اشتداد إيذاء المشركين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوته
٧ فقرات، ج ٢ ص ٣٠
- ج ٢ ص ٣٠
قال أبو جعفر: ولما خرج مَنْ خرجَ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أرضِ الحبَشة مهاجرًا إليها، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مقيم بمكة، يدعُو إلى الله سرًّا وجهرًا، قد منَعه الله بعمّه أبي طالب وبمَن استجاب لنُصرته من عشيرته، ورأت قريش أنّهم لا سبيلَ لهم إليه، رموْه بالسحْر والكَهانة والجنون؛ وأنه شاعر، وجعلوا يصدّون عنه مَنْ خافوا منه أن يسمع قوله فيتَّبعه؛ فكان أشدّ ما بلغوا منه حينئذ - فيما ذكر. (٢: ٣٣٠/ ٣٣١ / ٣٣٢) .
-
٣١ - ما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عُروة بن الزبير، عن أبيه عُرْوة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلتُ له: ما أكثر ما رأيتَ قريشًا أصابت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما كانت تُظهر من عداوته! قال: قد حضرتُهم وقد اجتمع أشّرافهم يومًا في الحِجْر، فذكروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ما رأينا مثلَ ما صبرنا عليه من هذا الرجل قَطّ! سَفّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرَّق جماعتنا، وسبّ آلهتنا! لقد صبرْنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا.
-
فبينا هُمْ كذلك إذْ طلَع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفًا بالبيت، فلما مرّ بهم غمزُوه ببعض القول. قال: فعرفت ذلك في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم مضى، فلمَّا مرَّ بهم الثانية غمزوه مثلها؛ فعرَفت ذلك في وجهه، ثم مضَى، ثم مرّ بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فوقف فقال: أتسمعون يا معشرَ قريش! أما والذي نفسُ محمدٍ بيده، لقد جئتكم بالذبح! قال: فأخذت القومَ كلمته؟ حتى ما منهم رجلٌ إلا كأنما على رأسه طائر واقع؛ وحتى إنَّ أشدّهم فيه وصاةً قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدًا، فوالله ما كنتَ جهُولًا!
ج ٢ ص ٣١قال: فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى إذا كان الغد، اجتمعوا في الحِجْر، وأنا معهم، فقال بعضُهم لبعض: ذكرتم ما بَلغ منكم، وما بلغَكم عنه؛ حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه! فبينا هم كذلك إذْ طلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد؛ وأحاطوا به يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا! لما يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم أنا الذي أقول ذلك؛ قال: فلقد رأيتُ رجلًا منهم آخذًا بجُمْع ردائه. قال: وقام أبو بكر الصّديق دونه. يقول وهو يبكي: ويلكم! أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله! ثم انصرفوا عنه. فإنّ ذلك أشدّ ما رأيتُ قريشًا بلغت منه قطّ (١) . (٢: ٣٣٣/ ٣٣٢) .
- (١)إسناده ضعيف والحديث صحيح وقد رواه أئمة الحديث مطولًا كما عند الطبري ومختصرًا كذلك. أما مطولًا فقد رواه ابن إسحاق بسنده موصولًا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص (سيرة ابن هشام ١/ ٣٥٨ - ٣٥٩) وأخرجه أحمد كذلك من طريق ابن إسحاق مطولًا (٢٠/ ٣١٩ - ٣٢٠) وقال الهيثمي تعليقًا على هذه الرواية المطولة: رواه أحمد وقد صرّح ابن إسحاق بالسماع وبقية رجاله رجال الصحيح (المجمع ٦/ ١٦). أما مختصرًا فقد أخرجه البخاري في مواضع عدة منها: كتاب مناقب الأنصار (٢٩) باب ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من المشركين بمكة (ح ٣٨٥٦): عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؟ . قال: بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} الآية. تابعه ابن إسحاق حدثني يحيى بن عروة عن عروة قلت لعبد الله بن عمرو. وقال عبدة عن هشام عن أبيه: قيل لعمرو بن العاص. وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة حدثني عمرو بن العاص. وعقب ابن حجر في الفتح على هذا الكلام. قوله (وقال عبدة عن هشام: أي ابن عروة عن أبيه: قيل لعمرو بن العاص) هكذا (والكلام لابن حجر) خالف هشام بن عروة أخاه يحيى بن عروة في الصحابي. فقال يحيى (عبد الله بن عمرو بن العاص). وقال هشام (عمرو بن العاص) ويرجَّحُ رواية يحيى موافقة محمد بن إبراهيم التيمي عن عروة على أن قول هشام غير مدفوع لأن له أصلًا من حديث عمرو بن العاص بدليل رواية أبي سلمة عن عمرو الآتية عقب هذا. فيحتمل أن يكون عروة سأله مرة وسأل أباه أخرى ويؤيد اختلاف السياقين. وقد ذكرت = = أن عبد الله بن عروة رواه عن أبيه بإسناد آخر عن عثمان فلا مانع من التعدد. اهـ. (الفتح ٧/ ١٦٩). وعقب ابن حجر أيضًا على قول البخاري: (وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة: حدثني عمرو بن العاص). فقال في الموضع السابق (٧/ ١٦٩): وصله الجاري في خلق أفعال العباد من طريقه وأخرجه أبو يعلى وابن حبان عنه من وجه آخر عن محمد بن عمرو ولفظه: (ما رأيت قولا أرادوا قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلّا يومًا أغروا به وهم في ظل الكعبة جلوس وهو يصلي ... إلخ) مختصرًا. وكذلك أشار ابن حجر في الموضع السابق أي (٧/ ١٦٩) إلى رواية أخرى مختصرة فقال: وقد أخرج أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح عن أنس قال: لقد ضربوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرة حتى أُغشيَ عليه فقام أبو بكر فجعل ينادي: أتقتلون رجلًا أن يقول ربيَ الله. فتركوه وأقبلوا على أبي بكر. وهذا من مراسيل الصحابة وقد أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن مطولًا من حديث أسماء بنت أبي بكر أنهم (قالوا لها: ما أشد ما رأيت المشركين بلغوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ) فذكر نحو سياق ابن إسحاق المتقدم قريبًا. اهـ. وقال الأستاذ العمري بعد سرده لرواية عروة عن عبد الله بن عمرو بن العاص: وكان عمرو بن العاص والد عبد الله بن عمرو بن العاص شاهد عيان للحادثة والغالب أنه سمع الخبر منه. قلنا: ولعله نسي أن يشير إلى ما قاله البخاري في الصحيح والحافظ في الفتح عن رواية أبيه عمرو بن العاص والله أعلم. قلنا: وروايتا أبي يعلى برقم (٦/ ٣٦٢) و (١/ ٥٢) فراجعهما هناك وانظر تعليق الأستاذ العمري على إسنادي أبي يعلى في كتابه القيم (صحيح السيرة ١/ ١٥٢) والحاشية.
- ج ٢ ص ٣٢
٣٢ - حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا بشر بن بكر، قال: حدَّثنا الأوزاعي، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلَمة بن عبد الرحمن، قال: قلتُ لعبد الله بن عمرو: حدّثني بأشدّ شيء رأيتَ المشركين صَنَعُوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: أقبل عُقْبة بن أبي مُعَيط ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عند الكعبة، فلوى ثوبه في عنُقه، وخَنَقَه خنقًا شديدًا، فقام أبو بكر مِنْ خَلْفه، فوضع يده على مَنكِبه، فدفعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال أبو بكر: يا قوم: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} (١) (٢: ٣٣٣) .
- (١)حديث صحيح وقد سبق تخريجه في الذي قبله.
-
٣٣ - قال أبو جعفر: ولما استقرّ بالذين هاجروا إلى أرض الحبَشة القرارُ بأرض النّجاشيّ واطمأنّوا، تآمرت قريشٌ فيما بينها في الكَيْد بمن ضَوَى إليها من المسلمين، فوجّهوا عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزوميّ إلى النّجاشيّ، مع هدايا كثيرة أهدوْها إليه وإلى بطارقته، وأمروهما
ج ٢ ص ٣٣أن يسألا النجاشيّ تسليم من قِبَلَهُ وبأرضه من المسلمين إليهم. فشخَص عمرو وعبد الله إليه في ذلك، فنفذا لما أرسلهما إليه قومُهما، فلم يصلا إلى ما أمَّل قومهما من النجاشيّ، فرجعا مقبوحَين (١) (٢: ٣٣٥) .
- (١)ذكر الطبري هذا الكلام بلا إسناد ومعناه صحيح كما تقدم في الهجرة، وقد أخرج أحمد (٥/ ٢٩٠) عن أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: "لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله وحده لا نؤذى، ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا النجاشي هدايا ما يستطرف من متاع مكة، وكان أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدمًا كثيرًا ولم يتركوا بطريقًا من بطارقته إلا أهدوا له هدية، وبعثوا بذلك مع أبي عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمروهما أمرهم. وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه. ثم اسألوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا فقدما على النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم. وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلم بهم عيبًا. وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا لهما: نعم، ثم قربوا هداياهم إلى النجاشي، فقبلها منهم، ثم كلماه. فقالوا له: أيها الملك، قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأبنائهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلم بهم عيبًا وأعلم بما عابوا عليهم، وعايبوهم فيه. ولم يكن أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك قومهم أعلم بهم عيبًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهم، فليردوهم إلى بلادهم وقومهم. فغضب النجاشي وقال: لا هيم الله إذ لا أسلمهم إليهما ولا أكاد. قومًا جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسالهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحتسب جوارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا فقالوا بعضهم لبعض: ما تقولون في الرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا - صلى الله عليه وسلم - كائن في ذلك ما هو كائن، فلما جاؤوا وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين = = الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله -عزَّ وجلَّ- لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وشهادة الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئًا وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. -قالت: فعدد عليه أمور الإسلام- فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده لا نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله -عزَّ وجلَّ-، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا -وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قال: فقال النجاشي: هل معك مما جاء به من عند الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم. قالت: فقال له النجاشي: فاقرأه، فقرأ عليه صدرًا من (كهيعص) قالت: فبكى النجاشي، حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته، حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم، ولا أكاد. قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدًا أعيبهم عنده بما أستأصل به خضراءهم. فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم - عليه السلام - عبد. قالت: ثم غدا عليه، فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثلها قطُّ، واجتمع القوم، فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله ما قال الله، وما جاءنا به نبينا كائنًا في ذلك ما هو كائن. قالت: فلما دخلوا عليه قال لهم: ماذا ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا - صلى الله عليه وسلم -، =
- ج ٢ ص ٣٤
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٢ ص ٣٥
٣٤ - وأسلم عمر بن الخطاب رحمه الله، فلمّا أسلم وكان رجلًا جَلْدًا جليدًا منيعًا، وكان قد أسلَم قبل ذلك حمزةُ بن عبد المطّلب، ووجد أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أنفسهم قوّةً، وجعل الإسلام يفشُو في القبائل، وحَمَى النجاشيّ مَنْ ضَوَى إلى بلده منهم (١) (٢: ٣٣٥) .
- = هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. قال: فضرب النجاشي بيده إلى الأرض، فأخذ منها عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال: فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم الآمنون - من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبرًا ذهبًا وأني آذيت رجلًا (والدبر بلسان الحبشة: الجبل) ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي، فآخذ الرشوة، وما أطاع الناس فيَّ فأطيعهم فيه. فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده في خير دار مع خير جار. فوالله إنه لعلى ذلك إذ نزل به من ينازعه في ملكه، قالت: والله ما علمنا حزنًا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوفًا أن يظهر ذلك على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف. قالت: وسار إليه النجاشي، وبينهما عرض النيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتينا؟ فقال الزبير بن العوام: أنا. قالت: وكان من أحدث القوم سنًّا. قالت: وله قربة فجعلوها في صدره، فسبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم. قالت: ودعونا - الله عزَّ وجلَّ- للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده. قالت: فوالله! إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن؛ إذ طلع الزبير وهو يسعى، فلمع بثوبه؛ وهو يقول: ألا أبشروا؛ فقد ظفر النجاشي، وأهلك الله عدوَّه، ومكن له في بلاده. قالت: فوالله! ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها. قالت: ورجع النجاشي، وقد أهلك الله عدوه، ومكن له في بلاده. واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة". وإسناد أحمد إسناد حسن وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع (المجمع ٦/ ٢٧). وصححه العلامة شاكر (ح ١٧٤٠) والحديث أخرجه أيضًا أبو نعيم في الحلية (١/ ١١٥).
- (١)ذكر الطبري ما ذكر هنا بلا إسناد، ومعناه صحيح؛ أي أن في إسلام عمر وحمزة قوة للمسلمين آنذاك وهما يومئذ من أشداء قريش. وقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) الفتح (٧/ ٤١). = = وأخرج ابن سعد (٣/ ٢٧٠) أخبرنا عبد الله بن نُمير ويعلى ومحمّد ابنا عبيد قالوا: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. قال محمد بن عبيد في حديثه: لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي اهـ. قلنا: وإسناد ابن سعد إسناد صحيح وقد ذكر زيادة عمّا رواه البخاري وهذه الزيادة من طريق محمد بن عبيد والزيادة تقبل من أمثالهم من الثقات. وأخرج الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٨١) عن عبد الله بن مسعود قوله: (إن إسلامه كان نصرًا) وإسناده حسن. وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن كان إسلام عمر لفتحًا وهجرته لنصرًا وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر. فلما أسلم عمر قاتلهم حتى دعونا فصلينا. قال الهيثمي: رواه الطبراني وفي رواية: ما استطعنا أن نصلي عند الكعبة ظاهرين. ورجاله رجال الصحيح إلّا أن القاسم لم يدرك جده ابن مسعود (مجمع الزوائد ٩/ ٦٣). وأخرج الطبراني في الأوسط (١/ ٣٣٤) في حديث طويل قصة وفاة عمر رضي الله عنه بعد طعنه وفيه أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال له: أليس قد دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعز الله بك الدين والمسلمين إذ يخافون بمكة فلما أسلمت كان إسلامك عزًا وظهر بك الإسلام ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وحسّن الهيثمي إسناده (مجمع الزوائد ٩/ ٧٦).