القول في الدلالة على أن الله عز وجل القديم الأول قبل كل شيء وأنه هو المحدث كل شيء بقدرته تعالى ذكره
١٠ فقرات، ج ١ ص ١٦٨
- ج ١ ص ١٦٨
فمن الدلالة على ذلك أنه لا شيء في العالم مشاهَد إلا جسم أو قائم بجسم، وأنه لا جسمَ إلا مفترِق أو مجتمع، وأنه لا مفترِق منه إلا وهو موهوم فيه الائتلاف إلى غيره من أشكاله، ولا مجتمعَ منه إلا وهو موهوم فيه الافتراق، وأنه متى عُدِم أحدهما عدم الآخر معه، وأنه إذا اجتمع الجزءان منه بعد الافتراق، فمعلوم أن اجتماعهما حادث فيهما بعد أن لم يكن، وأنَّ الافتراقَ إذا حدث فيهما بعد الاجتماع، فمعلوم أن الافتراق فيهما حادث بعد أن لم يكن.
-
وإذا كانَ الأمر فيما في العالم من شيء كذلك، وكان حكم ما لم يُشاهد وما هو من جنس ما شاهدنا في معنى جسم أو قائم بجسم، وكان ما لم يخلُ من الحدث لا شك أنه محدَث بتأليف مؤلّف له إن كان مجتمعًا، وتفريق مفرّق له إن كان مفترقًا. وكان معلومًا بذلك أن جامع ذلك إن كان مجتمعًا، ومفرّقه إن كان مفترقًا منْ لا يشبهه، ومن لا يجوز عليه الاجتماع والافتراق، وهو الواحد القادر الجامع بين المختلفات، الذي لا يشبهه شيء، وهو علي كل شيء قدير فبيِّنٌ بما وصفنا أن باريء الأشياء ومحدثها كان قبل كل شيء، وأن الليل والنهار والزمان والساعات محدثات، وأن محدثها الذي يُدبرها ويُصَرّفها قبلها، إذْ كان من المحال أن يكون شيء يُحدث شيئًا إلا ومحدثه قبله، وأن في قوله تعالى ذكره: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيفَ سُطِحَتْ (٢٠) }، لأبلغُ الحجج، وأدلُّ الدلائل -لمن فكَّر بعقل، واعتبر بفهم- على قِدَم بارئها، وحدوث كل ما جانسها، وأنّ لها خالقًا لا يشبهها.
-
وذلك أن كلّ ما ذكر ربنا تبارك وتعالى في هذه الآية من الجبال والأرض والإبل فإنّ ابنَ آدم يعالجه ويدبّره بتحويل وتصريف وحفر ونحت وهدم، غيرَ ممتنع عليه شيء من ذلك. ثم إنَّ ابن آدم مع ذلك غير قادر علي إيجاد شيء من ذلك من غير أصل؛ فمعلوم أن العاجز عن إيجاد ذلك لم يحدث نفسَه، وأن الذي هو غير ممتنع ممن أراد تصريفه وتقليبه لم يوجده مَن هو مثله، ولا هو أوجدَ
ج ١ ص ١٦٩نفسه، وأن الذي أنشأه وأوجد عينه هو الذي لا يُعجزه شيء أراده، ولا يمتنع عليه إحداث شيء شاء إحداثه، وهو الله الواحد القهار.
-
فإن قال قائل: فما تنكر أن تكون الأشياء التي ذكرت من فِعل قديمين؟
-
قيل: أنكرنا ذلك لوجود اتصال التدبير وتمام الخلق، فقلنا: لو كان المدبِّر اثنين، لم يخلُوَا من اتفاق أو اختلاف؛ فإن كانا متفقين فمعناهما واحد، وإنما جعل الواحدَ اثنين من قال بالاثنين. وإن كانا مختلفين كان محالًا وجودُ الخلق على التمام والتدبير علي الاتصال؛ لأن المختلفين، فعلُ كلّ واحد منهما خلافُ فعل صاحبه؛ بأنّ أحدَهما إذا أحيا أمات الآخر، وإذا أوجد أحدُهما أفني الآخر، فكان محالًا وجودُ شيء من الخلق علي ما وُجد عليه من التمام والاتصال. وفي قول الله عزَّ وجلَّ ذكره: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) }، وقوله عزَّ وجلَّ {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أبلغُ حجة، وأوجز بيان، وأدلّ دليل على بُطول ما قاله المبطلون من أهل الشرك بالله، وذلك أن السموات والأرض لو كان فيهما إله غير الله، لم يخلُ أمرهما مما وصفت من اتفاق واختلاف. وفي القول باتفاقهما فساد القول بالتثنية، وإقرار بالتوحيد، وإحالةٌ في الكلام بأن قائلَه سمَّي الواحد اثنين. وفي القول باختلافهما، القول بفساد السموات والأرض، كما قال ربنا جلّ وعزّ: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} لأن أحدَهما كان إذا أحدث شيئًا وخلقه كان من شأن الآخر إعدامه وإبطاله؛ وذلك أن كل مختلفين فأفعالُهما مختلفة، كالنار التي تسخِّن، والثلج الذي يبرِّد ما أسخنته النار.
-
وأخرى، أن ذلك لو كان كما قاله المشركون بالله لم يخلُ كلّ واحد من الاثنين اللذين أثبتوهما قديمين من أن يكونا قويين أو عاجزين؛ فإن كانا عاجزين فالعاجزُ مقهور وغير كائن إلهًا. وإن كانا قويين فإنّ كلّ واحد منهما بعجزه عن صاحبه عاجز، والعاجز لا يكون إلهًا. وإن كان كلّ واحد منهما قويًّا علي صاحبه؛ فهو بقوة صاحبه عليه عاجز، تعالى ذكرُه عما يشرك المشركون!
-
فَتبيَّن إذًا أن القديمَ باريء الأشياء وصانعها هو الواحد الذي كان قبل كلّ شيء، وهو الكائن بعد كلِّ شيء، والأول قبل كلّ شيء، والآخر بعد كلّ
ج ١ ص ١٧٠شيء، وأنه كان ولا وقتَ ولا زمان، ولا ليلَ ولا نهار، ولا ظلمة ولا نور، إلا نور وجهه الكريم. ولا سماء ولا أرض، ولا شمس ولا قمر ولا نجوم، وأن كل شيء سواه محدَث مدبَّر مصنوع، انفرد بخلق جميعه بغير شريك ولا مُعين ولا ظهير، سبحانه من قادر قاهر! (١) (١: ٢٨/ ٢٩ / ٣٠) .
- (١)صحيح.
-
وقد حدثني علي بن سهل الرمليّ، قال: حدثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن جعفر، عن يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنكم تُسألون بعدي عن كلِّ شيء، حتى يقول القائل: هذا الله خلق كلَّ شيء فمن ذا خلقه! " (٢) . (١: ٣٠/ ٣١) .
- (٢)رجال هذا الإسناد ثقات وجعفر هو ابن برقان وإن كان مضطرب الحديث عن الزهري إلَّا أنه ثقة في غيره وإسناده صحيح والحديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة. فقد أخرج البخاري في صحيحه / كتاب بدء الخلق / (ح ٣٢٧٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته". وأخرجه مسلم بروايات عدة منها (٢١٦/ ١٣٥) من طريق جعفر بن زبرقان حدثنا يزيد الأصم قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليسألنكم الناس عن كل شيء حتى يقولوا: الله خلق كل شيء فمن خلقه؟ ".
-
حدثني عليّ، حدثنا زيد، عن جعفر، قال: قال يزيد بن الأصمّ: حدَّثني نَجَبة بن صَبِيغ، قال: كنت عند أبي هريرة فسألوه عن هذا فكبّر وقال: ما حدَّثني خليلي بشيء إلا قد رأيته أوْ أنا أنتظره. قال جعفر: فبلغني أنه قال: إذا سألكم الناس عن هذا فقولوا: الله خالق كلّ شيء، والله كان قبل كلّ شيء، والله كائن بعد كلّ شيء (٣) . (١: ٣١) .
- (٣)هذا إسناد موقوف علي أبي هريرة ونجبة بن صبيغ ترجم له ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، إلَّا أن البخاري أخرجه بصيغة أخرى دون شطره الأخير. فقد أخرج من طريق زهير بن حرب ويعقوب الدورقي قالا: حدثنا إسماعيل وهو ابن علية عن أيوب عن محمد قال: قال أبو هريرة: (لا يزال الناس) بمثل حديث عبد الوارث غير أنه لم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإسناد ولكن قال في آخر الحديث: صدق الله ورسوله. (٢١٥/ ١٣٥). وحدثني عبد الله بن الرومي حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة وهو ابن عمار حدثنا = = يحيى، حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزالون يسألونك يا أبا هريرة حتى يقولوا هذا الله، فمن خلق الله؟ قال: فينا أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الأعراب فقالوا: يا أبا هريرة هذا الله، فمن خلق الله؟ قال: فأخذ حصي بكفه فرماهم، ثم قال: قوموا، قوموا، صدق خليلي. (صحيح مسلم / كتاب الإيمان ٢١٥/ ١٣٥).
- ج ١ ص ١٧١
فإذا كان معلومًا أن خالقَ الأشياء وبارئها كان ولا شيء غيره، وأنه أحدَث الأشياء فدبَّرها، وأنه قد خلق صنوفًا من خلقه قبل خلق الأزمنة والأوقات، وقبل خلق الشمس والقمر اللذين يُجريهما في أفلاكهما، وبهما عُرِفت الأوقات والساعات، وأرِّخت التأريخات، وفصل بين الليل والنهار، فلْنقل: فيمَ ذلك الخلق الذي خُلِق قبل ذلك؟ وما كان أوله (١) ؟ (١: ٣٢) .
- (١)صحيح.