوك. فكيف وقد نزعنا إليه مؤمّلين له، راجين أن يقصِم الله عدوّنا وينصرنا عليهم، وينتقم لنا به منهم! فإن رأى الملك أن يصدّق ظنّنا، ويحقّق رجاءنا، ويوجّهَ معي جيشًا ينفون هذا العدوّ عن بلادنا فيزدادها إلى ملكه -فإنّها من أخصب البلدان وأكثرها خيرًا، وليست كما يلي الملِك من بلاد العرب- فعل.

    قال: قد علمت: أنّ بلادكم كما وصفْت، فأيّ السّودان غلبوا عليها؟ الحبشة أم السّند؟ قال: بل الحبشة، قال أنوشِرْوان: إنّي لأحبّ أن أصدّق ظنَّك، وأن تنصرف بحاجتك؛ ولكنّ المسلكَ للجيش إلى بلادكَ صعب، وأكره أن أغرّره بجندي، ولي فيما سألتَ نظَر، وأنت على ما تحبّ.

  19. وأمر بإنزاله وإكرامه؛ فلم يزل مقيمًا عنده حتى هلك. وقد كان أبو مرّة قال قصيدة بالحِمْيريّة يمتدح فيها كسرى، فلما ترجِمت له، أعجب بها.

  20. وولدت ريحانة ابنة ذي جَدَن لأبرهة الأشرم غلامًا، فسمّاه مسروقًا، ونشأ معد يكرب بن ذي يزن مع أمّه ريحانة في حِجْر أبرهة فسبّه ابن لأبرهة، فقال له: لعنك الله، ولعن أباك! وكان معد يكرب لا يحسب إلّا أنّ الأشرم أبوه، فأتى أمه فقال لها: مَنْ أبي؟ قالت: الأشرم، قال: لا والله، ما هو أبي، ولو كان أبي ما سبَّني فلان، فأخبرتْه أنّ أباه أبو مرّة الفيّاض، واقتصّت عليه خبره، فوقع ذلك في نفس الغلام، ولبِث بعد ذلك لبثًا.

  21. ثم إنّ الأشرم مات، ومات ابنه يكسوم، فخرج ابن ذي يزن قاصدًا إلى ملِك الرّوم، وتجنّب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه، فلم يجد عند ملك الرُّوم ما يحبّ، ووجده يحامي عن الحَبشة لموافقتهم إيّاه على الدّين، فانكفأ راجعًا

    ج ٦ ص ٤٧١إلى كسرى، فاعترضَه يومًا وقد ركب، فصاح به: أيّها الملك، إنّ لي عندك ميراثًا. فدعا به كسرى لمّا نزل، وقال: مَنْ أنت؟ وما ميراثك؟ قال: أنا ابن الشيخ اليمانيّ ذي يزَن، الذي وعدتَه أن تنصره، فمات ببابك وحَضْرتك، فتلك العِدةُ حقّ لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه. فرقّ له كسرى، وأمر له بمال. فخرج الغلام، فجعل ينثر الدراهم، فانتهبها الناس. فأرسل إليه كسرى: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: إنّي لم آتك للمال، إنّما جئتك للرجال، ولتمنعَني من الذّلّ. فأعجَب ذلك كسرى، فبعث إليه: أن أقمْ حتى أنظرَ في أمرك. ثم إنّ كسرى استشار وزراءه في توجيه الجند معه، فقال له الموْبذان: إن لهذا الغلام حقًّا بنزوعه وموت أبيه بباب الملك وحضرته، وما تقدّم من عِدَته إياه، وفي سجون الملك رجال ذوو نجدة وبأس، فلو أن الملك وجّههم معه، فإن أصابوا ظفرًا كان له، وإن هلكوا كان قد استراح وأراح أهلَ مملكته منهم، ولم يكن ذلك ببعيد من الصواب.

    قال كسرى: هذا الرّأي، وأمر بمن كان في السجون من هذا الضرْب، فأحصوا فبلغوا ثمانمئة نفر، فقوّد عليهم قائدًا من أساورته، يقال له: وهْرِز، كان كسرى يعدِ له بألف أسوار، وقوّاهم وجهّزهم وأمر بحملهم في ثمانيَ سفائن، في كُلّ سفينة مئة رجل، فركبوا البحر، فغرقت من الثماني السفن سفينتان، وسلِمت ستّ، فخرجوا بساحل حَضْرموت، وسار إليهم مسروق في مئة ألف من الحبشة وحِمْير والأعراب، ولحِق بابن ذي يزن بَشَرٌ كثير، ونزل وهْرِز على سِيف البحر، وجعل البحر وراء ظهره، فلمّا نظر مسروق إلى قلّتهم طمع فيهم، فأرسل إلى وهرز: ما جاء بك، وليس معك إلَّا من أرى، ومعي مَنْ ترى! لقد غرّرت بنفسك وأصحابك، فإن أحببت أذِنت لك؛ فرجعت إلى بلادك ولم أهجك؛ ولم ينلك ولا أحدًا من أصحابك منّي ولا من أحد من أصحابي مكروه، وإن أحببتَ ناجزتُك الساعة، وإن أحببت أجّلتك حتى تنظرَ في أمرك، وتشاور أصحابك.

  22. فأعظم وهْرِز أمرَهم، ورأى: أنّه لا طاقة له بهم، فأرسل إلى مسروق، بل تضرب بيني وبينَك أجلًا، وتعطيني موثِقًا وعهدًا، وتأخذ مثله منّي؛ ألا يقاتل بعضنا بعضًا حتى ينقضي الأجلُ، ونرى رأينا.

  23. ففعل ذلك مسروق، ثم أقام كلّ واحد منهما في عسكره، حتى إذا مضى من الأجل عشرة أيام، خرج ابن وهْرز يسير على فرس له، حتى دنا من عسكرهم، وحمله فرسُه، فتوسط به عسكرهم، فقتلوه - ووهْرِز لا يشعر به - فلما بلغه قتلُ ابنه أرسل إلى مسروق: قد كان بيني وبينكم ما قد علمتم، فَلِمَ قتلتم ابني؟ فأرسل إليه مسروق: إنّ ابنك حَمَل علينا، وتوشط عسكرنا، فثار إليه سفهاء من سفهائنا، فقتلوه، وقد كنت لقتله كارهًا. قال وهْرز للرّسول: قل له: إنه لم يكن ابني، إنما كان ابنَ زانية، ولو كان ابني لصبر ولم يغدر حتى ينقضي الأجل الذي بيننا. ثم أمر فرمِيَ به في الصعيد حيث ينظَر إلى جُثمانه، وحلف الّا يشرب خمرًا، ولا يدهن رأسه حتى ينقضي الأجل بينه وبينهم.

    ج ٦ ص ٤٧٢
  24. فلما انقضى الأجل إلَّا يومًا واحدًا، أمر بالسّفن التي كانوا فيها فأحرقت بالنار، وأمر بما كان معهم من فَضل كسوة فأحرِق، ولم يدع منه إلَّا ما كان على أجسادهم، ثم دعا بكلّ زاد معهم. فقال لأصحابه: كلوا هذا الزاد، فأكلوه، فلما انتهوْا أمر بفضله فألْقيَ في البحر، ثم قام فيهم خطيبًا، فقال: أمَّا ما حرّقتُ من سفنكم، فإني أردت أن تعلموا أنه لا سبيل إلى بلادكم أبدًا، وأما ما حرّقت من ثيابكم، فإنَّه كان يغيظني إن ظفرتْ بكم الحبش أن يصير ذلك إليهم، وأمّا ما ألقيت من زادكم في البحر، فإنّي كرهت أن يطمع أحد منكم أن يكون معه زاد يعيش به يومًا واحدًا، فإن كنتم قومًا تقاتلون معي، وتصبرون؟ أعلمتموني ذلك. وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري؛ فإني لم أكن لأمكّنَهم من نفسي أبدًا. فانظروا ما تكون حالكم، إذا كنت رئيسكم وفعلت هذا بنفسي! فقالوا: لا بل نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا، أو نظفَر.

  25. فلما كان صبح اليوم الذي انقضى فيه الأجلُ عبَّأ أصحابَه، وجعل البحر خلْفه، وأقبل عليهم يحضّهم على الصبر، ويعلمهم أنهم منه بين خَلّتين، إمَّا ظفروا بعدوّهم، وإمّا ماتوا كرامًا، وأمرهم أن تكون قستهم موتَرة، وقال: إذا أمرتكم أن ترموا فارموهم رشْقًا بالبَنْجكان - ولم يكن أهل اليمن رأوا النشّاب قبل ذلك - وأقبل مسروق في جَمْع لا يرى طرفاه على فيل على رأسه تاج، بين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة، لا تزى أنّ دونَ الظفر شيئًا. وكان وهْرِز قد كل بصره فقال: أروني عظيمَهم، فقالوا: هو صاحب الفيل؛ ثم لم يلبث مسروق أن نزل

    ج ٦ ص ٤٧٣فركب فرسًا، فقالوا: قد ركب فرسًا، فقال: ارفعوا لي حاجبَيّ، وقد كانا سقطا على عينيه من الكِبَر، فرفعوهما بعصابة، ثم أخرج نُشّابة، فوضعها في كبد قوسِه، وقال: أشيروا لي إلى مسروق، فأشاروا له إليه حتى أثبته، ثم قال لهم: ارموا، فرموْا، ونزع في قوسه حتى إذا ملأها سرح النشابة، فأقبلت كأنهما رِشاء، حتى صكّت جبهة مسروق، فسقط عن دابَّته، وقتل في ذلك الرّشق منهم جماعة كثيرة، وانفضّ صفّهم لمّا رأوا صاحبَهم صريعًا، فلم يكن دون الهزيمة شيء، وأمر وهْرز بجثّة ابنه من ساعته فوريت، وأمر بجثة مسروق، فألقيت مكانَها، وغَنم من عسكرهم ما لا يُحصى ولا يُعدّ كثرة، وجعل الأُسوار يأخذ من الحبشة ومن حِمْير والأعراب الخمسين والستين فيسوقهم مكتّفين، لا يمتنعون منه. فقال وهْرِز: أمّا حمير والأعراب فكفّوا عنهم، واقصدوا قصد السودان فلا تبقوا منهم أحدًا. فقتلت الحبشة يومئذ حتى لم يبق منهم كثير أحد، وهرب رجل من الأعراب على جَمَل له؛ فركضه يومًا وليلة، ثم التفت، فإذا في الحقيبة نُشّابة، فقال: لأمك الويل! أبُعْدٌ أم طول مسير - حسب أن النشابة لحقته. وأقبل وهْرز حتى دخل صنعاء، وغلب على بلاد اليمن، وفرّق عمَّاله في المخاليف.

  26. وفي ابن ذي يزن وما كان منه ومن وهْرز والفُرس، يقول أبو الصّلْت أبو أميّة بن أبي الصَّلت الثقفيُّ:

    لِيَطْلُبِ الْوتْرَ أمْثَالُ ابنِ ذي يَزَنٍ ... ريَّمَ في البحر للأعداءِ أحوالا

    أتى هِرْقَلَ وقد شالتْ نَعامنُهُمْ ... فلَمْ يجِدْ عِنْدَه بَعْضَ الذي قالا

    ثمّ انْتَحَى نَحْوَ كِسْرَى بَعْدَ سَابعةٍ ... منَ السِّنين لقَدْ أَبْعَدْتَ إيغالا

    حتى أتى بِبَني الأحْرَارِ يَحْمِلُهُمْ ... إنْكَ لَعَمْري لقَدْ أَطْوَلْتَ قلْقالا

    مَنْ مِثْلُ كِسْرَى شَهَنْشَاهِ الملُوكِ له ... أو مِثْلُ وهْرِزيَوْمَ الْجَيشِ إذْ صالا!

    لله دَرُّهمُ مِنْ عُصْبةٍ خرجوا ... ما إنْ تَرَى لَهُمُ في النّاس أمثَالا

    غُرٌّ جَحَاجحَةٌ بيضٌ مَرَازبةٌ ... أسْدٌ تُرَبِّبُ في الغيضَاتِ أَشْبَالا

    يرْمُونَ عن شدُفٍ كأنَّها عُبُطٌ ... في زَمْخَرٍ يُعْجِلُ المرمِيّ إعجَالا

    أُرْسَلْتَ أُسْدًا على سُودِ الكلابِ فقَدْ ... أضْحَى شَرِيدُهُمُ في الأرْضِ فُلَّالا

    فاشْرَبْ هَنيئًا عَلَيكَ التَّاجُ مُتكِّئًا ... في رأسِ غُمْدَان دَارًا مِنْكَ مِحْلَالا

    وَأَطْلِ بالْمِسْكِ إذْ شَالتْ نَعامَتُهُمْ ... وأسْبِلِ اليَوْمَ في بُرْدَيكَ إسْبَالا

    ج ٦ ص ٤٧٤تِلكَ المَكارِمُ لَا قَعْبانِ من لَبَنٍ ... شِيبَا بماءً فعَادَا بعدُ أَبْوالا (١)

    1. (١)ضعيف.
  27. (٢: ١٤٢ - ١٤٨) .

  28. ٨٣٣ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: فلما انصرف وهرِز إلى كسرى، وملّك سيفًا على اليمن، عدا على الحبشة فجعل يقتّلها ويبقر النساء عمّا في بطونها، حتى إذا أفناها إلَّا بقايا ذليلة قليلة، فاتّخذهم خَوَلًا، واتخذ منهم جمّازين يسعوْن بين يديه بحرابهم، فمكث بذلك حينًا غير كثير. ثم إنه خرج يومًا والحبشة تسعى بين يديه بحرابهم؛ حتى إذا كان في وسط منهم وجؤوه بالحراب حتى قتلوه، ووثب بهم رجل من الحبشة، فقتل باليمن وأوعث، فأفسد، فلما بلغ ذلك كسرى بعث إليهم وهْرِز في أربعة آلاف من الفُرْس، وأمره ألا يترك باليمن أسْوَد ولا ولدَ عربيَّة من أسْوَد إلَّا قتله، صغيرًا أو كبيرًا، ولا يدع رجلًا جَعْدًا قَططًا قد شرك فيه السودان إلَّا قتله.

  29. فأقبل وهْرِز، حتى دخل اليمن، ففعل ذلك؟ ولم يترك بها حبشيًّا إلَّا قتله، ثم كتب إلى كسرى بذلك، فأمّره كسرى عليها. فكان عليها، وكان يَجْبِيها إلى كسرى حتى هلَك، وأمّر كسرى بعده ابنه المرزبان بن وهرِز، فكان عليها حتى هلك، فأمّر كسرى بعده البينجان بن المرزبان بن وهرز حتى هلك، ثم أمّر كسرى بعده خُرَّ خسْرَه بن البينجان بن المرزبان بن وهْرز، فكان عليها.

  30. ثم إنَّ كسرى غضِب عليه، فحلف ليأتينّه به أهلُ اليمن يحملونه على أعناقهم ففعلوا، فلما قدِم على كسرى تلقّاه رجل من عظماء فارس، فألقى عليه سيفًا لأبي كسرى، فأجاره كسرى بذلك من القَتْل ونزعه، وبعث باذان إلى اليمن، فلم يزل عليها حتى بعث الله رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم -.

  31. وكان -فيما ذُكِر- بين كسرى أنوشِرْزوان وبين يخطيانوس ملك الروم موادعة وهدنة، فوقع بين رجل من العرب كان ملّكه يخطيانوس على عرب الشأم - يقال له: خالد بن جبَلة - وبين رجل من لَخْم، كان ملّكه كسرى على ما بين عُمان والبَحْرين واليَمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ومَنْ فيها من العرب؛ يقال له: المنذر بن النّعمان - نائرة، فأغار خالد بن جَبَلة على حيّز المنذر، فقتل من

    ج ٦ ص ٤٧٥أصحابه مقْتلة عظيمة، وغَنِم أموالًا من أمواله. فشكا ذلك المنذر إلى كسرى، وسأله الكتاب إلى ملك الروم في إنصافه من خالد. فكتب كسرى إلى يخطيانوس، يذكر ما بينهما من العهد على الهدنة والصلح، ويعلمه ما لقِيَ المنذر عامله على العرب من خالد بن جَبَلة الذي ملّكه على مَنْ في بلاده من العرب، ويسأله أن يأمر خالدًا أن يردّ على المنذر ما غنم من حَيّزه وبلاده، ويدفع إليه دية مَنْ قتل من عربها. وينصف المنذر من خالد، وألّا يستخفّ بما كتب به من ذلك، فيكون انتقاض ما بينهما من العهد والهدنة بسببه.

  32. وواتَر الكُتب إلى يخطيانوس في إنصاف المنذر، فلم يحفِل بها، فاستعدّ كسرى، فغزا بلاد يخطيانوس في بضعة وتسعين ألف مقاتل، فأخذ مدينة دارا، ومدينة الرُّهاء، ومدينة مَنْبج، ومدينة قِنّسْرِين، ومدينة حَلب، ومدينة أنْطاكية - وكانت أفضل مدينة بالشأم - ومدينة فامِية، ومدينة حِمْص؛ ومدنًا كثيرة متاخمة لهذه المدائن؛ عَنْوة، واحتوى على ما كان فيها من الأموال والعروض، وسَبَى أهلَ مدينة أنطاكيَة، ونقلَهم إلى أرض السواد، وأمر فبنيت لهم مدينة إلى جنب مدينة طَيسَبُون علي بناء مدينة أنطاكيَة - على ما قد ذكرت قبل - وأسكنهم إياها؛ وهي التي تسمّى الروميّة، وكَوّر لها كورة، وجعل لها خمسة طساسيج: طسُّوج نهْروان الأعلى، وطَسُّوج نهروان الأوسط، وطَسّوج نهروان الأسفل، وطَسّوج بادريا، وطَسُّوج باكُسايا، وأجرى على السَّبْي الذين نَقَلهم من أنطاكيَة إلى الروميّة الأرزاق. وولّى القيام بأمورهم رجلًا من نصارى أهل الأهواز، كان ولَّاه الرّياسة على أصحاب صناعاته - يقال له: بَراز - رِقّة منه لذلك السَّبي، إرادة أن يستأنسوا ببراز لحال ملّته، ويسكنوا إليه. وأمّا سائر مدن الشام ومصر فإنّ يخطيانوس ابتاعها من كسرى بأموال عظيمة حملها إليه، وضمِن له فدية يحملها إليه في كلّ سنة على ألا يغزوَ بلاده، وكتب لكسرى بذلك كتابًا، وختم هو وعظماء الروم عليه، فكانوا يحملونها إليه في كلِّ عام.

  33. وكان ملوك فارس يأخذون من كُوَر من كُوَرِهم قبل ملك كسرى أنوشِرْوان في خراجها الثُلث، ومن كُوَر الرّبع، ومن كُوَر الخمس، ومن كُوَر السدس؛ على قدر شَرْبها وعمارتها، ومن جزية الجماجم شيئًا معلومًا، فأمر الملك قُباذ بن فَيروز في آخر ملكه بمسْح الأرض؟ سهلها وجبلها ليصحّ الخراج عليها،

    ج ٦ ص ٤٧٦فمُسِحت؛ غير أن قُباذ هلك قبل أن يستحكِم له أمرُ تلك المساحة؛ حتى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستتمامها وإحصاء النخّل والزيتون والجماجم، ثم أمر كتّابه فاستخرجوا جُمل ذلك، وأذن للناس إذنًا عامًّا، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليهم الجمل التي استخرجت من أصناف غلّات الأرض، وعدد النخل والزيتون والجماجم، فقرأ ذلك عليهم، ثم قال لهم كسرى: إنا قد رأينا أن نضع على ما أحْصِي من جِرْبان هذه المساحة من النخل والزيتون والجماجم وضاخ، ونأمر بإنجامها في السنة في ثلاثة أنْجُم، ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثَغْر من ثغورنا، أو طَرَف من أطرافنا فَتْق أو شيء نكرهه، واحتجنا إلى تداركه أو حَسْمه ببذلنا فيه مالًا؛ كانت الأموال عندنا معدّة موجودة، ولم نُرد استئناف اجتبائها على تلك الحال. فما ترون فيما رأينا من ذلك وأجمعنا عليه؟

  34. فلم يُشِر عليه أحد منهم فيه بمشورة، ولم ينبِس بكلمة، فكرّر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات. فقام رجل من عُرْضهم وقال لكسرى: أتضعُ أيها الملك - عمّرك الله - الخالدَ من هذا الخراج على الفاني من كَرْمٍ يموت، وزَرْع يَهيج، ونهرٍ يغور، وعين أو قناة ينقطع ماؤها! فقال له كسرى: يا ذا الكلْفة المشؤوم، منْ أي طبقات الناس أنت؟ قال: أنا رجل من الكتّاب، فقال كسرى: اضربوه بالدُّويِّ حتى يموت، فضربه بها الكتَّاب خاصة تبرّؤًا منهم إلى كسرى من رأيه وما جاء منه، حتى قتلوه. وقال الناس: نحن راضون أيُّها الملك بما أنت مُلزِمنا من خراج.

  35. وإنّ كسرى اختار رجالًا من أهل الرأي والنصيحة، فأمرهم بالنظر في أصناف ما ارتفع إليه من المساحة وعدّة النخل والزيتون ورؤوس أهل الجزية. ووضع الوَضائع على ذلك بقدر ما يرون أنّ فيه صلاح رعيته، ورفاعة معاشهم، ورفعه إليه، فتكلّم كلّ امرئ منهم بمبلغ رأيه في ذلك من تلك الوضائع، وأداروا الأمر بينهم، فاجتمعت كلمتهم على وَضْع الخراج على ما يعصم الناس والبهائم، وهو الحنطة والشعير والأرزّ والكَرْم والرِّطاب والنخل والزيتون؛ وكان الذي وضعوا على كلّ جَريب أرض مِنْ مزارع الحنطة والشعير درهمًا، وعلى كلّ جَريب أرض كَرْم ثمانية دراهم؛ وعلى كل جَريب أرض رِطاب سبعة دراهم، وعلى كل أربع نخلات فارسيّة درهمًا، وعلى كلّ ستّ نخلات دَقَل مثل ذلك؛

  36. وعلى كلّ ستة أصول زيتون مثل ذلك؛ ولم يضعوا إلَّا على كلّ نخل [في] حديقة، أو مجتمع غير شاذّ، وتركوا ما سوى ذلك من الغلّات السّبع. فقويَ الناس في معاشهم، وألزمُوا الناس الجِزْية ما خلا أهلَ البيوتات والعظماء والمقاتلة والهرابذة والكتّاب؛ ومَنْ كان في خدمة الملك، وصيّروها على طبقات: اثني عشر درهمًا، وثمانية، وستة، وأربعة، كقَدْر إكثار الرجل وإقلاله، ولم يُلزِموا الجزية مَنْ كان أتى له من السنّ دون العشرين أو فوق الخمسين، ورفعوا وضائعهم إلى كسرى فرضيَها وأمر بإمضائها والاجتباء عليها في السنة في ثلاثة أنجُم، كلّ نجم أربعة أشهر وسماها أبراسيار، وتأويله "الأمر المتراضَى" ؛ وهي الوضائع التي اقْتدى بها عمر بن الخطاب حين افتتح بلاد الفرس، وأمر باجتباء أهل الذمّة عليها، إلَّا أنه وضع على كلّ جَريب أرض غامر على قدر احتماله؛ مثل الذي وضع على الأرض المزروعة، وزاد على كلّ جريب أرض مزارع حنطة أو شعير قفيزًا من حِنْطة إلى القفيزين، ورزق منه الجند. ولم يخالف عمر بالعراق خاصّة وضائعَ كسرى على جِرْبان الأرض، وعلى النخل، والزيتون، والجماجم، وألغى ما كان كسرى ألغاه من معايش الناس.

    ج ٦ ص ٤٧٧
  37. وأمر كسرى فدوّنت وضائعه نُسخًا، فاتُّخذت نسخة منها في ديوانه قِبَله، ودفعت نسخة إلى عمّال الخراج، ليجتبوا خراجَهم عليها، ونسخة إلى قضاة الكُور، وأمر القضاة أن يحولوا بين عُمّال الكُوَر والزيادة على أهل الخراج فوق ما في الديوان الذي دفعت إليه نسخته، وأن يرفعوا الخراج عن كلّ مَنْ أصاب زرعه أو شيئًا من غلّاته آفة بقدر مبلغ تلك الآفة، وعَمّن هلك من أهل الجزية أو جاوز خمسين سنة، ويكتبوا إليه بما يرفعون من ذلك؛ ليأمر بحسبه للعمّال، وألّا يخلُّوا بين العمّال وبين اجتباء مَنْ أتى له دون عشرين سنة.

  38. وكان كسرى ولّى رجلًا من الكتّاب - نابهًا بالنبل، والمروءة، والغَناء، والكفاية، يقال له: بابك بن البيروان - ديوان المقاتلة، فقال لكسرى: إنّ أمري لا يتمّ إلَّا بإزاحة علّتي في كلّ ما بي إليه الحاجة من صلاح أمر الملك في جنده. فأعطاه ذلك، فأمر بابك فبنيت له في الموضع الذي كان يعرض فيه الجند مصطبة وفرش له عليها بساط سُوسَنجرد، ونَمَط صوف فوقه، ووضعت له وسائد لتُكَأته، ثم جلس على ما فُرِش له، ثم نادى مناديه في شاهد عسكر كسرى من

    ج ٦ ص ٤٧٨الجند أن يحضره الفرسان على كُراعهم وأسلحتهم والرجّالة على ما يلزمهم من السّلاح، فاجتمع إليه الجُند على ما أمرهم أن يحضروه عليه، ولم يعاين كسرى فيهم؛ فأمرَهم بالانصراف، ونادى مناديه في اليوم الثاني بمثل ذلك، فاجتمع إليه الجند. فلما لم ير كسرى فيهم أمرهم أن ينصرفوا، ويغدوا إليه، وأمر مناديه أن ينادى في اليوم الثالث: ألا يتخلف عنه من شاهد العسكر أحد، ولا من أُكرِم بتاج وسرير؛ فإنه عَزْم لا رُخصة فيه ولا محاباة. فبلغ ذلك كسرى، فوضع تاجه على رأسه وتسلّح بسلاح المقاتلة، ثم أتى بابك ليعترض عليه، وكان الذي يؤخذ به الفارس من الجند تجافيف ودرعًا، وجَوْشنًا، وساقين، وسيفًا، ورمحًا، وترسًا، وجُرْزًا تلزمه منطقة، وطبرزينا أو عمودًا، وجعبة فيها قوسان بوتَريهما، وثلاثين نشّابة ووتَرين مضفورين يعلّقهما الفارس في مِغْفر له ظهريًّا.

  39. فاعترض كسرى على بابك بسلاح تامّ ما خلا الوتَرين اللذين كان يستظهر بهما. فلم يجز بابك عن اسمه، وقال له: إنّك أيها الملك واقف في موضع المعْدَلة التي لا محاباة تكون منِّي معها ولا هوادة، فهلمّ كلّ ما يلزمك من صنوف الأسلحة. فذكر كسرى قصة الوترين فتعلّقهما، ثم غرّد داعي بابك بصوته، وقال: للكميّ سيّد الكماة أربعة آلاف درهم، وأجاز بابك عن اسمه، ثم الصرف. وكان يفضّل الملك في العطاء على أكثر المقاتلة عطاء بدرهم.

  40. فلما قام بابك من مجلسه ذلك أتى كسرى، فقال: إن غِلْظَتي في الأمر الذي أغلظت فيه عليك اليوم أيها الملك؛ إنما هي لأن ينفُذ لي عليه الأمر الذي وضعتني بسبيله، وسبب من أوثق الأسباب لما يريد الملك إحكامه لمكاني. فقال كسرى: ما غلُظ علينا أمرٌ أريد به صلاح رعيتنا، وأقيم عليه أوَدُ ذي الأوَد منهم.