ذكر اليوم الذي نبيء فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الشهر الذي نبيء فيه وما جاء في ذلك
٨١ فقرة، ج ٧ ص ٥
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٧ ص ٢٠
٣٢ - حدثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدَّثني مُصعب بن ثابت، قال: حدَّثنا أبُو الأسود محمّد بن عبد الرحمن بن الأسود بن نَوْفل، قال: كان إسلام الزُّبير بعد أبي بكر، كان رابعًا أو خامسًا (١) . (٢: ٣١٨) .
- (١)إسناده ضعيف وسنتحدث أيضًا عن متنه لاحقًا.
-
٣٣ - وأمّا ابن إسحاق، فإنّه ذكر: أنّ خالد بن سعيد بن العاص وامرأته أمينَة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة، من خُزاعة، أسلما بعد جماعة كثيرة غير الذين ذكرتُهم بأسمائهم: أنهم كانوا من السّابقين إلى الإسلام (٢) .
- (٢)إسناده ضعيف وقد أخرجه ابن إسحاق منقطعًا. ولقد جمع الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه بين هذه الأقوال المختلفة في تحديد أول من أسلم بقوله: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الغلمان علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين (البداية والنهاية ٣/ ٢٨). وجمع ابن كثير بين هذه الأقوال نحو جمع أبي حنيفة فقال: خديجة أول من أسلم من النساء - وظاهر السياقات- وقيل: الرجال أيضًا وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة، وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب فإنه كان صغيرًا دون البلوغ على المشهور وهؤلاء كانوا إذ ذاك أهل البيت. وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق. اهـ.
-
٣٤ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن عبد الغفار بن القاسم، عن المِنْهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الله بن عباس، عن عليّ بن أبي طالب، قال: لما نزلتْ هذه الآية على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ، دعاني رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: يا عليّ، إنَّ الله أمرَنِي أن أنذِر عشيرتي الأقربين، فضقتُ بذلك ذرعًا، وعرفت أنّي متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمتُّ عليه حتى جاءني جبرئيل فقال: يا محمد، إنَّك إلَّا تَفْعل ما تؤمر به يُعذّبُك ربُّك، فاصنعْ لنا صاعًا من طعام، واجعل عليه رَحْلَ شاةٍ واملأ لنا عُسًّا من لبن؛ ثم اجمعْ لي بني عبد المطلب حتى أكلِّمهم، وأبلغهم ما أمرت به.
-
ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتُهم له، وهم يومئذ أربعون رجلًا، يزيدون
ج ٧ ص ٢١رجلًا أو ينقصونه؛ فيهم أعمامه: أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب؛ فلما اجتمعوا إليه دعانى بالطَّعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلما وضعتُه تناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حِذْيةً مِن اللحم، فشقّها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحْفة. ثمّ قال: خذُوا بسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة وما أرى إلَّا موضع أيديهم، وايمُ الله الذي نَفْسُ عليّ بيده؛ وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكلُ ما قدمت لجميعهم. ثم قال: اسقِ القوم، فجئتهم بذلك العُس، فشربوا منه حتى روُوا منه جميعًا، وايمُ الله إن كان الرجلُ الواحد منهم ليَشرب مثله، فلما أراد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكلّمَهم بدرَهُ أبو لهب إلى الكلام، فقال: لهَدَمّا سحركم صاحبُكم! فتفرَّق القوم ولم يكلّمهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: الغد يا عليّ؛ إنَّ هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرّق القوم قبل أن أكلِّمهم، فعُدْ لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثم اجمعهم إليّ.
قال: ففعلتُ، ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقرَّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتَّى ما لهم بشيء حاجة. ثم قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العُسّ، فشربوا حتى رَوُوا منه جميعًا، ثم تكلّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا بني عبد المطلب! إني والله ما أعلمُ شابًّا في العرب جاء قومَه بأفضل مما قد جئتكم به؛ إني قد جئتكم بخير الدُّنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوَكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القومُ عنها جميعًا، وقلت، وإني لأحدثُهم سنًّا، وأرمصهم عينًا، وأعظمهم بطنًا، وأحمشهم ساقًا: أنا يا نبي الله! أكون وزيرَك عليه. فأخذ برقبتي، ثم قال: إن هذا أخي ووصييّ وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (١) ! (٢: ٣١٩/ ٣٢٠ / ٣٢١) .
- (١)في إسناده عبد الغفار بن القاسم، قال ابن المديني: كان يضع الحديث. وقال الدارقطني: متروك (اللسان ٤/ ٤١٢ / ت ٥٢٦٩) وسنتحدث عن متنه بعد الآتي.
-
٣٥ - حدَّثني زكرياء بن يحيى الضرير، قال: حدَّثنا عفان بن مسلم، قال: حدَّثنا أبو عوانة عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد: أنّ رجلًا قال لعليّ - عليه السلام -: يا أمير المؤمنين! بمَ ورثت ابنَ عمّك دون عَمّك؟
ج ٧ ص ٢٢فقال عليّ: هاؤم! ثلاث مرات؛ حتى اشرأبَّ الناس، ونشروا آذانهم. ثم قال: جَمَعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو دعا رسول الله -بني عبد المطلب منهم رهطه، كلّهم يأكل الجَذَعة ويشرب الفِرْقَ، قال: فصنع لهم مُدًّا من طعام، فأكلُوا حتى شبعوا وبقي الطَّعَام كما هو؛ كأنه لم يمسّ. قال: ثم دعا بغُمَر فشرِبوا حتى رَوُوا وبقيَ الشراب كأنه لم يمسَّ ولم يشربوا. قال: ثم قال: يا بني عبد المطلب، إني بُعثتُ إليكم بخاصّة وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذا الأمر ما قد رأيتم، فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي؟ فلم يقم إليه أحدٌ، فقمت إليه -وكنت أصْغَرَ القوم- قال: فقال: اجلس، قال: ثم قال ثلاث مرات، كلّ ذلك أقوم إليه، فيقول لي: اجلس، حتى كان في الثالثة، فضرب بِيده على يدي، قال: فبذلك ورثتُ ابنَ عمّي دون عمّي (١) . (٢: ٣٢١/ ٣٢٢) .
- (١)إسناده ضعيف، فربيعة بن ناجد الأزدي لم يوثقه سوى ابن حبان والعجلي وهما متساهلان في التوثيق، وقال الذهبي في المغني (١/ ٢٣٠ / ٢١٠٩): فيه جهالة. وقال الذهبي في الميزان: لا يكاد يعرف. ولم يرو عنه غير أبي صادق. وقول الذهبي في الرجل أقرب إلى الصواب من قول الحافظ في التقريب ثقة كما ترى والله أعلم. والحديث أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ١٧٩) وفي إسناده من لم يُسَمَّ وابن سعد (١/ ١٨٧) وفي إسناده يزيد بن عياض. قال الحافظ في التقريب: كذَّبه مالك وغيره (٢/ ٣٦٩ / ٣٠٥). وأخرجه أحمد مختصرًا (١/ ١١١) من طريق شريك عن سيئ الحفظ الأعمش عن المنهال عن عباد بن عبد الله الأسدي وفيه شريك، وأما عباد بن عبد الله الأسدي فهو ضعيف من الثالثة (١/ ٣٩٢ / ت ٩٩). ولقد حكم الإمام الذهبي على متنه بالنكارة كما في ترجمته لربيعة بن ناجد الأزدي إذ يقول: لا يكاد يعرف وعنه أبو صادق بخبر منكر فيه: علي أخي ووارثي (الميزان ٢/ ٤٥ / ت ٢٧٥٨).
-
٣٦ - حدَّثنا الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا جارية بن أبي عمران عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال: أمرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصدَع بما جاءه من عند الله، وأن يبادِيَ الناس بأمره، وأن يدعوَهم إلى الله، فكان يدعو مِنْ أوَّل ما نزلت عليه النبوّة ثلاث سنين، مستخفيًا، إلى أن أمر بالظهور للدعاء (٢) . (٢: ٣٢٢) .
- (٢)إسناده ضعيف جدًّا لوجود جارية بن أبي عمران قال عنه في اللسان (٢/ ١٦٢ / ت ١٩٠٧): مجهول. اهـ. = = وكذلك فالواقدي ضعيف والله أعلم. وأخرج ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق بلاغًا (١/ ٣٢٥) وابن سعد (١/ ١٩٩) من طريق جارية بن أبي عمران به وهو مجهول كما مر بنا.
- ج ٧ ص ٢٣
٣٧ - قال ابن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عنه: فصدع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بأمر الله، وبادَى قومَه بالإسلام، فلما فعل ذلك لم يبعد منه قومه، ولم يردُّوا عليه بعض الرَّد - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلمّا فعل ذلك ناكروه وأجمعُوا على خلافه وعداوته إلَّا مَنْ عصم الله منهم بالإسلام؛ وهم قليل مستخفُون، وحَدِب عليه أبو طالب عَمّه ومنعه، وقام دونه، ومضى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على أمرِ الله مظهرًا لأمره، لا يردّه عنه شيء. فلما رأت قريش: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لا يُعتبهم مِنْ شيء [يكرهونه مما] أنكروه عليه من فراقهم وعَيب آلهتهم، ورأوْا: أن أبا طالب قد حَدِبَ عليه، وقام دونه فلم يُسلمْه لهم، مشى رجالٌ من أشراف قريش إلى أبي طالب: عُتْبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البَخْتَرِيّ بن هشام، والأسود بن المطَّلب، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجَّاج -أو مَنْ مشى إليه منهم- فقالوا: يا أبا طالب! إنَّ ابنَ أخيِك قد سَبَّ آلهتَنا، وعاب ديننا، وسَفَّه أحلامنا، وضلَّل آباءنا؛ فإمَّا أن تكفَّه عنَّا، وإما أنْ تُخَلِّيَ بيننا وبينه؛ فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكَه. فقال لهم أبو طالب قولًا رفيقًا، وردَّهم ردًّا جميلًا، فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما هو عليه؛ يظهر دين الله، ويدعو إليه. قال: ثم شرِيَ الأمرُ بينه وبينهم حتى تباعد الرجالُ، وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذِكْرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينها، وتذامروا فيه، وحَضَّ بعضُهم بعضًا عليه. ثم إنهم مَشَوْا إلى أبي طالب مرَّة أخرى، فقالوا: يا أبا طالب! إن لك سنًّا وشرفًا ومنزلة فينا، وإنَّا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تَنْهه عَنَّا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شَتْم آبائنا؛ وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفَّه عنا أو ننازله وإيَّاك في ذلك؛ حتى يهلك أحدُ الفريقين أو كما قالوا. ثم انصرفوا عنه، فعظُم على أبي طالب فراقُ قومه وعداوتهم له؛ ولم يطبْ نفسًا بإسلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم ولا خذْلانِهِ (١) . (٢: ٣٢٢/ ٣٢٣) .
- (١)إسناده معضل كما ترى.
- ج ٧ ص ٢٤
٣٨ - حدَّثني محمد بن الحسين، قال: حدَّثنا أحمد بن المفَضَّل، قال: حدَّثنا أسباط عن السدّيّ: أن ناسًا من قريش اجتمعوا، فيهم أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المُطَّلب، والأسود بن عبد يغوث في نفرٍ من مَشْيَخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوابنا إلى أبي طالب فنكلِّمَه فيه؛ فلْيُنْصفْنا منه، فيأمره فليكفّ عن شتم آلهتنا، وندَعه وإلهه الذي يعبد؛ فإنَّا نخافُ أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شيء فتعيّرنا العرب؛ يقولون: تركوه؛ حتى إذا مات عَمّه؛ تناولوه.
قال: فبعثوا رجلًا منهم يُدعَى المطَّلب، فاستأذن لهم على أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيَخة قومك وسَرواتهم، يستأذنون عليك. قال: أدخلْهم؛ فلما دخلوا عليه، قالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرُنا وسيِّدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمُرْه فلْيكفّ عن شَتْم آلهتنا، ونَدَعَه وإلهه.
قال: فبعث إليه أبو طالب، فلمّا دخلَ عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يابنَ أخي! هؤلاء مشيَخة قومك وسَرَواتهم، وقد سألوك النَّصف، أن تكفّ عن شَتْم آلهتهم ويدَعُوك وإلهَك. قال: أي عمّ! أوَلا أدعوهم إلى ما هُوَ خير لهم منها؟ قال: وإلامَ تدعوهم؟ قال: أدعوهم إلى أن يتكلّموا بكملة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم. قال: فقال أبوجهل من بين القوم: ما هي وأبيك؟ ! لنعطينَّكها وعشرًا أمثالها. قال: تقول: لا إله إلا الله. قال: فَنَفروا [وتفرّقوا] وقالوا: سَلْنَا غير هذه، فقال: لو جئتموني بالشمس حتى تضعُوها في يدي؛ ما سألتُكم غيرها! قال: فغضبوا وقاموا من عنده غِضَاب، وقالوا: والله لنشتمنَّك وإلهك الذي يأمُرُك بهذا! {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَادُ} إلى قوله: {إلا اخْتِلَاقٌ} .
-
وأقبل على عَمِّه فقال له عَمُّه: يابن أخي! ما شططتَ عليهم، فأقبل على عمِّه فدعاه، فقال: قل كلمةً أشهدُ لك بها يوم القيامة، تقول: لا إله إلا الله، فقال: لولا أن تعيبكم بها العرب، يقولون: جزع من الموت لأعطيتُكها؛ ولكن على ملَّةِ
ج ٧ ص ٢٥الأشياخ، قال: فنزلت هذه الآية: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (١) . (٢: ٣٢٣/ ٣٢٤ / ٣٢٥) .
- (١)إسناده ضعيف وهو حديث ضعيف ورواه ابن إسحاق مختصرًا كما سيأتي بعد قليل بسند منقطع وفيه: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا عمّ والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته. (سيرة ابن هشام ١/ ٣٣٥). وكذلك أخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ١٨٧) من طريق ابن إسحاق الضعيف والله أعلم.
-
٣٩ - حدثنا أبو كُرَيب وابن وَكِيع، قالا: حدَّثنا أبو أسامة، قال: حدَّثنا الأعمش، قال: حدَّثنا عبَّاد عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: لما مَرِض أبو طالب، فدخل عليه رَهْطٌ من قريش، فيهم أبو جهل، فقال: إنَّ ابنَ أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل؛ ويقول ويقول، فلو بعثتَ إليه فنهيتَه! فبعث إليه، فجاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قَدْر مجلس رجل، قال: فخشيَ أبو جهل إنْ جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرقّ له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسًا قُرْبَ عَمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابنَ أخي! ما بالُ قومِك يشكُونَك؛ يزعمون: أنك تشتمُ آلهتَهم وتقول وتقول! قال: وأكثروا عليه من القولِ، وتكلَّم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - , فقال: يا عمّ، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدّي إليهم بها العجم الجِزْية. ففزعوا لكلمته ولقوله؛ فقال القوم كلمةً واحدة: نعم وأبيك عشرًا. فما هي؟ فقال أبو طالب: وأيّ كلمةٍ هي يا بن أخي؟ ! قال: لا إله إلا الله، قال: فقاموا فزِعين ينفضُون ثيابهم، وهم يقولون: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ} . قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: {لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} . لفظ الحديث لأبي كريب (٢) . (٢: ٣٢٥/ ٣٢٦) .
- (٢)حديث ضعيف.
-
٤٠ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني يعقوب بن عُتْبَة بن المغيرة بن الأخنس: أنه حدَّث أن قُريشًا حين قالت لأبي طالب هذه المقالة، بعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: يا بن أخي، إنَّ قومَك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبقِ عليَّ وعلَى نفسك ولا تُحمِّلْني من الأمر ما لا أطيق! فظنَّ
ج ٧ ص ٢٦رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قد بدَا لعمّه فيه بَدَاءٌ، وأنه خاذلُه ومُسلِمُه، وأنه قد ضعُف عن نُصرته والقيامِ معه، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: يا عمَّاهُ، لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته. ثم استعبَر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فبكَى ثم قام، فلمَّا ولى ناداه أبو طالب، فقال: أقبلْ يا بن أخي، فأقبل عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: اذهب يا بنَ أخي، فقل ما أحببتَ فوالله لا أسلِمُك لشيء أبدًا.
قال: ثم إنَّ قريشًا لما عرفتْ أنّ أبا طالب أبَى خذلانَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وإسلامَه وإجماعه لفراقهم في ذلك، وعداوتهم؛ مشوْا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له فيما بلغني: يا أبا طالب، هذا عُمارة بن الوليد أنْهَدُ فتىً في قريش وأشعرَهُ وأجمله، فخذه فلك عقلُه ونُصْرته، واتَّخذْه ولدًا؛ فهو لك، وأسلِمْ لنا ابنَ أخيك - هذا الذي قد خالف دينَك ودينَ آبائِك، وفرَّق جماعة قومك، وسفَّه أحلامَهم - فنقتله، فإنما رَجلٌ كرجل؛ فقال: والله لبئسَ ما تسومُونني! أتُعطونني ابنكم أغذُوه لكم، وأعطيكُم ابني تقتلُونه! هذا والله ما لا يكون أبدًا. فقال المُطْعِم بن عديّ بن نَوْفل بن عبد مناف: والله يا أبا طالب، لقد أنصفك قومُك، وجهِدوا على التخلُّص ممَّا تكرهه، فما أراك تريد أن تَقْبل منهم شيئًا، فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني؛ ولكنَّك قد أجمعتَ خِذلاني ومظاهرةَ القوم عليَّ، فاصنع ما بدا لك! أو كما قال أبو طالب.
قال: فحقِب الأمر عند ذلك، وحَمِيت الحرب، وتنابذ القوم، وبادَى بعضهم بعضًا.
قال: ثم إنَّ قُريشًا تذَامروا على مَنْ في القبائل منهم مِنْ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين أسلمُوا معه. فوثبتْ كلُّ قبيلةٍ على مَنْ فيها من المسلمين يعذّبونهم وَيَفتِنونهم عن دينهم، ومنَع الله رسولَه منهم بعمّه أبي طالب، وقد قام أبو طالب حينَ رأى قريشًا تصنع ما تصنع في بني هاشم وبني المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من منْع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، والقيام دونه. فاجتمعوا إليه، وقاموا معه، وأجابوا إلى ما دعاهم إليه من الدَّفْع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلَّا ما كان من أبي لَهَب؛ فلما رأى أبو طالب مِنْ قومه ما سرَّه من جِدّهم معه؛ وحَدَبهم عليه، جعل
ج ٧ ص ٢٧يمدحُهم، ويذكر فضلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم؛ ومكانه منهم ليشدّ لهم رأيهم (١) (٢: ٣٢٦/ ٣٢٧ / ٣٢٨) .
- (١)حديث ضعيف وهو عند ابن هشام في سيرته (١/ ٣٢٩) قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حُدِّث، وهو معضل الإسناد والله أعلم. (قال أبو جعفر: فاختلف في عدد من خرج إلى أرض الحبشة، وهاجر إليها هذه الهجرة. وهي الهجرة الأولى. فقال بعضهم: كانوا أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، (٢/ ٣٢٩).
- ذكر من قال ذلك:
-
٤١ - حدَّثنا الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا يونس بن محمد الظَّفَرِي، عن أبيه، عن رجل من قومه. قال: وأخبرنا عُبيد الله بن العباس الهُذليّ، عن الحارث بن الفُضَيل؛ قالا: خرج الذين هاجروا الهجرة الأولى متسلّلين سرًّا، وكانوا أحدَ عشرَ رجلًا وأربعَ نسوة، حتى انتهوْا إلى الشُّعَيبة؛ منهم الراكب والماشي، ووفق الله للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتّجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مَخْرَجُهُم في رجب في السنة الخامسة، من حين نبِّيء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر؛ حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدًا.
قالوا: وقدمنا أرضَ الحبشة، فجاورْنا بها خير جارٍ؛ أمنّا على ديننا، وعبَدْنا الله، لا نؤذَى ولا نسمعُ شيئًا نكرهه (٢) . (٢: ٣٢٩) .
- (٢)إسناده ضعيف.
-
٤٢ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني يونس بن محمد عن أبيه. قال: وحدَّثني عبد الحميد عن محمد بن يحيى بن حَبَّان؛ قالا: تسمية القوم الرجال والنساء: عثمان بن عفان معه امرأته رُقَيَّة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو حذيفة بن عُتْبَة بن ربيعة معه امرأته سَهْلة بنت سُهَيل بن عمرو، والزّبير بن العوام بن خُوَيلد بن أسد، ومُصعب بن عُمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وعبد الرحمن بن عوْف بن عبد عوْف بن الحارث بن زُهْرة، وأبو سَلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم؛ معه امرأته أم سلَمة بنت أبي أميّة بن المُغيرة بن عبد الله بن عمر بن
ج ٧ ص ٢٨مخزوم، وعثمان بن مظْعون الجُمَحيّ، وعامر بن ربيعة العَنْزِيّ - من عَنْز بن وائل، ليس من عَنَزَة - حليف بني عديّ بن كعب، معه امرأته ليلَى بنت أبي حَثْمةَ، وأبو سَبْرة بن أبي رُهْم بن عبد العُزَّى العامريّ، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، وسُهَيل بن بيضاء، من بني الحارث بن فِهْر، وعبد الله بن مسعود حليف بني زهرة (١) . (٢: ٣٢٩/ ٣٣٠) .
قال أبو جعفر: وقال آخرون: كان الذين لحقوا بأرض الحبشة، وهاجروا إليها من المسلمين - سوى أبنائِهم الذين خرجوا بهم صغارًا وولدوا بها - اثنين وثمانين رجلًا؛ إن كان عمّار بن ياسر فيهم؛ وهو يشكّ فيه!
- (١)إسناده ضعيف.
- ذكر من قال ذلك:
-
٤٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: لما رأى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ما يصيبُ أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله وعمّه أبي طالب، وأنه لا يقدرُ على أن يمنعهم ممَّا هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحَبشة! فإنَّ بها ملِكًا لا يظلَم أحدٌ عنده، وهي أرض صدق؛ حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه! فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أرضِ الحبَشة مخافة الفِتْنة؛ وفِرارًا إلى الله عزّ وجلّ بدينهم؛ فكانت أوّل هجرة كانت في الإسلام، فكان أوّلَ مَنْ خرج من المسلمين من بني أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف عثمانُ بن عفان بن أبي العاص بن أمية؛ ومعه امرأته رقيَّة ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ومن بني عَبْد شمس أبو حُذيفة بن عُتْبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومعه امرأته سَهْلة بنت سُهَيل بن عمرو؛ أحد بني عامر بن لؤيّ؛ ومن بني أسَد بن عبد العُزَّى بن قُصّي الزبير بن العوام.
-
فعدَّ النفَر الذين ذكرهم الواقدّي؛ غيرَ أنه قال: من بني عامر بن لؤي بن غالب بن فهر أبو سَبْرة بن أبي رُهْم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي؛ ويقال: بل أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ. قال: ويقال: هو أوّلُ مَنْ قدمها؛ فجعلهم ابن إسحاق عشرة؛ وقال: كان هؤلاء العَشَرة أوّل مَنْ
ج ٧ ص ٢٩خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني.
قال: ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة؛ فكانوا بها، منهم مَنْ خرج بأهله معه، ومنهم مَنْ خرج بنفسه لا أهلَ معه؛ ثم عدّ بعد ذلك تمام اثنين وثمانين رجلًا؛ بالعشرة الذين ذكرت بأسمائهم؛ ومَنْ كان منهم معه أهله وولده؛ ومَنْ ولد له بأرض الحبَشة، ومَنْ كان منهم لا أهلَ معه (١) . (٢: ٣٣٠/ ٣٣١) .
- (١)إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وقد ذكره ابن إسحاق بلاغًا وهو كذلك في سيرة ابن هشام (١/ ٣٩٧). وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٨٥) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة في كتاب المغازي (هكذا بلاغًا). وراجع ما أثبتناه في تفاصيل الهجرة إلى الحبشة في قسم الصحيح في السيرة بعد الرواية رقم (٣٠).
-
٤٤ - قال ابن إسحاق: وحدَّثني رجل من أسلم كان واعيةً، أن أبا جهل بن هشام مرّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو جالس عند الصَّفَا، فآذاه وشَتَمه، ونال منه بعض ما يَكْره من العَيب لدينه والتضعيف له، فلم يُكلّمْه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ومولاةٌ لعبد الله بن جُدْعان التّيميّ في مسكن لها فوق الصَّفا تسمع ذلك. ثم انصرف عنه، فعمَد إلى نادي قُريش عند الكعبة، فجلس معهم فلم يلبثْ حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشّحًا قوسَه، راجعًا من قَنَص له- وكان صاحبَ قَنَص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قَنَصه لم يصل إلى أهله حتى يطوفَ بالكعبة، وكان إذا فعلَ ذلك لم يمرّ على ناد من قريش إلَّا وقف وسلم وتحدَّث معهم، وكان أعزّ قريش وأشدَّها شكيمة- فلمّا مرّ بالمولاة وقد قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجع إلى بيته، قالت: يا أبا عمارة، لو رأيتَ ما لَقيَ ابنُ أخيك محمد آنفًا قبل أن تأتيَ من أبي الحكم بن هشام! وجدَه هاهنا جالسًا فسَبَّهُ وآذاه، وبلَغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلّمه محمد.
قال: فاحتمل حمزةَ الغضبُ لِمَا أراد الله به من كرامته، فخرج سريعًا - لا يقف على أحد كما كان يصنع - يريد الطواف بالكعبة، مُعِدًّا لأبي جهل إذا لقِيَه أن يقع به، فلمّا دخل المسجد نظر إليه جالسًا في القوم، فأقبلَ نحوه؛ حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس فضربَه بها ضربة فشجَّه بها شجَّةً منكرة، وقال:
ج ٧ ص ٣٠أتشْتِمُهُ وأنا على دينه أقول ما يقول! فرُدَّ ذلك علي إن استطعت! وقامت رجال بني مخزوم إلى حمزة لينصُروا أبا جهل منه، فقال أبو جهل: دعوا أبا عُمارة، فإني والله لقد سببتُ ابنَ أخيه سبًّا قبيحًا. وتمّ حمزة على إسلامه، فلمّا أسلم حمزة عرفت قريش: أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد عَزّ، وأن حمزة سيمنعه، فكفُّوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعضَ ما كانوا ينالون منه (١) . (٢: ٣٣٣/ ٣٣٤) .
- (١)إسناده ضعيف وقد أخرجه الحاكم من هذه الطريق (٣/ ١٩٢) بأطول من هذا وسكت عنه الحاكم وكذا الذهبي والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢١٣) وابن سعد في الطبقات (٣/ ٩) من طريق الواقدي وهو ضعيف. وللحديث طريق آخر ذكره الهيثمي (مجمع الزوائد ٩/ ٢٦٧) عن محمد بن كعب القرظي قال: (كان إسلام حمزة رضي الله عنه حمية ... إلخ). وقال: رواه الطبراني مرسلًا ورجاله رجال الصحيح. وكذلك من حديث يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق حليف بني زهرة: (أن أبا جهل اعترض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصفا فآذاه وكان حمزة رضي الله عنه صاحب قنص وصيد ... إلخ) وقال الهيثمي (٩/ ٢٦٧): رواه الطبراني مرسلًا ورجاله ثقات. اهـ. قال إبراهيم العلي في حاشية كتابه صحيح السيرة النبوية (٦٠): ومجموع الطرق المرسلة تفيد الحديث قوة وصحة. اهـ. وقال محققا السيرة النبوية لابن هشام (همام وأبو صعيليك) الصفحة ٣٦٢ / الحاشية. تخريج خبر إسلام حمزة بعد سردهم لطرق الحديث: فيكون الحديث ضعيفًا. اهـ. قلنا: وهو كما قالا. لا كما قال إبراهيم العلي والله أعلم.
-
٤٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني يحيى بن عُروة بن الزبير، عن أبيه، قال: كان أوّل من جَهَر بالقرآن بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة عبد الله بن مسعود، قال: اجتمع يومًا أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: والله ما سمعت قريش بهذا القرآن يجهرُ لها به قطّ، فمَنْ رجل يُسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا، قالوا: إنّا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلًا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، فقال: دعونى، فإنَّ الله سيمنعني، قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قال: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} - رافعًا بها صوته - {الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} , قال: ثم استقبلَها يقرأ فيها، قال: وتأمّلوا وجعلوا يقولون: ما يقول ابن أمّ عبْد! ثم قالوا: إنه ليتلُو بعضَ ما جاء به محمد. فقاموا إليه، فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل
ج ٧ ص ٣١يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلُغ. ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثَّروا بوجهه، فقالوا: هذا الذي خَشِينَا عليك! قال: ما كان أعداء الله أهْوَن عليَّ منهم الآن! لئن شئتم لأغادينَّهم غدًا بمثلها، قالوا: لا، حسبك، فقد أسمعتَهم ما يكرهون (١) . (٢: ٣٣٤/ ٣٣٥) .
- (١)إسناده مرسل وقد أخرجه ابن هشام في السيرة (١/ ٣٨٨) من طريق ابن إسحاق هذا مرسلًا فالحديث ضعيف والله أعلم.
-
٤٦ - فذكر أن أشراف قومه اجتمعوا له يومًا فيما حدَّثني محمد بن موسى الحَرشيّ، قال: حدَّثنا أبو خَلف عبد الله بن عيسى، قال: حدَّثنا داود عن عِكْرمة، عن ابن عباس: أنّ قريشًا وعدُوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُعطوه مالًا فيكون أغنى رجل بمكّة، ويزوّجوه ما أراد من النساء، ويطؤوا عَقِبه، فقالوا: هذا لك عندنا يا محمّد، وكُفّ عن شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء؛ فإن لم تفعلْ فإنا نَعْرضُ عليك خَصْلة واحدةً فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: ما هي؟ قالوا: تعبُد آلهتنا سنةً؛ اللات والعُزّى، ونعبد إلهك سنة، قال: حتى أنظرَ ما يأتي من عند ربي! فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} السورة وأنزل الله عزَّ وجلَّ: {قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} إلى قوله: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (٢) . (٢: ٣٣٧) .
- (٢)إسناده ضعيف فهو من طريق أبي خلف عبد الله بن عيسى عن داود وهو ضعيف. قال فيه ابن عدي: يروي عن يونس بن عبيد وداود بن أبي هند ما لا يوافقه عليه الثقات وهو مضطرب الحديث وأحاديثه إفرادات كلها، ويختلف عليه لاختلافه في رواياته وليس هو ممن يحتج بحديثه. اهـ. (الكامل ٤/ ٢٥٣ / ت ١١٩/ ١٠٨٦). وقد ضعف الحافظ في الفتح هذا الحديث بسبب أبي خلف (فتح الباري ٨/ ٧٣٣ / ١٠٩) سورة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}.
-
٤٧ - حدّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا ابن عُلَيَّةَ عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني سعيد بن ميناء، مولى أبي البختريّ، قال: لَقِيَ الوليدُ بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خَلَف رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا محمد، هلمَّ فلْنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشركك في أمرنا كلّه؛ فإن كان الذي جئت به خيرًا مما في أيدينا، كنّا قد شَرَكناك فيه، وأخذنا بحظّنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرًا مما في يدك، كنت قد شَرَكتنا في أمرنا،
ج ٧ ص ٣٢وأخذت بحظّك منه. فأنزل الله عزّ وجلّ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} حتى انقضت السورة. (٢/ ٣٣٧) .
-
فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حريصًا على صلاح قومه، محبًّا مقاربتَهم بما وجد إليه السبيل، قد ذُكِر أنه تمنَّى السبيل إلى مقاربتهم، فكان من أمره في ذلك (١) :
٤٨ - حدّثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد المدني، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، قال: لما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تَوَلِّيَ قومِه عنه، وشقَّ عليه ما يرَى من مباعدتهم ما جاءهم به من الله، تمنّى في نفسه أن يأتيَه من الله ما يقاربُ بينه وبين قومه، وكان يسرُّه مع حبِّه قومَه، وحرصِه عليهم أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم؛ حتى حدَّث بذلك نفسَه، وتمنَّاه وأحبّه، فأنزل الله عزّ وجل: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} , فلما انتهى إلى قوله: {أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} , ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدّث به نفسه، ويتمنّى أن يأتيَ به قومه: "تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لتُرتجى" ؛ فلما سمعتْ ذلك قريش فرِحوا، وسرّهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له - والمؤمنون مصدّقون نبيَّهم فيما جاءهم به عن ربّهم، ولا يتّهمونه على خطأ ولا وهم ولا ذلل - فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجدَ فيها، فسجد المسلمون بسجود نَبيّهم، تصديقًا لما جاء به، واتّباعًا لأمره، وسجد مَنْ في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم، لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد، إلَّا الوليد بن المغيرة، فإنه كان شيخًا كبيرًا، فلم يستطع السجود، فأخذ بيده حَفنة من البطحاء فسجد عليها، ثم تفرَّق الناس من المسجد، وخرجت قريش، وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسنِ الذكر، قد زعم فيما يتلُو: "أنها الغَرانيق العُلا، وأنَّ شَفَاعتَهُنَّ تُرتجى" وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وقيل: أسلمت قريش، فنهض منهم رجال، وتخلّف آخرون، وأتى جبريلُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا محمد، ماذا صنعتَ! لقد تلوتَ على الناس ما لم آتِكَ به عن الله عَزّ وجلَّ، وقلت ما لم
ج ٧ ص ٣٣يقل لك! فحزن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك حُزْنًا شديدًا، وخاف من الله خوفًا كثيرًا، فأنزل الله عَزّ وجل -وكان به رحيمًا- يعزيه ويخفض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يكُ قبله نبيّ ولا رسول تمنّى كما تمنّى، ولا أحبّ كما أحبّ إلَّا والشيطان قد ألقى في أمْنيَته، كما ألقى على لسانه - صلى الله عليه وسلم -، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته؛ أي فإنما أنت كبعض الأنبياء والرّسل، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} , فأذهب الله عزّ وجل عن نبيّه الحزن، وآمنه من الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم: "أنها الغرانيقُ العلا وأنَّ شفاعتهن ترتجى" ، بقول الله عزّ وجلّ حين ذكر اللّات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} أي: عَوْجاء، {إِنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} - إلى قوله - {لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} ، أي: فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عندَه!
- (١)رجاله ثقات إلا أن سعيد بن ميناء وإن كان ثقة فهو تابعي قد ذكر أنه - صلى الله عليه وسلم - تمنّى السبيل إلى مقاربتهم (أي قومه).
-
فلمَّا جاء من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيّه، قالت قريش: ندِم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتِكم عند الله، فغيّر ذلك وجاء بغيره؛ وكان ذانِكَ الحرْفَان اللَّذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد وقعا في فم كلِّ مشرك، فازدادوا شرًّا إلى ما كانوا عليه، وشدّةً على مَنْ أسلم واتّبع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - منهم، وأقبل أولئك النّفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين خرجوا من أرض الحبشة لِمَا بلغهم من إسلام أهل مكة حين سجدوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى إذا دنوا من مكة، بلغهم أنّ الذي كانوا تحدَّثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلًا، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفيًا، فكان ممَّنْ قدِم مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد معه بدرًا من بني عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، معه امرأته رقيّة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بنت سهيل، وجماعة أخَر معهم، عددهم ثلاثة وثلاثون رجلًا (١) . (٢: ٣٣٧/ ٣٣٨ / ٣٣٩/ ٣٤٠) .
- (١)حديث ضعيف وسنتحدث عنه بعد الآتي.
- ج ٧ ص ٣٤
٤٩ - حدّثني القاسم بن الحسن، قال: حدَّثنا الحسين بن داود، قال: حدَّثني حَجّاج عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظِيّ ومحمد بن قيس، قالا: جلسَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في ناد من أنديَةِ قريش، كثير أهله، فتمنّى يومئذ ألَّا يأتيَه من الله شيء فينفِروا عنه، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}، فقرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا بلغ: {أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} ألقى الشيطان عليه كلمتين: "تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى" ، فتكلّم بهما، ثم مضى فقرأ السورة كلَّها، فسجد في آخر السورة، وسجد القوم معه جميعًا، ورفع الوليدُ بن المغيرة ترابًا إلى جبهته، فسجد عليه -وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السُّجود- فرضُوا بما تكلَّم به، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت؛ وهو الذي يخلُق ويرزق؛ ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده؛ فإذا جعلت لها نصيبًا فنحن معك. قالا: فلما أمْسَى أتاه جبرئيل - عليه السلام -، فعرض عليه السورة، فلما بلغَ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه، قال: ما جئتُك بهاتين! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: افتريتُ على الله، وقلتُ على الله ما لم يقل، فأوحى الله إليه: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَينَا غَيرَهُ} إلى قوله: {ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَينَا نَصِيرًا} ؛ فما زال مغمومًا مهمومًا، حتى نزلت: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} إلى قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} .
قال: فسمع مَنْ كان بأرض الحبَشة من المهاجرين أنّ أهلَ مكّة قد أسلمُوا كلّهم، فرجعوا إلى عشائرهم، وقالوا: هم أحبُّ إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسُوا حينَ نسخ الله ما ألقى الشيطان، ثم قام - فيما حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، في نقضِ الصحيفة التي كانت قريش كتبت بينها علي بني هاشم وبني المطّلب - نفرٌ من قريش. وكان أحسنُهم بلاءً فيه هشام بن عمرو بن الحارث العامريّ، من عامر بن لؤيّ - وكان ابنَ أخي نضْلة بن هاشم بن عبد مناف لأمّه - وإنه مشى إلى زُهير بن أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم - وكانت أمّه عاتكة بنتُ عبد المطلب - فقال: يا زهير، أرضيتَ أن تأكلَ الطعام، وتلبس الثياب، وتنكِح النساء، وأخوالُك حيث قد علمت؛ لا يبايعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكِحون ولا ينكَح إليهم! أما إنّي أحلِفُ بالله لو
ج ٧ ص ٣٥كانوا أخوال أبي الحكَم بن هشام ثم دعوتَه إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدًا. قال: ويحك يا هشام! فماذا أصنع! إنَّما أنا رجلٌ واحد؛ والله لو كان معي رجلٌ آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها. قال: قد وجدْتَ رجلًا، قال: مَنْ هو؟ قال: أنا، قال له زهير: ابغِنَا ثالثًا، فذهب إلى المُطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف، فقال له: يا مطعِم، أقَدْ رَضيت أن يهلِك بَطْنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه! أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنَّهم إليها منكم سراعًا. قال: ويحك! فماذا أصنع! إنَّما أنا رجلٌ واحد، قال: قد وجدت ثانيًا، قال: مَنْ هو؟ قال: أنا، قال: ابغنا ثالثًا، قال: قد فعلت، قال: مَنْ هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: ابغنا رابعًا، فذهب إلى أبي البختريّ بن هشام، فقال له نحوًا مما قال للمطعم بن عديّ، فقال: وهل من أحد يُعين على هذا؟ قال: نعم، قال: مَنْ هو؟ قال: زهير بن أبي أمية والمطعِم بن عديّ وأنا معك قال: ابغِنا خامسًا، فذهب إلى زَمْعة بن الأسود بن المطَّلب بن أسد، فكلّمه، وذكر له قرابتَهم وحقّهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمّى له القومَ. فاتّعدوا له خَطْم الحَجون الذي بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، وأجمعوا أمرَهم، وتعاهدوا على القيام في الصَّحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أوّلكم يتكلّم، فلما أصبحوا غدوْا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أميّة، عليه حلّة له؛ فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهلَ مكة! أنأكل الطّعام، ونشرب الشَّراب، ونلبس الثّياب، وبنو هاشم هَلْكى لا يبايعون ولا يبتاع منهم! والله لا أقعد حتى تشقّ هذه الصحيفة القاطعة الظّالمة، قال أبو جهل- وكان في ناحية المسجد: كذبتَ، والله لا تشقّ! قال زمعة بن الأسود: أنتَ والله أكذبُ، ما رضينا كتابتها حين كتبت؛ قال أبوالبختريّ: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نُقرُّ به! قال المطعم بن عديّ: صَدَقْتما وكَذَبَ مَنْ قال غير ذلك؟ نبرأ إلى الله منها، ومما كُتِب فيها؛ وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك، قال أبو جهل: هذا أمرٌ قُضي بليلٍ، وتُشوورَ فيه بغيرِ هذا المكان- وأبو طالب جالس في ناحية المسجد- وقام المطعم بن عديّ إلى الصحيفة ليشقّها؛ فوجد الأرَضَةَ قد أكلتْها؛ إلَّا ما كان من "باسمك اللهمَّ" ، وهي فاتحة ما كانت تكتب قريش؛ تفتتح بها كتابها إذا كتبت.
- ج ٧ ص ٣٦
قال: وكان كاتب صحيفة قريش -فيما بلغني- الّتي كتبُوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورهطه من بني هاشم وبني المطلب منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدَّار بن قصيّ، فشَلَّتْ يدُه.
-
وأقام بقيّتهم بأرض الحبشة؛ حتى بعثَ فيهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشيّ عمرَو بن أميّة الضَّمْريّ، فحملهم في سفينتين، فقدِم بهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو بخيبر بعد الحديبية. وكان جميع من قَدِم في السفينتين ستةَ عَشَرَ رجلًا (١) .
- (١)حديث ضعيف قال فيه البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل (دلائل النبوة ٢/ ٦٢). ولقد فصّل القاضي عياض في كتابه (الشفاء) فاستقصى طرق الحديث وقال (٢/ ٢٨): يكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نَقَلَتهِ واضطراب رواياته وانقطاع إسناده واختلاف كلماته. اهـ. وكذلك فصَّل المحدث الألباني الحديث في إسناده ومتنه وما قاله العلماء في ذلك في كتابه القيم المعروف وتحدث عنه في حاشية فقه السيرة للغزالي (١١٣) قائلًا: وهذه الفرية (ويعني فرية الغرانيق) لم ترو بسند معتبر عن صحابي بل كل طرقها مرسلة لا يدرى من الذي حدث بها ممن يمكن أن يدرك عصر النبوة والرسالة. وقد فصلت القول في بطلان هذه القصة من الوجهة الحديثية في كتابي (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق) اهـ. ولا بأس أن ننقل ما قاله المؤرخ الإسلامي الكبير أكرم ضياء العمري في كتابه القيم (صحيح السيرة ١/ ١٧١): وفي أعقاب الهجرة الأولى إلى الحبشة حدث أن صلّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد الحرام فقرأ سورة النجم. فسجد في موضع السجود وسجد كل من كان حاضرًا إلا اثنين من المستكبرين فشاع أن قريشًا قد أسلمت. وقد ذهبت روايات مرسلة صحيحة السند إلى مرسليها وهم: سعيد بن جبير وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبو العالية إلى أن الشيطان ألقى على لسان الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قراءته في صلاته تلك عبارة: (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) كما ذهبت روايات مرسلة أخرى ضعيفة الأسانيد إلى مرسليها إلى أن العبارة قالها الشيطان وسمعها المشركون دون المسلمين، فسجد المشركون بسجود المسلمين، وما قالته المراسيل المعتبرة يصطدم مع عصمة النبوة في قضية الوحي ويعارض التوحيد وهو أصل العقيدة الإسلامية، لذلك فإنها مرفوضة متنًا حتى لو ثبت تعدد مخارجها ولم يأخذها الثلاثة التابعون عن شيخ واحد. اهـ.
-
٥٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَّثني ابنُ إسحاق، قال: حدَّثني عمر بن عبد الله بن عُرْوة بن الزُّبير عن عروة بن الزبير، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج بذلك إذا رُمي به في داره على العُود فيقف على بابه، ثم
ج ٧ ص ٣٧يقول: يا بني عبد مناف، أيّ جوار هذا! ثم يُلْقِيه بالطريق.
-
ثم إن أبا طالب وخديجة هلكا في عام واحد (١) .
- (١)إسناده ضعيف لضعف شيخ الطبري ولإرسال عروة.
-
٥١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني هشام بن عُروة، عن أبيه قال: لما نثر ذلك السّفيه التّرَابَ على رأسِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيتَه والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناتِهِ تغسل عنه التراب؛ وهي تبكي، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لها: يا بُنيَّة لا تبكي؛ فإنَّ الله مانعٌ أباكِ! قال: ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما نالتْ منّي قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب (٢) . (٢: ٣٤٤) .
- (٢)إسناده ضعيف وأخرجه ابن هشام كذلك من طريق ابن إسحاق هذا (٢/ ٦٧) والبيهقي في دلائل النبوة من طريق ابن إسحاق أيضًا (٢/ ٣٥٠). وأورد الذهبي في تاريخ الإسلام / السيرة النبوية من طريق محمد بن إسحاق عمن حدثه عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن جعفر به وقال الذهبي: غريب مرسل. فالحديث ضعيف والله أعلم.
-
٥٢ - ولما هلك أبو طالب خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطَّائف يلتمس من ثقيف النّصر والمنَعة له من قومه؛ وذُكِر أنّه خرج إليهم وحده؛ فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدثنا ابنُ إسحاق قال: حدَّثنى يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: لما انتهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف عَمَد إلى نفرٍ من ثَقيف - همْ يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم؛ وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير؛ وعندهم امرأة من قريش من بني جُمَح، فجلس إليهم - فدعاهم إلى الله وكلّمهم بما جاء لهم من نصرته على الإسلام. والقيام معه على مَنْ خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرُط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلَك! وقال الآخر: ما وجد الله أحدًا يرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلّمك كلمةً أبدًا؛ لئن كنتَ رسولًا من الله كما تقول؛ لأنتَ أعظمُ خطرًا من أن أردَّ عليك الكلامَ؛ ولئن كنتَ تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلِّمك!
-
فقام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من عندهم، وقد يئس من خيرِ ثقيف؛ وقد قال لهم - فيما
ج ٧ ص ٣٨ذكر لي-: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عليّ. وكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبلُغ قومه عنه، فيُذئرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبّونه ويصيحون به؛ حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتْبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثَقِيفٍ مَنْ كان يتْبعه، فعمِد إلى ظِلِّ حَبَلةٍ من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويرَيان ما لقيَ من سفهاء ثقِيف. وقد لقيَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - تلك المرأة من بني جُمح، فقال لها: ماذا لقينا من أحمائِك! فلما اطمأنَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال - فيما ذكر لي -: اللهمَّ إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلّة حيلَتي، وهواني على النَّاس؛ يا أرحمَ الرَّاحمين! أنتَ ربُّ المستضعَفين، وأنتَ ربِّي؛ إلى مَنْ تكلني! إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدوّ مَلَّكْتَهُ أمري؛ إنْ لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي! ولكنَّ عافيتَك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظُّلُمات، وصلَح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبُك، أو يحلَّ عليّ سخطُك، لك العُتبى حتى ترضَى، لا حول ولا قوة إلَّا بك.
-
فلمَّا رأى ابنا ربيعة: عُتبة وشَيبة ما لقي، تحرّكت له رحِمهما، فدعَوا له غلامًا لهما نصرانيًّا؛ يقال له: عدّاس، فقالا له: خذ قِطفًا من هذا العنَب وضعه في ذلك الطَّبَق، ثم اذهب به إلى ذلك الرّجل، فقل له يأكل منه؛ ففعل عدَّاس، ثم أقبل به حتَّى وضعه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده، قال: "باسم الله" ، ثم أكل، فنظَر عدَّاس إلى وجهه، ثم قال: والله إنَّ هذا الكلام ما يقوله أهلُ هذه البلدة، قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ومِن أهل أيّ البلاد أنت يا عدَّاس؟ وما دينك؟ قال: أنا نصرانيّ، وأنا رجلٌ من أهل نينَوى، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمِنْ قرية الرّجل الصّالح يونس بن متى؟ قال له: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ذاك أخي، كان نبيًّا وأنا نبيّ، فأكبّ عدّاس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل رأسَه ويديه ورجليه، قال: يقول ابنا ربيعة أحدُهما لصاحبه. أمّا غلامك فقد أفسدَه عليك. فلما جاءهما عدّاس قال له: ويلك يا عدَّاس! ما لك تقبِّل رأسَ هذا الرّجل ويديه وقدميه! قال: يا سيّدي ما في [هذه] الأرض خيرٌ من هذا الرجل! لقد خبّرني بأمر لا يعلمه إلَّا نبيٌّ،
ج ٧ ص ٣٩فقالا: ويحك يا عدَّاس! لا يصرفنّك عن دينك، فإنَّ دينَك خيرٌ من دينه (١) . (٢: ٣٤٤/ ٣٤٥ / ٣٤٦) .
- (١)حديث ضعيف. وفي أول إسناده الطبري شيخه ابن حميد وهو ضعيف، ويزيد بن زياد؛ قال البخاري: لا يتابع على حديثه وهو مع هذا من مراسيل محمد بن كعب القرظي. والحديث أخرجه البيهقي في الدلائل (٤١٥/ ٤١٧) عن الزهري مرسلًا. وعن موسى بن عقبة مرسلًا أيضًا وأخرجه ابن هشام في السيرة من طريق ابن إسحاق مرسلًا (٢/ ٧٢) وكذلك أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٢١١) من طريق الواقدي وهو متروك. فالحديث ضعيف والله أعلم. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير. قال الهيثمي في المجمع (٦/ ٣٥): وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة. قال العمري: وأما دعاؤه على ثقيف بقوله: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ... إلخ). ولقاؤه بعداس فلم يثبت من طريق صحيحة (صحيح السيرة ١/ ١٨٦). وقال أيضًا: وهذه المراسيل لا تقوى ببعضها إذ الظاهر أن مخرجها واحد لأن ابن إسحاق وموسى بن عقبة تلميذان للزهري اهـ.
-
٥٣ - قال محمّد: وتسمية النّفر من الجنّ الذين استمعوا الوحي - فيما بلغني-: حسًّا، ومسًّا، وشاصر، وناصر، واينا الأرد، وأينين، والأحقم (٢) . (٢: ٣٤٧) .
قال: ثم قدِم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكّة، وقومهُ أشدَّ ما كانوا عليه من خِلافه وفراق دينه إلَّا قليلًا مستضعفين ممّن آمن به. (٢: ٣٤٧) .
- (٢)ذكر الطبري أسماء الجن الذين حضروا التلاوة عن ابن إسحاق بلاغًا وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم (١٠ / ح ١٨٥٨٠) عن مجاهد وفي إسناده مجهول.
-
٥٤ - وذكر بعضُهم أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لما انصرف من الطّائف مريدًا مكة مرَّ به بعضُ أهلِ مكّة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل أنت مبلّغ عنّي رسالة أرسِلك بها؟ قال: نعم، قال: ائت الأخْنَس بن شَرِيق، فقل له: يقول لك محمّد: هل أنت مجيري حتى أبلّغَ رسالة ربّي؟ قال: فأتاه، فقال له ذلك، فقال الأخْنَسُ: إنَّ الحليف لا يُجير على الصريح. قال: فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأخبره، قال: تعود؟ قال: نعم، قال: ائت سُهَيلَ بن عمرو، فقل له: إنَّ محمّدًا يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلِّغ رسالات ربِّي؟ . فأتاه فقال له ذلك، قال: فقال: إن بني عامر بن لؤيّ لا تجير علي بني كعب. قال: فرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأخبره، قال:
ج ٧ ص ٤٠تعود؟ قال: نعم، قال: ائت المطعم بن عديّ، فقل له: إنَّ محمدًا يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلِّغ رسالات ربي؟ قال: نعم، فلْيدخل، قال: فرجع الرّجل إليه فأخبره، وأصبح المطعِم بن عديّ قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه، فدخلوا المسجد، فلمّا رآه أبو جهل، قال: أمُجيرٌ أم متابع؟ قال: بل مجير، قال: فقال: قد أجرْنا مَنْ أجرت، فدخل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مكة؛ وأقام بها، فدخل يومًا المسجد الحرام والمشركون عند الكعبة، فلما رآه أبو جهل، قال: هذا نبيّكم يا بني عبد مناف، قال عتبة بن ربيعة: ما تنكرُ أن يكون منّا نبيّ أو ملك! فأخبر بذلك النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أو سمعه - فأتاهم، فقال: أمّا أنتَ يا عُتْبة بن ربيعة فوالله ما حميتَ لله ولا لرسوله؛ ولكنْ حميتَ لأنْفِك، وأما أنتَ يا أبا جهل بن هشام؛ فوالله لا يأتي عليك غير كبير من الدّهر حتى تضحك قليلًا وتبكي كثيرًا. وأمّا أنتم يا معشر الملأ من قريش؛ فوالله لا يأتي عليكم غير كبير من الدّهر حتى تدخلوا فيما تنكرون، وأنتم كارهون (١) .
- (١)ذكره الطبري بلا إسناد فقال: وذكر بعضهم مسألة إجارة المطعم بن عدي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد رجوعه من الطائف أخرجه كذلك ابن سعد في طبقاته (١/ ٢١١ - ٢١٢) من طريق الواقدي وفيه صد أهل الطائف له ثم خروجه من عندهم واستماع الجن لقراءته ثم دخوله في جوار المطعم، وإسناده ضعيف فالواقدي متروك وكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق بلاغًا. فالحديث ضعيف والله أعلم.
-
٥٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: وحدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثنا محمد بن مسلِم بن شهاب الزهريّ: أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى كِنْدة في منازلهم، وفيهم سيّد لهم، يقال له: مُلَيح، فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ، وعرَض عليهم نفسَه، فأبوْا عليه (٢) .
- (٢)إسناده ضعيف وكذلك رواه ابن هشام في السيرة (٢/ ٧٥) من طريق ابن إسحاق عن الزهري مرسلًا. فالحديث ضعيف والله أعلم.
-
٥٦ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن حُصَين: أنَّه أتى كلْبًا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ، وعرَض عليهم نفسَه؛ حتى إنَّه ليَقول لهم: يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسم
ج ٧ ص ٤١أبيكم. فلم يقبَلوا منه ما عَرَض عليهم (١) .
- (١)إسناده ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٧٥) من طريق ابن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين مرسلًا. فالحديث ضعيف والله أعلم.
-
٥٧ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمَّد بن إسحاق: حدَّثني بعضُ أصحابنا، عن عبد الله بن كعب بن مالك: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أتى بني حَنِيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله، وعَرَض عليهم نفسَه؛ فلم يكن أحدٌ من العرب أقبحَ ردًّا عليه منهم (٢) .
- (٢)إسناده ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٧٥) عن ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن عبد الله بن كعب بن مالك (أي: أنه أبهم اسم شيخه) وأخرجه ابن سعد من طريق الواقدي (الطبقات ١/ ٢١٦) وهو متروك. فالحديث ضعيف والله أعلم.
-
٥٨ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدَّثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهريّ: أنه أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله، وعَرَض عليهم نفسَه، فقال رجل منهم، يقال له: بَيحَرَةَ بن فراس: والله لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلتُ به العرب. ثم قال له: أرأيتَ إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرَك الله على مَنْ خالفك؛ أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمرُ إلى الله يضعُه حيث يشاء. قال: فقال له: أفتُهدَفُ نحورُنا للعرب دونك، فإذا ظهرتَ كان الأمرُ لغيرنا! لا حاجةَ لنا بأمرك. فأبَوْا عليه، فلما صدَر النَّاس، رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم؛ قد كانت أدركتْه السنّ؛ حتى لا يقدر على أن يوافيَ معهم الموسم، فكانوا إذا رجعوا إليه، حدَّثوه بما يكون في ذلك الموسم؛ فلمَّا قدمُوا عليه ذلك العام، سألهم عمّا كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتىً من قريش، ثم أحد بني عبد المطّلب، يزعم: أنه نبيّ، ويدعو إلى أن نمنعه ونقوم معه؛ ونخرج به معنا إلى بلادنا. قال: فوضع الشيخُ يده على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلاف! هل لذناباها من مطلب! والذي نفسُ فلان بيده ما تقوَّلها إسماعيلي قطّ! وإنّها لحق، فأين كان رأيكم عنه!
-
فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك من أمره؛ كلّما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعُو القبائل إلى الله وإلى الإسلام، ويعرِض عليهم نفسَه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة، لا يسمع بقادم يقدم من العرب؛ له اسمٌ وشرفٌ إلا تصدَّى له
ج ٧ ص ٤٢فدَعاه إلى الله، وعَرَض عليه ما عنده (١) . (٢: ٣٥٠/ ٣٥١) .
- (١)إسناده ضعيف وهو حديث ضعيف أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ٧٦) من طريق ابن إسحاق عن الزهري مرسلًا وأخرجه أبو نعيم في الدلائل (١٠٠) من طريق الكلبي وهو ضعيف وأخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٢١٦) من طريق الواقدي وهو متروك.
-
٥٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، قال: حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة الظَّفَرِيّ عن أشياخ من قومه، قالوا: قدِم سُوَيد بن صامت - أخو بني عمرو بن عوف - مكة حاجًّا أو معتمرًا، قال: وكان سُوَيد إنما يسميه قومه فيهم: الكامل، لجلَدِه وشِعْره، ونسبه وشرفه؛ وهو الذي يقول:
ألا رُبَّ مَنْ تَدْعُو صَدِيقًا وَلَو تَرَى ... مَقَالتَهُ بالْغَيبِ ساءَك ما يَفْرِي
مَقَالتُهُ كالشَّحْمِ ما كان شاهدًا ... وبالغَيبِ مأْثورٌ على ثغْرَةِ النَّحْر
يَسُرُّك باديهِ وتحْتَ أدِيمه ... نَمِيمَةُ غِشٍّ تَبْتَرِي عَقِبَ الظَّهرِ
تُبِينُ لك العَينانِ ما هُوَ كاتِمٌ ... ولا جِنَّ بالبَغْضَاءِ والنَّظَرِ الشَّزْرِ
فَرِشْنِي بخَيرٍ طالما قَدْ بَرَيتَنِي ... وخَيرُ المَوالي مَنْ يَرِيشُ ولا يَبْري
مع أشعار له كثيرة يقولها.
قال: فتصدَّى له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين سمع به، فدَعاه إلى الله وإلى الإسلام. قال: فقال له سُويدٌ: فلعلّ الذي معك مثلُ الذي معي! فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: وما الذي معك؟ قال: مجلَّة لقمان - يعني: حكمة لقمان- فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اعرضها عليّ، فعرضها عليه، فقال: إنَّ هذا لكلام حَسَنٌ، معي أفضلُ من هذا؛ قرآن أنزله الله عليّ، هدى ونورٌ. قال: فتلا عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعُد منه، وقال: إن هذا لقولٌ حَسَنٌ.