ذكر الخبر عما كان من أمر نبي الله - صلى الله عليه وسلم - عند ابتداء الله تعالى ذكره إياه بإكرامه بإرسال جبريل عليه السلام إليه بوحيه
٣٢ فقرة، ج ٢ ص ١١
- ج ٢ ص ١١
٨ - قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبلُ بعضَ الأخبار الواردة عن أوّل وقت مجيء جبريل نبينا محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - بالوحْي من الله، وكم كان سنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يومئذ؛ ونذكر الآن صفة ابتداء جبريل إياه بالمصير إليه، وظهوره له بتنزيل ربّه.
-
فحدّثني أحمد بن عثمان المعروف بأبي الجوزاء، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدَّثنا أبي، قال: سمعتُ النُّعمان بن راشد، يحدّث عن الزّهريّ، عن عُرْوة، عن عائشة أنها قالت: كان أوّل ما ابتدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوَحْي الرؤيا الصادقة، كانت تجيء مثلَ فَلَق الصبْح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان بغار حراء يتحنَّث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله، فيتزوّد لمثلها؛ حتى فجأه الحقّ، فأتاه، فقال: يا محمّد، أنتَ رسول الله! قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فجثوْتُ لركبتي وأنا قائم، ثمّ زحفتُ ترجُفُ بوادِرِي، ثمّ دخلت على خديجة، فقلت: زمّلوني، زمّلوني! حتى ذهب عني الرَّوْع، ثم أتاني فقال: يا محمّد، أنت رسولُ الله. قال: فلقد هممت أن أطرَح نفسي من حَالِتي من جبل، فتبدَّى لي حين همصت بذلك، فقال: يا محمّد، أنا جبريل، وأنت رسول الله. ثم قال: اقرأ، قلت: ما أقرأ؟ قال: فأخذني فغطَّني ثلاث مرات، حتى بلغ منّي الجهد، ثم قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} فقرأتُ. فأتيتُ خديجة. فقلت: لقد أشفقتُ على نفسي، فأخبرتها خبرِي، فقالت: أبشِرْ، فوالله لا يُخزِيكَ الله أبدًا؛ ووالله إنّك لتَصِلُ الرَّحم، وتصدقُ الحديث، وتؤدّي الأمانة، وتحملُ الكَلَّ وتَقْرِي الضّيف، وتُعين على نوائب الحقّ، ثم انطلقتْ بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد، قالت: اسمع من ابن أخيك، فسألني فأخبرته خبري، فقال: هذا الناموسُ الذي أنزل على موسى بن عمران، ليتني فيها جَذَعٌ! ليتني أكون حيًّا حينَ يخرجُك قومُك! قلت: أمُخْرِجيَّ هم؟ قال: نعم؛ إنه لم يجئ رجُلٌ قطُّ بما جئتَ به إلّا عُودِيَ، ولئن أدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزّرًا (١) .
- (١)إسناده ضعيف، والحديث صحيح ما عدا الزيادة: "ثم كان أول ما نزل عليَّ من القرآن .... {وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى} ". = ولقد أخرجه غير واحد منهم البخاري الذي أخرجه في صحيحه (باب
- ج ٢ ص ١٢
"ثم كان أول ما نزل علي من القرآن بعد " اقرأ " {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ} و {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ}، و {وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) } " (٢: ٢٩٨/ ٢٩٩) .
-
٩ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهْب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حَدّثني عُرْوة، أنّ عائشة أخبرته. ثم ذكر نحوه؛ غير أنه لم يَقُلْ: "ثم كان أوّل ما أنزل عليّ من القرآن" (١) . إلى آخره. (٢: ٢٩٩) .
- (١)بدء الوحي ح ٣، البغا) من طريق عقيل عن ابن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة بها رضي الله عنها مع بعض الاختلاف في الألفاظ وفي رواية البخاري وصف أكثر لورقة بن نوفل (ابن عم خديجة وكان امرأً تنصّر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي فقالت له خديجة: يا بن عم اسمع من ابن أخيك ... إلخ الحديث). وكذلك أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب بدء الوحي رقم (١٦٠) والله أعلم. (١) إسناده صحيح، وهو حديث صحيح كما مر بنا (أخرجه البخاري ومسلم).
-
١٠ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني وهب بن كَيسان مولى آل الزُّبَيْر، قال: سمعتُ عبدَ الله بن الزُّبير، وهو يقول لعُبيد بن عمير بن قَتَادة الليثيّ: حدِّثنا يا عُبَيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من النبوّة حين جاء جبريل عليه السّلام؟ فقال عُبيد -وأنا حاضر يحدّث عبد الله بن الزُّبير ومَنْ عنده من النّاس-: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حراء من كلِّ سنة شهرًا، وكان ذلك مما تحنّثُ به قريش في الجاهلية - والتحنث: التبرّر- وقال أبو طالب:
"وَرَاقٍ لِيَرْقى في حِرَاءَ ونَازِل"
-
فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجاورُ ذلك الشهر من كلّ سنة، يطعم مَنْ جاءه من المساكين، فإذا قَضَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جواره من شهره ذلك، كان أوّل ما يبدأ به -إذا انصرف من جواره- الكعبة قبل أن يدخُل بيته، فيطوف بها سبعًا، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله عَزّ وجلّ فيه
ج ٢ ص ١٣ما أراد من كرامته، من السّنة التي بعثه فيها، وذلك في شهر رمضان، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حِرَاء -كما كان يخرج لجواره- معه أهله؛ حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها، جاءه جبريل بأمر الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فجاءني وأنا نائم بنَمَطٍ من ديباج، فيه كتاب، فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ؟ فغتّني، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ماذا أقرأ؟ وما أقول ذلك إلا افتداءً منه أن يعود إليّ بمثل ما صنع بي؛ قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} إلى قوله: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ، قال: فقرأته، قال: ثم انتهى، ثم انصرفَ عنّي وهببْت من نومي؛ وكأنّما كتب في قلبي كتابًا.
قال: ولم يكن من خَلْق الله أحدٌ أبغضَ إليّ من شاعر أو مجنون؛ كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال: قلت إنّ الأبْعَدَ -يعني نفسه- لشَاعر أو مجنون، لا تحدّث بها عنّي قريش أبدًا! لأعمدنّ إلى حَالِقٍ من الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلنّها فلأستريحنّ.
قال: فخرجت أريد ذلك؛ حتى إذا كنت في وسط من الجبل؛ سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمّد، أنتَ رسول الله، وأنا جبريل، قال: فرفعتُ رأسي إلى السّماء؛ فإذا جبْرئيلُ في صورة رجل صافّ قدميه في أفق السماء، يقول: يا محمّد، أنت رسول الله وأنا جبرئيل. قال: فوقفت أنظرُ إليه، وشغلني ذلك عمّا أردت؛ فما أتقدّم وما أتأخّر، وجعلت أصرفُ وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلتُ واقفًا ما أتقدّم أمامي، ولا أرجع ورائي؛ حتى بعثتْ خديجة رسلَها في طلبي؛ حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني. ثم انصرف عني وانصرفت راجعًا إلى أهلي؛ حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذِها مُضيفًا فقالت: يا أبا القاسم؛ أين كنت؟ فوالله لقد بعثتُ رسلي في طلبك، حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ. قال: قلت لها: إنَّ الأبْعَدَ لشاعر أو مجنون، فقالت: أعيذك بالله من ذلك يا أبا القاسم! ما كان الله ليصنع ذلك بك مع ما أعلم منكَ من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن خلقك، وصلة رحمك! وما ذاك يا بن عمّ! لعلّك رأيت شيئًا؟ قال: فقلت لها: نعم. ثمّ حدّثتُها بالذي رأيت؛ فقالت: أبشرْ يابن عمّ واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمة، ثم قامت فجمعت عليها ثيابها،
ج ٢ ص ١٤ثم انطلقتْ إلى ورقة بن نوفل بن أسد - وهو ابن عمّها، وكان ورقة قد تنصّر وقرأ الكتب، وسمع من أهلِ التوراة والإنجيل- فأخبرته بما أخبرها به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قُدُّوس، قُدُّوس! والذي نفس ورَقَة بيده، لئن كنت صدقتني يا خديجة، لقد جاءه النّاموس الأكبر -يعني بالنّاموس جبْرئيل عليه السّلام الذي كان يأتي موسى- وإنه لنبيّ هذه الأمّة، فقولي له فليثبُتْ. فرجعت خديجة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبرته بقول ورقة، فسهَّل ذلك عليه بعضَ ما هو فيه من الهمّ، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جواره، وانصرف صنع كما كان يصنع؛ وبدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيَه ورقة بن نوفل، وهو يطوفُ بالبيت، فقال: يابن أخي، أخبِرْني بما رأيت أو سمعت، فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبيّ هذه الأمّة، ولقد جاءك النّاموس الأكبر الذي جاء إلى موسى، ولتُكذبنَّهْ ولتؤذينَّهْ، وَلتُخرَجنَّهْ، ولتقاتلنّهْ؛ ولئن أنا أدركتُ ذلك لأنصرنّ الله نصرًا يعلمُه. ثم أدنى رأسَه فقبّل يافُوخه، ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلى منزله (١) . (٢: ٣٠٠/ ٣٠١ / ٣٠٢) .
- (١)إسناده ضعيف ورواه بطوله ابن هشام في سيرته (١/ ٢٩٨ - ٣٠٢). قال ابن إسحاق: وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي - وهذا إسناد مرسل صحيح - وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث. وعبيد هذا ذكر مسلم أنه ولد على عهد النبي. وقال البخاري: رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في التراجم وإذا كان ذلك كذلك فالحديث متصل السند، وكذلك رواه الطيالسي من طريق آخر وهو منقطع لجهالة التابعي الذي رواه عن عائشة (منحة المعبود ٢/ ٨٧). قلنا: والحديث حسن بمجموع طرقه والله أعلم.
-
١١ - حدثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا عثمان بن عمر بن فارس، قال: حَدّثنا عليّ بن المبارك، عن يحيى -يعني ابن أبي كثير- قال: سألتُ أبا سلمة: أيّ القرآن أنزِل أوّل؟ فقال: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} ، فقلت: يقولون: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ! فقال أبو سلمَة: سألتُ جابرَ بن عبد الله: أيُّ القرآن أنزِل أوّل؟ فقال: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} ، فقلت: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ، فقال: لا أخبرك إلّا ما حدَّثنا النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: جاورتُ في حِرَاء، فلما قضيتُ جِواري، هبطتُ فاستبطنت الوادي، فنوديتُ، فنظرتُ عن يميني وعن شمالي، وخلْفي وقُدّامي، فلم أرَ شيئًا، فنظرتُ فوقَ رأسي، فإذا هو جالسٌ عَلَى عرشٍ بين السّماء والأرض، فخشيتُ منه - قال
ج ٢ ص ١٥ابن المثنّى: هكذا قال عثمان بن عمر، وإنما هو "فجُئثت منه" (١) فلقيتُ خديجة، فقلت: دَثِّروني، فدَثّروني، وصبُّوا عليَّ ماءً، وأنزل عليّ: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ} (٢: ٣٠٣ - ٣٠٤) .
- (١)إسناده صحيح وسيأتي الحديث عنه في الرواية التالية.
-
١٢ - حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا وكيع عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كَثير، قال: سألتُ أبا سلَمة عن أوّلِ ما نزل من القرآن، قال: نزلت: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} أوّل، قال: قلت: إنّهم يقولُون: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ خَلَقَ} ، فقال: سألت جابر بن عبد الله، فقال: لا أحدّثك إلا ما حدَّثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: جاورتُ بحراء، فلمَا قضيت جواري، هبطت فسمعت صوتًا، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا وعن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرت أمامي فلم أرَ شيئًا، ونظرت خَلْفي فلم أرَ شيئًا، فرفعت رأسي، فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة، فقلت: دَثِّروني، وصبُّوا عليَّ ماءً، قال: فدثَّرُوني وصبُّوا عليَّ ماء باردًا، فنزلت: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} (٢) . (٢: ٣٠٤) .
- (٢)إسناده صحيح وأخرجه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير به (ح ٤٩٢٢) ومسلم مع اختلاف في اللفظ (ح ١٦١). وهذه الرواية تفيد أن قوله: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} أول ما نزل من القرآن، ويعارضه ظاهرًا الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم والطبري وغيرهم أن قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} هو أول لما نزل من القرآن وهو قول الجمهور كما قال ابن كثير، وقد جمع العلماء بين الروايتين -ومنهم الزركشي- جمعًا حسنًا فقالوا: أول ما نزل من القرآن هو قوله تعالى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} وأول سورة نزلت هي سورة المدثر. وعند الإمام رواية تزيل هذا التعارض الظاهر (المسند ٣/ ٣٢٥) [عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني قاعد على كرسي بين السماء والأرض فَجُئِثْتُ منه فرقًا حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي فقلت لهم زملوني، زملوني، فأنزل الله {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
-
١٣ - حدّثني أحمد بن محمد بن حبيب الطّوسي، قال: حدَّثنا أبو داود الطيالسيّ، قال: أخبرنا جعفر بن عبد الله بن عثمان القُرشيّ، قال: أخبرني عمر بن عروة بن الزبير، قال: سمعتُ عروة بن الزبير يحدِّث عن أبي ذَرّ الغِفَاريّ
ج ٢ ص ١٦قال: قلتُ: يا رسولَ الله، كيف علمتَ أنك نبيّ أوّل ما علمت، حتى علمت ذلك واستيقنت؟ قال: يا أبا ذَرّ، أتاني مَلَكان وأنا ببعض بطْحَاء مكة، فوقع أحدُهما في الأرض والآخر بين السّماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، قال: فزنْه برجُل، فوُزِنْت برجل فرجحتُه، ثم قال: زِنْه بعشرة، فوزنني بعشرة فرجحتهم، ثم قال: زنه بمئة، فوزنني بمئة فرجحتهم. ثم قال: زنه بألف، فوزنني بألف فرجحتهم، فجعلوا ينتثرون على كفّة الميزان، قال: فقال أحدهما للآخر: لو وزنته بأمّته رَجَحها، ثم قال أحدهُما لصاحبه: شُقَّ بطنَه فشقّ بطنِي، ثم قال أحدهما: أخرج قلبَه - أو قال: شقَّ قلبَه- فشقّ قلبي، فأخرج منه مغْمَز الشيطان وعلَقَ الدّم، فطرحها، ثم قال أحدهما للآخر: اغسِلْ بطنه غَسْل الإناء، واغسلْ قلبه غسْل الإناء -أو اغسِلْ قلبه غسل المُلاءة- ثم دعا بالسَّكينة، كأنّها وجه هِرَّة بيضاء فأدخِلَتْ قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خِطْ بطنَه، فخاطا بطنِي، وجعلا الخاتم بين كتِفيّ، فما هو إلا أن ولَّيا عنّي فكأنّما أعاين الأمرَ معاينة (١) . (٢: ٣٠٤/ ٣٠٥) .
- (٣)وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
- (٤)وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}. ثم حمي الوحي وتتابع]. والحديث أخرجه كذلك البخاري في صحيحه (ح ٤٩٢٦) ومسلم (ح / ١٦١).
- (١)لم نجد ترجمة لأحمد بن محمد بن حبيب الطوسي ولا لجعفر بن عبد الله بن عثمان القرشي- ولكن الحديث صحيح فقد أخرج أحمد في المسند (٤/ ١٨٤ - ١٨٥) نحو رواية الطبري هذه من حديث عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه وفيه [فأقبل طيران أبيضان كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم. فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فبطحاني إلى القفا فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه -قال يزيد في حديثه-: ائتني بماء ثلج، فغسلا به جوفي ثم قال: ائتني بماء برد فغسلا به قلبي ثم قال: ائتني بالسكينة فذرّاها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خطه، فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة، فقال أحدهما لصاحبه: أجعله في كفة واجعل ألفًا من أمته في كفة فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخرّ عليَّ بعضهم فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم، ثم انطلقا وتركاني .. إلى آخر الحديث. وفيه زيادة لا توجد في رواية الطبري ا. هـ. وأخرج الدارمي نحوه في المقدمة باب كيف كان أول شأن النبي (ج ١/ ٨) والحاكم في المستدرك (٢/ ٦١٦) والطبراني في الكبير (١٣١/ ١٧) وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي تعليقًا على رواية أحمد: إسناد أحمد حسن (مجمع الزوائد ٨/ ٢٢٢) اهـ. وهو جزء من حديث (أنا دعوة إبراهيم) عند ابن إسحاق مختصرًا بسند مرسل (سيرة ابن هشام ج ١/ ٢٢٠). وفي منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود (٢/ ٨٧ / ح ٢٣١٨): حدثنا أبو داود = = قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرني أبو عمران الجوني عن رجل عن عائشة أن رسول الله اعتكف ... إلى آخر الحديث. وفيه جمع الطيالسي بين شق البطن وغسله وأمر جبريل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بقوله [(اقرأ) وختمه لظهره الشريف] وفي إسناده مجهول كما هو واضح والله أعلم.
- ج ٢ ص ١٧
١٤ - حدَّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا ابن ثَوْر، عن معمَر، عن الزّهريّ، قال: فَتَر الوحيُ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فترةً، فحزن حزنًا شديدًا، جعل يغدو إلى رؤوس شواهق الجبال ليتردّى منها، فكلّما أوْفى بذرْوَة جَبل تبدّى له جبْرئيل، فيقول: إنك نبي الله؛ فيسكن لذلك جأشُهُ، وترجع إليه نفسه، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحدّث عن ذلك، قال: بينا أنا أمشي يومًا، إذ رأيتُ الملَك الذي كان يأتيني بحراءٍ، على كرسيّ بين السّماء والأرض، فجُئثتُ منه رعبًا، فرجعت إلى خديجة، فقلت: زمِّلوني، فزمّلناه -أي دثّرناه، فأنزل الله عزّ وجل:
{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}، قال الزهري: فكان أوّل شيء أنزِل عليه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} حتى بلغ {مَا لَمْ يَعْلَمْ} (١) (٢: ٣٠٥/ ٣٠٦) .
- (١)إسناده معضل ولكن المتن صحيح وقد سبق أن تحدثنا عن الشطر الثاني من متن هذه الرواية ونعني بذلك من قوله (بينا أنا أمشي يومًا إذ رأيت الملك .. إلى آخره). وأخرجه أحمد في المسند (الفتح الرباني ٢٠/ ٢٠٧ - ٢٠٩) من حديث طويل جاء في آخره: [وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدّى له جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن ذلك جأشه وتقر نفسه عليه الصلاة والسلام، فيرجع فإذا طالت عليه وفتر الوحي غدا مثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك) اهـ.
-
١٥ - حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهْب، قال: أخبرَني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرّحمن، أنّ جابر بنَ عبد الله الأنصاريّ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحدّث عن فَتْرة الوحي: بينا أنا أمشي سمعتُ صوتًا من السّماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسًا على كرسيّ بين السّماء والأرض. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فجُئثت منه فَرَقًا، وجئت فقلت: زمّلوني، زمّلوني! فدثّروني، فأنزل الله عزّ وجَلّ: {يَا أَيُّهَا
ج ٢ ص ١٨الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} ، قال: ثم تتابع الوحي (١) . (٢: ٣٠٦) .
- (١)الحديث صحيح، وحديث جابر بن عبد الله الأنصاري هذا أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب بدء الوحي ٤ / ح ٤) ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان باب بدء الوحي ح ١٦١) وغيرهما مع اختلاف يسير في الألفاظ والله أعلم.
-
١٦ - قال أبو جعفر: فلما أمرَ الله عزّ وجلّ نبيه محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - أن يقوم بإنذار قومه عقابَ الله على ما كانوا عليه مقيمين من كفرهم بربّهم وعبادتهم الآلهة والأصنام دون الذي خلقهم ورزقهم؛ وأن يحدّث بنعمة ربه عليه بقوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} ، وذلك -فيما زعم ابن إسحاق- النبوّة.
-
حدثنا ابنُ حُميَد، قال: حدثنا سلمَة، عن ابن إسحاق: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} ، أي ما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوّة فحدّث؛ اذكرها وادعُ إليها. قال: فجعلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر ما أنعم الله عليه وعلى العباد به من النبوّة سرًّا إلى مَنْ يطمئنّ إليه من أهله؛ فكان أوّل مَنْ صدّقه وآمن به واتّبعه من خلْق الله -فيما ذكر- زوجته خديجة رحمها الله (٢) . (٢: ٣٠٦/ ٣٠٧) .
- (٢)إسناده ضعيف وهو حديث صحيح وسنتكلم عن متنه بعد الآتي إن شاء الله.
-
١٧ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: قال الواقدي: أصحابُنَا مجمعون على أنّ أوّلَ أهل القبلة استجاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خديجة بنت خويلد رحمها الله (٣) . (٢: ٣٠٧) .
ج ٢ ص ١٩قال أبو جعفر: ثم اختلف السَّلف فيمن اتّبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآمن به وصدّقه على ما جاء به من عندِ الله من الحقّ بعد زوجته خديجة بنت خويلد، وصلّى معه.
فقال بعضهم: كان أوّل ذَكَرٍ آمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلّى معه وصدّقه بما جاءه من عند الله عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.
- (٣)إسناده ضعيف ومتنه صحيح والآثار الواردة في ذلك كثيرة منها الحسنة والضعيفة والمرفوعة والموقوفة وسنذكر منها ما يفي بالغرض: أ- أخرج أحمد (٦/ ١١٧) عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء قالت: فغرتُ يومًا فقلت: ما أكثر ما تذكُر حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيرًا منها. قال: أبدلني الله خيرًا منها! ! قد آمنت بي إذ كفر الناس ورزقني الله أولادها وحرمني أولاد الناس). وقال الهيثمي في الزوائد عن رواية أحمد هذه: رواه أحمد وإسناده حسن (مجمع الزوائد ٩/ ٢٢٤). ب- أخرج أحمد (١/ ٣٧٣) وابن أبي حاتم (١٣٦) والترمذي (ح ٣٧٣٤) من طريق شعبة وأبي عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس: (كان أول من أسلم من الناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بعد خديجة). وهذا إسناد حسن. = = قلنا: ومعلوم أن السيدة خديجة رضي الله عنها هي أول من سمعت خبر نزول الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن فمه الشريف - صلى الله عليه وسلم - فصدقته وأيدته كما مر بنا في الروايات السابقة في بدء الوحي والله أعلم. وسنعود إلى هذه المسألة بعد روايات قليلة إن شاء الله تعالى.
-
ذكر بعض من قال ذلك ممن حضرنا ذكره
١٨ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا إبراهيم بن المختار، عن شعبة، عن أبي بلَج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال: أوّل مَنْ صلّى عليّ (١) . (٢: ٣٠٩/ ٣١٠) .
- (١)إسناده ضعيف وهو صحيح فله متابعة غير تامة عند أحمد وغيره؛ فقد أخرج أحمد (١/ ٣٧٣) ثنا سليمان بن داود ثنا أبو عوانة عن أبي أبلج عن عمرو بن ميمون. عن ابن عباس قال: أول من صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد خديجة علي. وقال سرة: أسلم. وإسناده حسن. وأخرج الترمذي (ح ٣٧٣٤) عن ابن عباس: قال: أول من صلى علي. وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه من حديث شعبة. وأخرج ابن أبي عاصم في الأوائل (٤٧ / ح ٧٥) أن خديجة أول من أسلم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلي. وإسناده حسن. [حدثنا محمد بن مرزوق ثنا عبد العزيز بن الخطاب ثنا علي بن غراب ثنا يوسف بن صهيب عن ابن بريدة عن أبيه به]. وكذلك أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٥٢) والله أعلم.
-
١٩ - حدَّثنا زكريّاء بن يحيى الضّرير، قال: حدثنا عبد الحميد بن بحر، قال: أخبرنا شريك عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل، عن جابر، قال: بُعث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يوم الإثنين، وصلّى عليّ يوم الثلاثاء (٢) . (٢: ٣١٠) .
- (٢)إسناده ضعيف، ومتنه صحيح فقد أخرجه الحاكم من روايتين الأولى بأطول مما عند الطبري وهي في المستدرك (٣/ ١١٢) عن بريدة ... وفي آخر الحديث: وأوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الإثنين وصلّى عليٌّ يوم الثلاثاء. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح - والرواية الثانية (١/ ١١٢): عن أنس رضي الله عنه: نبئ النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم = = الإثنين وأسلم علي يوم الثلاثاء. وسكت عنه الحاكم وكذا الذهبي.
- ج ٢ ص ٢٠
٢٠ - حدَّثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا محمّد بن جعفر، قال: حدَّثنا شُعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي حمزة، عن زيد بن أرْقم، قال: أوّل مَنْ أسلمَ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليٌّ بن أبي طالب. قال: فذكرتُهُ للنَّخَعِيّ، فأنكره، وقال: أبو بكر أوّلُ مَنْ أسلم (١) . (٢: ٣١٠) .
- (١)إسناده صحيح وقد أخرجه الترمذي (٥ / ح ٣٧٣٥) من طريق شيخ الطبري. أي محمد بن المثنى وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
-
٢١ - حدَّثنا أبو كُريب قال: حدَّثنا وكيع، عن شُعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي حَمْزة مولى الأنصار، عن زيد بن أرقم، قال: أوّلُ مَنْ أسلم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليٌّ بن أبي طالب عليه السّلام (٢) . (٢: ٣١٠) .
- (٢)إسناده صحيح وهو جزء من الحديث الذي سبق ذكره.
-
٢٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا عبيد بن سعيد، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا حمزة (رجلًا من الأنصار) ، يقول: سمعت زيد بن أرقم، يقول: أوّلُ رجل صلّى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليٌّ عليه السّلام (٣) . (٣١٠: ٢) .
- (٣)إسناده صحيح وقد سبق أن ذكرنا رواية أحمد عن ابن عباس: أول من صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد خديجة علي (المسند ح ٣٥٤٢ طبعة شاكر) وصححه العلامة شاكر وأخرج أبو داود الطيالسي في مسنده (ح ٢٧٥٣) من طريق ابن عباس: أول من صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد خديجة علي.
-
٢٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجّاج، قال: كان مِنْ نعمة الله على عليّ بن أبي طالب، وما صنعَ الله له وأراده به من الخير، أنّ قريشًا أصابتْهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيالٍ كثير؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعبّاس عَمّه - وكان من أيسَرِ بني هاشم: يا عبّاس؛ إنّ أخاك أبا طالب كثيرُ العيال، وقد أصاب النّاس ما تَرى من هذه الأزْمة، فانطلِقْ بنا فلنخفِّف عنه من عياله؛ آخذ من بنيه رجلًا، وتأخذ من بنيه رجلًا، فنكفّهما عنه. قال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا: إنّا نريد أن نخفّف
ج ٢ ص ٢١عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عَقيلًا فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليًّا فضمّه إليه، وأخذ العباس جعفرًا فضمّه إليه، فلم يزل عليّ بن أبي طالب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بعثَه الله نبيًّا، فاتّبعه عليّ فآمن به وصدّقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه (١) . (٢: ٣١٣) .
- (١)إسناده ضعيف ومتنه صحيح فقد أخرجه ابن هشام في السيرة (١/ ٣١٢) قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر بن أبي الحجاج قال: كان نعمة الله على عليّ بن أبي طالب ... إلى آخره.
-
٢٤ - حدثني ابنُ عبد الرحيم البَرْقيّ، قال: حدَّثنا عمرو بن أبي سَلمة، قال: حدَّثنا صدقَة، عن نصر بن علقمة، عن أخيه، عن ابن عائذ، عن جبير بن نفير، قال: كان أبو ذرّ وابن عَبَسة كلاهما يقول: لقد رأيتُني رُبْع الإسلام، ولم يُسْلِم قَبْلِي إلا النبيّ وأبو بكر وبلال، كلاهما لا يدري متَى أسلم الآخر (٢) . (٢: ٣١٥) .
- (٢)وهذا إسناد حسن فقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث. إسناده ضعيف والحديث صحيح. والحديث أخرجه الحاكم والطبراني ومسلم إضافة إلى الطبراني في تأريخه وأحمد في المسند وكذلك الحافظ المزي في تهذيب الكمال ولكن اختلفوا في تعيين الصحابي الذي هو رابع أربعة وكما سنبين: ١ - أخرج أحمد في مسنده (٤/ ١١٢) حديثًا طويلًا وفيه قال أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة -صاحب عقل الصدقة رجل من بني سليم- بأي شيء تدعي أنك رابع الإسلام ... الحديث. ٢ - أخرج الحاكم (٣/ ٣٤١) من طريق عمرو بن أبي سلمة قال: حدثنا صدقة عن نصر بن علقمة عن أخيه عن ابن عائذ عن جبير بن نفير قال: كان أبو ذر يقول: لقد رأيتني ربع الإسلام لم يسلم قبلي إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وبلال. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. أي أن الطبري (الذي روى هذا الحديث في تأريخه بنفس إسناد الحاكم ولكن من طريق شيخه ابن عبد الرحيم البرقي) زاد اسم عمرو بن عبسة. ٣ - أخرج الطبراني (٢ / ح ١٦١٨) رواية الحاكم الآنفة الذكر ولم يذكر فيها اسم عمرو بن عبسة. (من طريق عبد الله بن سعيد بن أبي مريم ثنا عمرو بن أبي سلمة به). ٤ - وأخرج مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين (٥٢) باب إسلام عمرو بن عبسة السلمي حديثًا طويلًا وفيه: عن أبي أمامة قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان فسمعت = = برجل بمكة ... الحديث. وفيه أيضًا قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد (قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به) فقلت: إني متبعك ... إلى آخر الحديث. ٥ - وأخرج الحافظ المزي نحوًا من رواية مسلم ولكن بسند عالٍ مع اختلاف في بعض الألفاظ وفيه قال أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة صاحب العَقل عقل الصدقة بأي شيء تدعي أنك رابع الإسلام؟ ! .
- ج ٢ ص ٢٢
٢٥ - حدَّثنا أبو كُريَب، قال: حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا شُعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: قال إبراهيم النَّخعيّ: أبو بكر أوّل مَنْ أَسلم (١) . (٢: ٣١٥) .
- (١)إسناده مرسل صحيح.
-
٢٦ - وأما ابن إسحاق، فإنه قال في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عنه: ثم أسلمَ زيد بن حارثة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان أوّل ذَكَرٍ أسلم، وصلّى بعد علي بن أبي طالب، ثم أسلم أبو بكر بن أبي قُحافة الصدّيق، فلما أسلم أظهر إسلامَه، ودعا إلى الله عزَّ وجلَّ وإلى رسوله. قال: وكان أبو بكر رجلًا مألفًا لقومه، محببًا سهلًا، وكان أنسَب قريش لقريش، وأعلم قريش بها، وبما كان فيها من خير أو شرّ، وكان رجلًا تاجرًا ذا خُلق ومعروفٍ، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجاربِهِ وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام مَنْ وثِق به من قومِه ممّن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه -فيما بلغني-: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استجابوا له، فأسلموا وصلَّوْا، فكان هؤلاء الثمانية، النّفر الذين سبقوا إلى الإسلام، فصلَّوْا وصدّقُوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا بما جاء به من عند الله؛ ثم تتابع الناسُ في الدخول في الإسلام؛ الرجال منهم والنساء؛ حتى فشا ذِكْرُ الإسلام بمكّة وتحدّث به الناس (٢) . (٢: ٣١٦/ ٣١٧) .
- (٢)إسناده ضعيف وقد أخرجه ابن إسحاق منقطعًا مفرقًا بين رواية إسلام زيد بن حارثة ورواية إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ورواية ثالثة بعنوان (ذكر من أسلم من الصحابة بدعوة أبي بكر رضي الله عنهما (سيرة ابن هشام ١/ ٣١٤ - ٣١٨) وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٧٤): وبسنده عن ابن عباس قال: أسلم زيد بن حارثة بعد علي فكان أول من أسلم بعده. وللأستاذ الفاضل أكرم ضياء العمري (وهو من المؤرخين المعاصرين للتأريخ الإسلامي) رأي = = جدير بالذكر في سبب الاختلاف في تحديد أسماء من أسلموا بادئ ذي بدء بعد خديجة رضي الله عنها فيقول: ويبدو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخبره بأسماء سائر من أسلم وإنما سمّى أبا بكر وبلالًا فقط حرصًا على سلامة من أسلم من الأذى وربما لأنه إنما أسلم بعد إجابة سؤاله عمن أسلم يومئذ، وتعبير عمرو بن عبسة: (فلقد رأيتني إذ ذاك ربع الإسلام) إنما هو بحسب ما بدا له وإلّا فقد كان عدد المسلمين أكثر من ذلك في المرحلة التي أظهرت فيها قريش جرأتها على الإسلام وأذاها للمسلمين كما يدل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (ألا ترى حالي وحال الناس! ).
- ج ٢ ص ٢٣
٢٧ - ثم إنّ الله عزّ وجل أمر نبيّه محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدِع بما جاءه منه، وأن يبادِيَ الناسَ بأمره، ويدعوَ إليه، فقال له: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} وكان قبل ذلك - في السّنين الثلاث من مبعثه؛ إلى أن أمر بإظهار الدّعاء إلى الله - مستسرًّا مخفيًا أمره - صلى الله عليه وسلم -، وأنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ}، قال: وكان أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلَّوْا ذهبوا إلى الشِّعاب، فاستخفوْا من قومهم؛ فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلُّون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون؛ حتى قاتلوهم، فاقتتلوا، فضرب سعد بن أبي وقّاص يومئذ رجلًا من المشركين بلَحْيِ جملٍ فشجّه، فكان أوّلَ دم أهَرِيق في الإسلام.
-
فحدّثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سَعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس، قال: صعِد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم الصَّفَا، فقال: يا صَبَاحاه! فاجتمعتْ إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ قال: أرأيتكم إنْ أخبرتكم أنّ العدوّ مصبّحكم أو ممسِّيكم، أما كنتم تصدّقونني؟ ! قالوا: بَلى؟ قال: فإني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد. فقال أبو لهب: تبًّا لك! ألهذا دعوتنا - أو جمعتنا! فأنزل الله عزّ وجلّ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} (١) إلى آخر السورة. (٢: ٣١٨/ ٣١٩) .
- (١)رجاله رجال الصحيح غير أن الأعمش مدلس وقد عنعن هنا إلا أنه صرّح بالتحديث كما سيأتي في الرواية التالية.
-
٢٨ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لما نزلتْ هذه الآية: {وَأَنْذِرْ
ج ٢ ص ٢٤عَشِيَرتَكَ الأقَرَبِينَ}، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعِد الصّفا، فهتف: يا صباحاه! فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمّد، فقال: يا بني فلان، يا بني عبد المطَلب، يا بني عبد مناف! فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتُكم أنّ خيلًا تخرج بسفْح هذا الجَبَل، أكنتم مصَدِّقيَّ؟ قالوا: ما جرّبنا عليك كذبًا، قال: فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد. فقال أبو لهب: تبًّا لك! ما جمعتنا إلّا لهذا! ثم قام، فنزلت هذه السورة: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} إلى آخر السورة (١) . (٣١٩: ٢) .
- (١)رجاله رجال الصحيح والحديث أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب التفسير] باب (وأنذر عشيرتك الأقربين) (ح ٤٧٧٠) (الفتح ٨/ ٥٠١)، ]. من طريق الأعمش: حدثني عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين) صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش. فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقي؟ قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إلّا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا. فنزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}. اهـ. والحديث أخرجه البخاري في مواضع أخرى ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} / ٢٠٥.
-
٢٩ - فحدّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لما نزلتْ هذه الآية على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأبطحِ، ثم قال: يا بني عبد المطّلب، يا بني عند مناف، يا بني قصيّ - قال: ثم فخَذ قريشًا قبيلة قبيلة، حتى مرّ على آخرهم - إني أدعوكم إلى الله وأنذركم عذابه (٢) . (٣٢٢: ٢) .
- (٢)إسناده ضعيف والحديث صحيح كما مرّ بنا. - مسألة استخدام قريش لأسلوب المفاوضات مع أبي طالب عسى أن يكف عن مناصرة ابن أخيه عليه أفضل الصلاة والسلام: ذكر الطبري ثلاث روايات ضعيفة الإسناد (٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٥) ولكن المعنى الذي من أجله سرد الطبري هذه الروايات صحيح فقد أخرج الحاكم (٣/ ٥٧٧) من طريق موسى بن = = طلحة أخبرني عقيل بن أبي طالب قال: (جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا ومجلسنا فانهه عن أذانا. فقال لي: يا عقيل ائت محمدًا. قال فانطلقت إليه فأخرجته - قال طلحة: بنت صغيرة - فجاء في الظهر من شدة الحر فجعل يطلب الفيء يمشي فيه من شدة حر الرمضاء فأتياهم. فقال أبو طالب: إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مجلسهم فانته عن ذلك. فحلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببصره إلى السماء فقال: ترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم. قال: ما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تشعلوا منها شعلة. فقال أبو طالب: ما كذبنا ابن أخي قط فارجعوا) - وسكت عنه الحاكم وكذا الذهبي وصححه الألباني من المعاصرين (السلسلة الصحيحة ١/ ١٤٧) وكذلك رواه الطبراني في الكبير وأبو يعلى. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٥): ورجال أبي يعلى رجال الصحيح وصححه ابن حجر بإسناد أبي يعلى من حديث عقيل بن أبي طالب (المطالب العالية المسانيد الثمانية ٤ / ح ٣٢٧٨).
- ج ٢ ص ٢٥
٣٠ - حدَّثنا علي بن نصر بن علي الجهضميّ، وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث - قال علي بن نصر: حدَّثنا عبدُ الصّمد بن عبد الوارث، وقال عبدُ الوارث: حدّثني أبي- قال: حدَّثنا أبان العطّار، قال: حدَّثنا هشام بن عُروة، عن عُروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فإنّه -يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمّا دعا قومه لمَا بعثه الله من الهُدى والنور الذي أنزل عليه، لم يبعُدوا منه أوّل ما دعاهم، وكادوا يسمعون له؛ حتى ذكر طواغيتَهم. وقدم ناس من الطائف من قُريش لهم أموال، أنكروا ذلك عليه، واشتدُّوا عليه، وكرهوا ما قال [لهم] ، وأغرَوْا به مَنْ أطاعهم، فانصفق عنه عامّةُ الناس، فتركوه إلّا من حفظه الله منهم؛ وهم قليل؛ فمكث بذلك ما قدّر الله أن يمكث. ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتِنوا مَنْ تبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال على مَن اتَّبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل الإسلام؛ فافتتن مَن افتتن، وعَصَم الله منهم مَنْ شاء؛ فلمّا فعل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخرجُوا إلى أرض الحبَشة - وكان بالحبشة مَلِكٌ صالح يقال له النجاشيّ، لا يُظلَم أحدٌ بأرضه، وكان يُثْنَى عليه مع ذلك صلاح، وكانت أرض الحبشة مَتْجرًا لقريش يتّجرون فيها، يجدون فيها رَفاغًا من الرزق، وأمنًا ومتجرًا حسنًا - فأمرهم بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذهب إليها عامّتهم لما قهِروا بمكّة، وخاف
ج ٢ ص ٢٦عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبْرح، فمكث بذلك سنوات؛ يشتدّون على مَنْ أسلم منهم.
-
ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم (١) . (٢: ٣٢٩/ ٣٢٨) .
قال أبو جعفر: فاختُلف في عدد مَنْ خَرَج إلى أرض الحبَشة، وهاجر إليها هذه الهجرة، وهي الهجْرة الأولى.
فقال بعضهم: كانوا أحدَ عشرَ رجلًا وأرْبَعَ نسوة (٢) . (٢: ٣٢٩) .
- (١)إسناده مرسل وهو صحيح بشواهده كما سيأتي وهذه هي الهجرة الأولى وهي ثابتة في السيرة وقد بوّب لها البخاري في صحيحه. وسيتحدث عنها الطبري بالتفصيل في الروايات اللاحقة (راجع الضعيفة ح ٤١ - ٤٢ - ٤٣).
- (٢)قلنا: لم يرد حديث صحيح فيه أسماء الصحابة الذين ذكرهم الطبري في رواياته مجموعين ولكن وردت روايات صحيحة بذكر بعض من أسمائهم متفرقًا كما سنبين ذلك في الروايات الآتية ذكرها وقد بينا في قسم الضعيف من السيرة أن الروايات (٤١، ٤٢، ٤٣) ضعيفة ولكن معناها في الهجرة إلى الحبشة صحيحة مع بعض تفاصيلها. ١ - قال الذهبي في تأريخ الإسلام (السيرة النبوية ١٨٣) قال يعقوب العنسوي في تأريخه (حدثني العباس بن عبد العظيم حدثني بشار بن موسى الخفاف ثنا الحسن بن زياد البرجميّ - إمام مسجد محمد بن واسع ثنا قتادة قال: أول من هاجر إلى الله تعالى بأهله عثمان بن عفان. سمعت النضر بن أنس يقول: سمعت أبا حمزة يعني أنس بن مالك يقول: خرج عثمان برقيّة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الحبشة فأبطأ خبرهم فقدمت امرأة من قريش فقالت: يا محمد قد رأيت خَتَنَك ومعه امرأته. فقال: (على أي حال رأيتهما)؟ قالت: رأيته حمل امرأته على حمار من هذه الدبابة وهو يسوقها. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: صحبهما الله، إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط) قلنا: وهذه الرواية في المطبوع من التأريخ والمعرفة (٣/ ٢٥٥). ولقد أشار ابن حجر في الفتح (٧/ ١٨٨) باب الهجرة إلى الحبشة. فقال: وأخرج يعقوب بن سفيان بسند موصول إلى أنس قال: (أبطأ على رسول الله). ٢ - ثم قال الذهبي بعد هذه الرواية: ورواه يحيى بن أبي طالب عن بشار، عن عبد الله بن إدريس ثنا ابن إسحاق حدثني الزهري عن أبي بكرة بن عبد الرحمن وعروة وعبد الله بن أبي بكر وصلت الحديث عن أبي بكر عن أم سلمة. قالت: لما أُمرنا بالخروج إلى الحبشة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رأى ما يصيبنا من البلاء: (الحقوا بأرض الحبشة فإنّ بها ملكًا لا يُظْلَمُ عنده أحد فأقيموا ببلاده حتى يجعل الله لكم مخرجًا مما أنتم فيه. فقدمنا عليه فاطمأننا في بلاده). = = ٣ - ثم قال الذهبي / ١٨٤: قال البغوي في تاسع (المُخلصيات) وروى ابن عون عن عمير بن إسحاق عن عمرو بن العاص بعض هذا الحديث. ٤ - ولقد أخرج ابن إسحاق حديث الهجرة الأولى إلى الحبشة بدون سند (سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٧) وذكر ابن إسحاق أسماء من هاجروا في الأولى بدون إسناد كذلك (١/ ٣٩٨). ٥ - أخرج الحاكم (٢/ ٣٠٩) من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ننطلق إلى أرض النجاشي ... الحديث. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقد سها فضيلة الشيخ الطرهوني عند إشارته لرواية الحاكم هذه فقال: وسكت الذهبي (صحيح السيرة ٢/ ٥٤٥). ٦ - وأما حديث عبد الله بن مسعود قال: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلًا. فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر وعبد الله بن عرفطة وعثمان بن مظغون وأبو موسى. فأتوا النجاشي وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية ... الحديث) فقد قال الهيثمي في المجمع (٦/ ٢٤): رواه الطبراني وفيه حديج بن معاوية وثقه أبو حاتم وقال: في بعض حديثه ضعف وضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات. ٧ - وأخرجه أحمد (١/ ٤٦١) من طريق حسن بن موسى قال: سمعت حديجًا أخا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلًا ... الحديث وقال الحافظ ابن كثير تعقيبًا على رواية الإمام أحمد: هذا إسناد جيد قوي وسياق حسن (السيرة ٢/ ١١)، (البداية والنهاية ٥/ ٩٦). ٨ - عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه ليلى قالت: كان عمر بن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة أتى عمر بن الخطاب وأنا على بعيري وأنا أريد أن أتوجه. فقال: أين يا أم عبد الله. فقلت: آذيتمونا في ديننا فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذى فقال: صحبكم الله. ثم ذهب فجاء زوجي عامر بن ربيعة فأخبرته بما رأيت من رقة عمر فقال: ترجين أن يسلم والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب. قال الهيثمي: رواه الطبراني وقد صرّح ابن إسحاق بالسماع فهو صحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٢٤). ٩ - حديث الهجرة الطويل من رواية أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير الجار. النجاشي آمنّا على ديننا وعبدنا الله وحده لا نؤذى ... الحديث الطويل أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ١١٥) وابن إسحاق (سيرة ابن هشام ١/ ٣٤٤) وأحمد (١/ ٢٠١ - ٢٠٤) وعقب الهيثمي على رواية أحمد في مجمع الزوائد (٦/ ٢٧) قائلًا: ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرّح بالسماع فالحديث بهذا صحيح. اهـ. = = ١٦ - أخرج النسائي في التفسير (١/ ٤٤٣ / ح ١٦٨) أن عمرو بن علي بن مقدِّم قال: سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} وإسناده صحيح وإن كان فيه عمر بن علي بن عطاء (مدلس) ولكنه صرّح بالتحديث هنا والله أعلم.
- ج ٢ ص ٢٧
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٢ ص ٢٨
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = قلنا: وإسناد أحمد كالآتي: ثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب عن أبي بكر. ١٠ - أما عن أسمائهم فقد أخرج ابن سعد في طبقاته (١/ ٢٠٤) قال أحبرنا محمد بن عمر قال حدثني يونس بن محمد عن أبيه قال: وحدثني عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن يحيى بن حيّان قال: تسمية الرجال والنساء: (عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، ومصعب بن عمير بن هاشم بن عبد المناف بن عبد الدار، وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن مخزوم معه امرأته أم سلمة بنت أمية بن المغيرة. وعثمان بن مظعون الجمحي وعامر بن ربيعة العنزي حليف بني عدي بن كعب معه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة، وأبو سبرة بن أبي رُهم بن عبد العزّى العامري، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس وسهيل بن بيضاء من بني الحارث بن فهر وعبد الله بن مسعود حليف بني زهرة). وهذا إسناد ضعيف وعليه اعتمد الطبري في تأريخه (٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠) فرواه من طريق شيخه الحارث عن محمد بن سعد به فإسناد الطبري ضعيف أيضًا. ١١ - وقد طوّل ابن إسحاق في ذكر أسماء من شارك في الهجرة الأولى واستغرقت الصفحات (٣٩٨) إلى (٤٠٨) في سيرة ابن هشام الجزء الأول إذ يقول في الصفحة (٤٠٨): فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارًا وولدوا بها ثلاثة وثمانين رجلًا إن كان عمّار بن ياسر فيهم وهو يشك فيه اهـ. قلنا: وقد ذكر ابن إسحاق هذه الأسماء بلاغًا. ١٢ - وأشار ابن حجر في الفتح إلى ذكر أسمائهم (٧/ ١٨٨) فقال: وقد سرد ابن إسحاق أسماءهم فأما الرجال فهم: عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وأبو حذيفة بن عتبة ومصعب بن عمير وأبو سلمة بن عبد الأسد وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وسهيل بن بيضاء وأبو سبرة بن أبي رهم العامري. قال: ويقال بدله حاطب بن عمرو العامري. قال: فهؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى الحبشة. قال ابن هشام: وبلغني أنه كان عليهم عثمان بن مظعون. وأما النسوة فهن: رقية بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - وسهلة بنت سهل امرأة أبي حذيفة، وأم سلمة بنت أبي أمية امرأة أبي سلمة وليلى بنت أبي حثمة امرأة عامر بن ربيعة. ثم قال ابن حجر: ووافقه الواقدي في سردهن وزاد اثنين عبد الله بن مسعود وحاطب بن عمرو مع أنه ذكر في أول كلامه أنهم كانوا أحد عشر رجلًا فالصواب ما قاله ابن إسحاق أنه اختلف في الحادي عشر هل هو أبو سبرة أو حاطب، وأما ابن مسعود (والكلام لابن حجر) فجزم ابن إسحاق بأنه إنما كان في الهجرة الثانية ويؤيده ما رواه أحمد بسند حسن عن ابن مسعود =
- ج ٢ ص ٢٩
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = قال: (بعثنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلًا فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن عرفطة وعثمان بن مظعون وأبو موسى الأشعري). فذكر الحديث. قلنا: حديث أحمد هذا في المسند (١/ ٤٦١) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٩٨) ثم قال ابن حجر: وقد استشكل ذكر أبي موسى فيهم لأن المذكور في الصحيح أن أبا موسى خرج من بلاده هو وجماعة قاصدًا النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة فألقتهم السفينة بأرض الحبشة فحضروا مع جعفر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بخيبر، ويمكن الجمع بأن يكون أبو موسى هاجر أولًا إلى مكة فأسلم فبعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - مع من بعث إلى الحبشة، فتوجه إلى بلاد قومه وهم مقابل الحبشة من الجانب الشرقي فلما تحقق استقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالمدينة هاجر هو ومن أسلم من قومه إلى المدينة فألقتهم السفينة لأجل هيجان الريح إلى الحبشة فهذا محتمل وفيه جمع بين الأخبار فليعتمد. اهـ. (الفتح ٧/ ١٨٩). ١٣ - أخرج البخاري في صحيحه (كتاب مناقب الأنصار -باب هجرة الحبشة ح ٣٨٧٦) عن أبي موسى رضي الله عنه (بلغنا مخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن باليمن فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافَقْنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا، فوافقنا النبي - صلى الله عليه وسلم - حين افتتح خيبر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان". ١٤ - أخرج البخاري في صحيحه (ح ٣٨٧٣) عن عائشة رضي الله عنها: (أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تيك الصور، أولئك شرار الناس عند الله يوم القيامة). ١٥ - أخرج الطبري في التفسير (١٠ / ح ١٢٣١٧) حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة خاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة ... إلخ) وفي إسناده المثنى بن إبراهيم الأملي لم نجد له ترجمة. وأخرج ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية (٤/ ٦٦٧٧) ثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي فلما دخلوا عليه قال ... إلخ). ورجال إسناده ثقات إلّا أن بين علي وابن عباس انقطاعًا وإن كان بعضهم لا يعتبر ذلك علة قادحة كالذهبي وابن حجر والسيوطي وأثنى عليه أحمد (أما من المعاصرين فقد اعتبره الألباني ضعيفًا إلّا أنه يصلح للشواهد عنده) وله شاهد كما سيأتي لاحقًا في .....