قصة إسلام سعد بن معاذ
٣ فقرات، ج ٢ ص ٤٥
- ج ٢ ص ٤٥
٤٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمّد بن إسحاق، قال: وحدّثني عبيد الله بن المغيرة بن مُعَيقِيب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم، أنّ أسعدَ بن زرارة خرج بمُصْعَب بن عمير، يريد به دارَ بني عبْد الأشهل، ودار بني ظَفَر؛ وكان سعد بن مُعاذ بن النّعمان بن امرئ القيس، ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطًا من حوائط بني ظَفَر، على بئر يقال لها بئر مَرْق؛ فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجالٌ ممّن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيْد بن حُضَير يومئذ سيّدا قومهما من بني عبد الأشْهل؛ وكلاهما مُشرِك على دين قومه، فلمّا سمعا به، قال سعد بن مُعاذ لأسَيد بن حُضَير: لا أبا لك! انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفّها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما أن يأتيَا دارنا، فإنه لولا أنّ أسعد بن زرارة منّا حيت قد علمت، كفيتُك ذلك؛ هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدَمًا، فأخذ أسَيد بن حُضير حَرْبَتَه. ثم أقبل إليهما؛ فلما رآه أسْعَد بن زُرارة قال لمُصْعَب: هذا سيّد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه. قال مُصعب: إنْ يجلسْ أكلّمه، قال: فوقف عليهما مُتَشَتِّمًا، فقال: ما جاء بكما إلينا، تسفّهان ضعفاءنا! اعتزلانا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة. فقال له مُصعب: أوَ تجلسُ فتسمع، فإن رضيتَ أمرًا قبلته، وإن كرهته كُفّ عنك ما تكره؟ قال: أنصفت؛ ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلّمه مُصعَب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما يذكر عنهما: والله لَعَرفْنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم، في إشراقه وتسهّله. ثم قال: ما أحسنَ هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدّين؟ قالا له: تغتسل، فتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحقّ، ثم تصلّي ركعتين.
قال: فقام فاغتسلَ، وطهّر ثوبيه، وشهد شهادة الحقّ، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إنّ ورائي رجلًا، إن اتّبعكما لم يتخلّف عنه أحدٌ من قومه، وسأرسله إليكما الآن؛ سعد بن معاذ، ثم أخذ حربتَه، وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلُوس في ناديهم؛ فلمّا نظر إليه سعد بن مُعاذ مقبلًا، قال: أحلفُ بالله، لقد جاءكم أسَيد بن حُضَير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم؛ فلمّا وقف
ج ٢ ص ٤٦على النّادي، قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلّمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حُدّثت أن نبي حارثة، قد خرجوا إلى أسْعَد بن زَرارة ليقتلوه؛ وذلك أنهم عرفوا أنه ابنُ خالتك ليُخْفِروك، قال: فقام سعد مُغضبًا مبادرًا تخوّفًا للذي ذكر له من بني حارثة. فأخذ الحرْبةَ من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئًا؛ ثم خرج إليهما؛ فلمَا رآهما سعد مطمئنّين، عرف أنّ أسَيدًا إنما أراد أن يسمَع منهما، فوقف عليهما متشتّمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، لولا ما بيني وبينَك من القرابة ما رمْتَ هذا مني. تغشانا في دارنا بما نكره! وقد قال أسعد لمُصعب: أي مصعب! جاءك والله سيِّد مَن وراءه منْ قومه، إن يتبعك لم يخالف عليك منهم اثنان، فقال له مصعب: أوَ تقعد فتسمع، فإن رضيتَ أمرًا ورغبت فيه قبلتَه، وإنْ كرهتَه عزلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت؛ ثم ركز الحربة، فجلس فعرّض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن. قالا: فعرفنا الله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم به؛ في إشراقة وتسهّله.
ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتُمْ أسلمتم ودخلتم في هذا الدّين؟ قالا: تغتسِل فتطهَر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحقّ، ثم تصلِّي ركعتين. قال: فقام فاغتسل وطهّر ثوبيه، وشهِد شهادة الحقّ، وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامدًا إلى نادى قومه، ومعه أسَيد بن حُضير؛ فلمّا رآه قومه مقبلًا: قالو: نحلف بالله لقد رجع سَعْد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم؛ فلمّا وقف عليهم، قال: يا بني عبد الأشهل؛ كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيّدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمنُنا نقيبةً، قال: فإنّ كلامَ رجالِكم ونسائكم عليّ حرامٌ حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما أمسى في دار عَبْدِ الأشهل رجلٌ ولا امرأة إلا مسلمًا أو مسلمة.
-
ورجع أسعد ومصعب إلى منزل بن زرارة، فأقام عنده يدعُو النّاس إلى الإسلام حتى لم تبقَ دار من دُور الأنصار إلّا وفيها رجال ونساء مسلمون إلّا ما كان من دار بني أميّة بن زيد وخَطْمَة ووال وواقف؛ وتللك أوس الله؛ وهم من أوْس بن حارثة؛ وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسْلَت؛ وهو صَيفي، مكان شاعرًا لهم، وقائدًا يسمعون منه، ويطيعونه، فوقف بهم من عن الإسلام، فلم يزل على
ج ٢ ص ٤٧ذلك حتى هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة؛ ومضى بَدْر وأحُد والخندق.
قال: ثم إنَّ مُصعب بن عُمير، رجع إلى مكّة وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموْسِم مع حُجَّاج قومهم من أهلِ الشرك؛ حتى قدموا مكّة؛ فواعدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقَبة من أوسط أيام التّشريق حين أراد الله بهم ما أراد من كرامتهِ، والنّصر لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرْك وأهله (١) . (٢: ٣٥٧/ ٣٥٨ / ٣٥٩/ ٣٦٠) .
- (١)إسناده ضعيف وقد أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق عن عبيد الله بن المغيرة وعبد الله بن أبي بكر مرسلًا وأخرجه البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا (٢/ ٤٣٠) مع اختلاف في بعض الألفاظ من طريق عروة وقال الهيثمي في مجمع الزوائد بعد سرده هذه القصة: رواه الطبراني مرسلًا وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ٤٢) وأخرج ابن سعد كذلك قصة إسلام سعد بن معاذ من طريق الواقدي وهو متروك (الطبقات ٣/ ٤٢٠). ولكن باختصار. أي أن ابن هشام رواه مرسلًا من حديث عبد الله بن المغيرة وعبد الله بن أبي بكر وأخرجه البيهقي من حديث الزهري كذلك مرسلًا أي أن مخارج هذين المرسلين مختلف، أضف إلى ذلك رواية الطبراني المرسلة عن عروة. ولو اتبعنا مذهب الشافعي وشروطه في قبول المرسل لرأينا أنها تنطبق على ما نحن بصدده ونفي قصة إسلام سعد بن معاذ. فمن شروطه رحمه الله: (أن يروى مرسلًا بمعناه عن راوٍ آخر لم يأخذ عن شيوخ الأول فيدل ذلك على تعدد مخرج الحديث). ومن شروطه كذلك أن يكون قد قال به أكثر أهل العلم، ومعلوم أن أئمة السير والمغازي كابن هشام والطبري وابن سعد من المتقدمين وابن كثير والذهبي من المتأخرين قد أخرجوا هذه الرواية وأشاروا إلى ما فيها. نقول: لو أخذنا بالشروط الآنفة الذكر لكان الحديث حسنًا إن شاء الله تعالى. علمًا بأننا قد أخذنا بهذه الشروط لأنها روايات في السيرة وليست في الحلال والحرام، وليس فيها نكارة أو غرابة والله أعلم. وللمزيد في المعرفة عن اختلاف العلماء في العمل بالمراسيل راجع ما كتبه الحافظ العلائي في جامع التحصيل وما جاء في شرح علل الترمذي لابن رجب وكذلك ما جاء في كتاب منهج النقد في علوم الحديث للأستاذ نور الدين عتر ص ٣٧٣.
-
٤٢ / أ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدثنا سلمَة، عن ابن إسحاق؛ أنّ ابن شهاب ذكر عن عائذ الله بن عبد الله أبي إدريس الخولاني، عن عُبادة بن
ج ٢ ص ٤٨الصامت، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله (١) . (٢: ٣٥٦/ ٣٥٧) .
- (١)إسناده ضعيف وهو صحيح فقد أخرج حديث عبادة بن الصامت هذا في بيعة العقبة الأولى: البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم - أما البخاري فقد أخرجه في مواضع عدة منها في باب وفود الأنصار وبيعة العقبة (٣ / ح ٣٨٩٣) وكذلك في كتاب التفسير - تفسير سورة الممتحنة وغير ذلك من المواضع. وأخرجه مسلم في صحيحه باب الحدود كفارات لأهلها (٣ / ح ١٧٠٩) وأحمد في مسنده (٥/ ٣٢٣) ولفظ البخاري في إحدى رواياته: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال وحوله عصابة من أصحابه: تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف. فمن وفي منكم فاجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه. فبايعناه على ذلك. (الفتح ٧/ ٢١٩ / ح ٣٨٩٢ / باب ٤٣).