القول في ابتداء الخلق ما كان أوله
١٧ فقرة، ج ١ ص ١٧١
- ج ١ ص ١٧١
صحّ الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح -وحدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلانيّ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح- عن أيوب بن زياد، قال: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: أخبرني أبي، قال: قال أبي عبادة بن الصامت: يا بنيّ سمعت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتبْ، فجري في تلك الساعة بما هو كائن" (٢) . (٣٢: ١) .
- (٢)حديث عبادة هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود مرفوعًا ولفظه: إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب قال ربّ وماذا أكتب قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة. يا بني إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من مات علي غير هذا فليس مني. والحديث أخرجه أحمد من حديث عبادة (المسند / ح ٢٢٧٦٨). والبيهقي (١٠/ ٢٠٤ / ح ٢٠٨٧٥) ولفظه كلفظ أبي داود، وأبو يعلى عن ابن عباس (٢٣٢٩). وقال الهيثمي: رجال أبي يعلى ثقات (٧/ ١٩٠) وانظر الحديث الآتي.
-
حدثني أحمد بن محمد بن حبيب، قال: حدثنا عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا رباح بن زيد، عن عمر بن
ج ١ ص ١٧٢حبيب، عن القاسم بن أبي بزَّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يحدّث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أوَّل شيء خلق الله القلم، وأمره أن يكتب كلّ شيء" . (١) . (٣٢: ١)
- (١)حديث صحيح وكذلك أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن المبارك به عن ابن عباس مرفوعًا ولفظه: إن أول شيء خلقه الله جل ثناؤه القلم وأمره أن يكتب كل شيء (السنن الكبرى ٩/ ٣ / ح ١٧٧٠٤).
-
حدثني موسى بن سهل الرمليّ، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا رَباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنحوه (٢) . (١: ٣٢) .
- (٢)في إسناده نعيم بن حماد ضعفه عدد من أئمة الحديث ولكن الحديث صحيح كما سبق.
-
حدثني محمد بن معاوية الأنماطيّ، حدثنا عباد بن العوام، حدثنا عبد الواحد بن سليم، قال: سمعت عطاء، قال: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ قال: دعاني فقال: أيّ بنيّ، اتق الله واعلم أنك لن تتَّقي الله، ولن تبلغَ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقَدر خيرِه وشرّه، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن أول ما خلق الله عزّ وجلّ خلق القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدَر، قال: فجري القلم في تلك الساعة بما كان وبما هو كائن إلي الأبد" (٣) . (١: ٣٢/ ٣٣) .
- (٣)إسناده ضعيف والحديث صحيح كما سبق، وكذلك أخرجه الترمذي من طريق عبد الواحد بن سليم مع تقديم وتأخير في الألفاظ وزيادة. وقال الترمذي: وهذا حديث غريب من هذا الوجه (سنن الترمذي / كتاب القدر / ح ٢١٥٥). قلنا: وفي إسناده عبد الواحد بن سليم ضعيف.
-
وقد اختلف أهل السلف قبلنا في ذلك، فنذكرُ أقوالهم، ثم نتبع البيان عن ذلك إن شاء الله تعالى.
-
فقال بعضهم في ذلك بنحو الذي روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه.
- ذكر من قال ذلك:
-
حدثني واصل بن عبد الأعلى الأسديّ، قال: حدثنا محمد بن فُضيل، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيان؛ عن ابن عباس، قال: أولُ ما خلق الله من شيء القلم
ج ١ ص ١٧٣فقال له: اكتب، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكتب القدَر، قال: فجري القلم بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة، ثم رُفع بخار الماء ففتَق منه السموات (١) . (١: ٣٣) .
- (١)أخرجه الحاكم من طريق الأعمش هذا، وقال: صحيح علي شرط الشيخين ولم يخرجاه (المستدرك ٢/ ٤٩٧). قلنا: إلا أن الأعمش مدلّس وقد عنعن هنا ولم يصرح بالتحديث وشطره صحيح مرفوعًا كما سبق سوى عبارة (ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات) فلم نجده مرفوعًا بسند صحيح والله أعلم.
-
حدثنا واصل بن عبد الأعلى، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظَبيان، عن ابن عباس نحوه (٢) . (١: ٣٣) .
- (٢)وأخرجه البيهقي من طريق وكيع (٣/ ٩ ح ١٧٧٠٣) مع زيادة علي ما عند الطبري وانظر ما سبق.
-
حدثنا محمد بن المثنّي، قال: حدَّثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظَبيان، عن ابن عباس، قال: أوَّلُ ما خلق الله من شيء القلمُ، فجري بما هو كائن (٣) . (١: ٣٣) .
- (٣)هذا إسناد صحيح إلي ابن عباس وقد صحَّ مرفوعًا كما سبق والله أعلم.
-
حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظَبيان -أو مجاهد-، عن ابن عباس بنحوه (٤) . (١: ٣٣) .
- (٤)انظر ما قبله.
-
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، قال: حدثنا معمر، حدثنا الأعمش أن ابن عباس قال: إن أولَ شيء خُلِق القلم (٥) . (١: ٣٤) .
- (٥)انظر ما قبله.
-
حدثنا ابن حميد، حدَّثنا جرير، عن عطاء، عن أبي الضّحي مسلم بن صُبَيْح، عن ابن عباس، قال: إن أوَّلَ شيء خلق ربي عزّ وجلّ القلم، فقال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلي أن تقوم الساعة (٦) . (١: ٣٤) .
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قولُ ابن عباس،
ج ١ ص ١٧٤للخبر الذي ذكرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [قبل] ، أنه قال: أول شيء خلق اللهُ القلم. (١) . (١: ٣٤) .
- (٦)إسناده ضعيف وقد صحَّ الحديث مرفوعًا كما سبق.
- (١)هذا ترجيح الطبري وسنذكر ما رجحه ابن كثير وابن حجر وما نسب إلي الجمهور والله أعلم.
-
قيل: أما قولُ ابن عباس: إن الله تبارك وتعالى كان عرشه علي الماء قبل أن يخلق شيئًا، فكان أول ما خلق الله القلم -إن كان صحيحًا عنه أنه قاله- فهو خبرٌ منه أن الله خلق القلم بعد خلقه عرشه، وقد رَوَي عن أبي هاشم هذا الخبر شعبةُ، ولم يقل فيه ما قال سفيان؛ من أن الله عزّ وجلَّ كان علي عرشه، فكان أول ما خلق القلم، بل روي ذلك كالذي رواه سائر من ذكرنا من الرواة عن ابن عباس أنه قال: أول ما خلق الله عزَّ وجلَّ القلم (٢) . (١: ٣٥) .
- (٢)سنناقش رأي الطبري هذا في نهاية الباب.
-
وكذلك قولَ ابن إسحاق الذي ذكرناه عنه معناه أنّ الله خلق النورَ والظلمة بعد خلقه عرشه، والماء الذي عليه عرشه. وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي رويناه عنه أوْلى قول في ذلك بالصواب، لأنه كان أعْلَم قائل في ذلك قولًا بحقيقته وصحته، وقد روينا عنه - عليه السلام - أنه قال: "أولُ شيء خلقه الله عزّ وجلّ القلم" من غير استثناء منه شيئًا من الأشياء أنه تقدّم خلق الله إياه خلق القلم، بل عمّ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أول شيء خلقه الله القلم" ، كلَّ شيء، وأن القلم مخلوق قبله من غير استثنائه من ذلك عرشًا ولا ماء ولا شيئًا غيرَ ذلك.
-
فالرواية التي رويناها عن أبي ظَبْيان وأبي الضّحى، عن ابن عباس، أوْلى بالصحة عن ابن عباس من خبر مجاهد عنه الذي رواه عنه أبو هاشم؛ إذ كان أبو هاشم قد اختلف في رواية ذلك عنه شعبة وسفيان، علي ما قد ذكرت من اختلافهما فيها.
-
أما ابن إسحاق فإنه لم يسند قولهُ الذي قاله في ذلك إلي أحد، وذلك من الأمور التي لا يدرَكُ علمها إلا بخبر من الله عزَّ وجلَّ، أو خبر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكرت الرواية فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (٣) . (١/ ٣٥ - ٣٦) .
- (٣)صحيح.