خبر دومة الجندل
٥ فقرات، ج ٨ ص ١٣٥
- ج ٨ ص ١٣٥
١٦٣ - قالوا: ولما فرغ خالد من عَيْن التَّمْر؛ خلَّف فيها عُوَيْم بن الكاهل الأسلميّ، وخرج في تعبيته الَّتي دخل فيها العين؛ ولمَّا بلغ أهلَ دُومة مَسيرُ خالد إليهم، بعثوا إلى أحزابهم من بَهْراء، وكلْب، وغسَّان، وتَنُوخ، والضَّجاعم، وقبلُ ما قد أتاهم وَديعة في كلْب، وبَهراء، ومساندُه ابن وَبَرة بن رُومانس، وآتاهم ابن الْحدرجان في الضَّجاعم، وابن الأيْهَم في طوائف من غَسَّان وتَنْوخ، فأشْجَوْا عياضًا وشجُوا به.
-
فلما بلغهم دنوّ خالد؛ وهم على رئيسين: أكَيْدر بن عبد الملك، والجُوديّ بن ربيعة، اختلفوا، فقال أكيدر: أنا أعلمُ النَّاس بخالد؛ لا أحد أيمنُ طائرًا منه، ولا أحدّ في حرب، ولا يرى وجه خالد قوم أبدًا قَلُّوا أو كثروا إلاّ انهزموا عنه؛ فأطيعوني، وصالحوا القوم. فأبوْا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرْب خالد، فشأنكم!
-
فخرج لطيَّته، وبلغ ذلك خالدًا؛ فبدث عاصمَ بن عمرو معارضًا له، فأخذه فقال: إنَّما تلقّبْت الأمير خالدًا، فلمَّا أتى به خالدًا أمر به فضُرِبت عنقُه، وأخذ ما كان معه من شيء، ومضى خالدٌ حةى ينزل على أهل دُومة، وعليهم الجوديّ بن
ج ٨ ص ١٣٦ربيعة، ووديعة الكلبيّ، وابن رُومانس الكلبيّ، وابن الأيهم، وابن الحدْرجان، فجعل خالد دُومة بين عسكره وعسكر عياض. وكان النَّصارى الذين أمدُّوا أهل دُومة من العرب محيطين بحصن دُومة، لم يحمِلْهم الحصن، فلما اطمأنّ خالد؛ خرج الجوديّ، فنهض بوديعة، فزحفا لخالد، وخرج ابن الحدرجان وابن الاْيْهم إلى عياض؛ فاقتتلوا، فهزم الله الجوديَّ، ووديعة على يديْ خالد، وهزم عياض مَن يليه، وركبهم المسلمون؛ فأمّا خالد فإنه أخذ الجوديّ أخذًا، وأخذ الأقرع بن حابس وديعةً، وأرَزَ بقيَّة النَّاس إلى الحصن؛ فلم يحملهم؛ فلما امتلأ الحِصْن؛ أغلق مَن في الحصن الحصنَ دون أصحابهم، فبقُوا حولَه حُرداءَ؛ وقال عاصم بن عمرو: يا بني تميم! حلفاؤكم كَلْب، آسوهم، وأجيروهم؛ فإنَّكم لا تقدرون لهم على مثْلها، ففعلوا. وكان سبب نجاتِهم يومئذ وصيَّة عاصم بني تميم بهم، وأقبل خالد على الَّذين أرَزوا إلى الحِصْن فقتلهم حتى سدّ بهم بابَ الحِصْن، ودعا خالد بالجوديّ فضَرَب عنقه؛ ودعا بالأسرى فضرب أعناقهم إلّا أسارى كلب، فإن عاصمًا، والأقرع، وبني تميم قالوا: قد آمناهم، فأطلقهم لهم خالد، وقال: ما لي ولكم! أتحفظون أمر الجاهليَّة وتُضيِّعون أمر الإسلام! فقال له عاصم: لا تحسُدهم العافية؛ ولا يُحوّزهم الشيطانُ. ثم أطاف خالد بالباب، فلم يزُل عنه حتى اقتلعه؛ واقتحموا عليهم، فقتلوا المقاتلة، وسبوا الشَّرْخَ؛ فأقاموهم فيمن يزيد؛ فاشترى خالد ابنة الجوديّ وكانت موصوفة، وأقام خالد بدُومة، وردّ الأقرع إلى الأنبار.
-
ولما رجع خالد إلى الحيرة - وكان منها قريبًا حيث يصبّحها - أخذ القعقاع أهل الحيرة بالتَّقْليس، فخرجوا يتلقَّوْنه؛ وهم يُقلِّسُون؛ وجعل بعضهم يقول لبعض: مُرّوا بنا، فهذا فَرَج الشرّ (١) (٣: ٣٧٨/ ٣٧٩) .
- (١)إسناده ضعيف، وهو من أشد الروايات ضعفًا (ونفي روايات سيف) لأنها من طريق شعيب عن سيف، والمعروف عن شعيب بتحامله على رجالات السلف الصالح، وروايته هنا لا تخلو من غمز ولمز وطعن في الصحابة وسيرتهم فهو يصور الصحابة وهم يسبون النساء الشابات من بقية النساء ويقيمون لهن سوقًا (ما يسمى اليوم بالمزاد) ويصور كذلك خالدًا رضي الله عنه وجلّ همّه أن يظفر بأجمل امرأة من بين تلك الشابات (بنت الجودي)، وكلّ ذلك تلفيق من شعيب لا أصل له من رواية صحيحة، إنما الرواية المختصرة جدًا التي ذكرناها في قسم الصحيح والتي أخرجها يعقوب بن سفيان تذكر انتصار خالد في هذه المعركة وأنه = = كان من بين السبي ابنة الجودي، أما زيادات (شعيب عن سيف) المنكرة فلم نجدها عند غيره. ورحم الله أئمة الجرح والتعديل الذين كشفوا زيف الرواة الحاقدين على السلف، فلم يدعوا لأحدٍ عذرًا بالتثبت بمتون فيها تهجم على صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويبدو أن جهاد خالد وجرأته وشجاعته وبسالته وتفانيه في معارك الفتوح وإلحاقه الهزائم المنكرة بأعداء الله آلمت أهل البدع ممن يبغضون أئمة السلف وفي مقدمتهم الصحابة، فأرادوا أن يشوّهوا صورتهم وأنّى لهؤلاء التناوش من بعيد، وقد قيّض الله لعلم الرواية جهابذة كشفوا عوار المبتدعة المفترين.
- ج ٨ ص ١٣٧
١٦٣ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب، قالوا: وقد كان خالد أقام بدُومة، فظنّ الأعاجم به؛ وكاتبهم عرب الجزيرة غضبًا لعَقَّة؛ فخرج زَرْمهْر من بغداد ومعه رُوزبه يريدان الأنبار؛ واتَّعدا حُصيدًا والخنافس، فكتب الزّبرقان وهو على الأنبار إلى القعقاع بن عمرو؛ وهو يومئذ خليفة خالد على الحيرة؛ فبعث القعقاع أعْبَدَ بن فَدكيّ السعديّ، وأمره بالحُصيد، وبعث عُرْوة بن الجعْد البارقيّ وأمره بالخَنافس، وقال لهما: إن رأيتما مَقْدَمًا فأقدما. فخرجا فحالا بينهما وبين الريف، وأغلقاهما، وانتظر روزبه وزرمهر بالمسلمين اجتماع من كاتبهما من رَبِيعة؛ وقد كانوا تكاتَبوا واتَّعدوا؛ فلمَّا رجع خالد من دُومة إلى الحيرة على الطهر وبلغه ذلك وقد عزم على مصادمة أهل المدائن؛ كرِه خلافَ أبي بكر، وأن يتعلَّق عليه بشيء، فعجَّل القعقاع بن عمرو، وأبو ليلى بن فَدكيّ إلى رُوزبه وزرمهر، فسبقاه إلى عين التَّمر، وقدم على خالد كتاب امرئ القيس الكلبيّ: أنَّ الهذيل بن عمران قد عَسْكر بالمُصَيَّخ، ونزل ربيعة بن بُجير بالثَنِيّ وبالبِشْر في عسكر غضبًا لعقَّة، يريدان زرمهر ورُوزبه. فخرج خالد وعلى مقدّمته الأقرع بن حابس، واستخلف على الحيرة عياض بن غَنْم، وأخذ طريق القعقاع وأبي ليلى إلى الخنَافس حتى قدم عليهما بالعين، فبعث القعقاع إلى حُصَيد، وأمَّره على الناس، وبعث أبا ليلى إلى الخَنافس، وقال: زجّيَاهم ليجتمعوا ومن استثأرهم؛ وإلّا فواقِعاهم. فأبيا إلّا المُقام.