ذكر حواضنه ومراضعه عليه الصلاة والسلام
١٤ فقرة، ج ١ ص ١٥
- ج ١ ص ١٥
أخرج البخاري ومسلم عن أم حبيبة بنت أبي سفيان [أنها] قالت: يا رسول اللَّه! انْكِحْ أختي بنت أبي سفيان (ولمسلم: عزة بنت أبي سفيان) ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أَوَ تُحِبِّين ذلك؟ " . قلت: نعم، لست لك بمُخْلِيَة (١) ، وأَحَبُّ مَنْ شارَكَني في خيرٍ أختي. فقال النبي ﷺ : "فإن ذلك لا يحل لي" . قالت: فإنّا نُحدَّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة (وفي رواية: دُرَّة بنت أبي سلمة) . قال: "بنت أم سلمة؟! " . قلت: نعم. قال:
"إنها لو لم تكن ربيبتي في حَجْري (٢) ما حلت لي، إنها لابْنَةُ أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثُويبة، فلا تعرضنَّ عليَّ بناتكن ولا أخواتكن" .
- (١)اسم فاعل من الإخلاء؛ أي: لست بمنفردة بك، ولا خالية من ضرة.
- (٢)[بالفتح: التربية والحضانة والرعاية]. الناشر.
-
زاد البخاري: قال عروة: وثويبة مولاة. لأبي لهب أعتقها، فأرضعت رسول اللَّه ﷺ (٣) .
- (٣)قلت: وتمامه في الأصل: "فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر خيبة. فقال له: ماذا لقيت؟ فقال أبو لهب: لم ألق بعدكم خيرًا؛ غير أني سُقيت في هذه بعتاقتي ثويبة. وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع". هكذا ذكره ابن كثير من تمام زيادة البخاري، ولكن ليس عنده قوله: "وأشار إلى النقرة. . . "، إلخ، وإنما هي في رواية الإسماعيلي؛ كما ذكره الحافظ ابن حجر. وإنما حذفت هذه الزيادة؛ لأنها ليست على شرطنا، فإنها أولًا: مرسلة من قبل عروة. = = وثانيًا: أنه لو فرض ثبوت وصله إلى الرائي فهو مجهول، فلا حجة في خبره. وثالثًا: أنها رؤيا منام، فلا قيمة لها؛ لا سيما في مثل ذاك الكافر أبي لهب الذي أنزل اللَّه في ذمه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ … ﴾. ولذلك قال الحافظ: "وفي الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة؛ لكنه مخالف لظاهر القرآن؛ قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. وأجيب بأن الخبر مرسل، أرسله عروة، ولم يذكر من حدثه به. وعلى تقدير أن يكون موصولًا؛ فالذي في الخبر رؤيا منام، فلا حجة فيه، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد، فلا يحتج به. وثانيًا: على تقدير القبول؛ فيحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي ﷺ مخصوصًا من ذلك بدليل قصة أبي طالب -كما تقدم- أنه خفف عنه، فنقل من الغمرات إلى الضحضاح". وأما ما ذكره الشيخ (أبو زهرة) (١/ ١٢١)؛ أن ثويبة كانت أول من أعلم أبا لهب بولادة ابن أخيه محمد، فأعتقها لهذه البشرى الكريمة؛ فمما لا أصل له في الرواية، وإنما علقه المؤلف تعليقًا بدون سند!
- ج ١ ص ١٦
وروى ابن إسحاق عن نفر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ قالوا له: يا رسول اللَّه! أخبرنا عن نفسك. قال:
"نعم؛ أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام.
-
واسترضعتُ في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بَهمًا لنا؛ إذ أتاني رجلان -عليهما ثياب بيض- بطست من ذهب مملوء ثلجًا، ثم أخذاني فشقّا بطني، واستخرجا قلبي فشقّاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زِنْهُ بعشرة من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زِنْهُ بمئة من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زِنْهُ بألف من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، فقال:
ج ١ ص ١٧دعه عنك، فواللَّه لو وزنته بأمته لوزنها ".
-
وإسناده جيد قوي (١) .
- (١)قلت: وهو كما قال، وقد مضى الطرف الأول منه (ص ١٣) مع تخريجه، وسيأتي (ص ٥٣).
-
وقد روى أحمد وأبو نعيم في "الدلائل " عن عتبة بن عبد: أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول اللَّه؟ قال:
"كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زادًا، فقلت: يا أخي! اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا. فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ فقال: نعم. فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فبطحاني للقفا، فشقّا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقّاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء وثلج. فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة. فذرها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خِطه. فخاطه، وختم على قلبي بخاتم النبوة، فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة، واجعل ألفًا من أمته في كفة. فإذا أنا أنظر إلى الألف فوق؛ أشفق أن يخر عليَّ بعضهم، فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم. ثم انطلقا فتركاني، وفَرَقْتُ فَرَقًا شديدًا، ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيت، فأشفقت أن يكون قد لبس بي، فقالت: أعيذك باللَّه. فرحلت بعيرًا لها، وحملتني على الرحل، وركبت خلفي، حتى بلغنا إلى أمي، فقالت: أديت أمانتي وذمتي. وحدثتها بالذي لقيتُ، فلم يَرُعها، وقالت: إني رأيت
ج ١ ص ١٨خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام " (١) .
- (١)قلت: ورجاله ثقات؛ غير أن بقية بن الوليد مدلس، وقد عنعنه؛ لكنه قد صرح بالتحديث في رواية الحاكم (٢/ ٦١٦ - ٦١٧)، وقال: "صحيح على شرط مسلم"! يوافقه الذهبي! وإنما هو صحيح فقط؛ فإن من رواته بَحِير بن سعد، ولم يرو له مسلم، وانظر "الصحيحة" (٣٧٣).
- وثبت في "صحيح مسلم" عن أنس بن مالك:
-
أن رسول اللَّه ﷺ أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، واستخرج معه علقة سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَهُ، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني: ظئره- فقالوا: إن محمدًا قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره (٢) .
- (٢)مسلم (١/ ١٠١ - ١٠٢). قلت: وهذا الحديث مع صحته وصحة شواهده -التي قبلها وغيرها مما أشرت إليه في "تخريج فقه السيرة" (ص ٦٤) - فقد شكك في ثبوتها الشيخ (أبو زهرة)؛ مع أنه ذكر حديث مسلم هذا ثم قال (١/ ١٢٧): "ونحن نرى أن الأخبار بالنسبة للشق لا تخلو من اضطراب، وعلى فرض أنها صحيحة لا نقول: إنها غير مقبولة (!) بل إنا نقبلها إن صحت، ولكن الاضطراب في خبرها يجعلنا غير رادين ولا مصدقين"! أقول: بمثل هذه الفلسفة المتناقضة يرد هذا الشيخ هذه الأحاديث الصحيحه، ويتلاعب بالألفاظ ليضل به الناس عما يوسوس اليه الخناس، فإن أقل الناس علمًا وعقلًا يعلم أنه إن = = صح الاضطراب الذي ادعاه فيها لزم منه أنها غير مقبولة؛ لأن الحديث المضطرب عند العلماء ليس مقبولًا، وإذا كان الأمر كذلك لزم ردها، فكيف يقول: إن الاضطراب يجعلنا نقف غير رادين ولا مصدقين؟! ألا ترى أنك إن قدمت بلى رجل مالًا فلم يأخذ؛ فسواء قلت عنه: لم يقبله، أو: رده. فالمعنى واحد لا يخفى على أحد، فكيف يمكن أن يخفى على (الإمام محمد أبو زهرة)؛ كما جاء في طرة كتابه؟! والحقيقة أن أحاديث شق الصدر الشريف صحيحة، لا يشك فيها إلا ضعفاء الإيمان، أو من لا إيمان عندهم من الدهريين وغيرهم، وأن الاضطراب المزعوم فيها لا حقيقة له إلا مجرد الدعوى؛ لتسليك ردها على القراء من حضرة (الإمام)!
- ج ١ ص ١٩
وفي "الصحيحين" عن أنس، وعن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ في حديث الإسراء -كما سيأتي- قصة شرح الصدر ليلتئذٍ، وأنه غسل بماء زمزم.
-
ولا منافاة لاحتمال وقوع ذلك مرتين: مرة وهو صغير؛ ومرة ليلة الإسراء ليتأهب للوفود إلى الملأ الأعلى، ولمناجاة الرب عز وجل ، والمثول بين يديه سبحانه وتعالى .
-
والمقصود أن بركته عليه الصلاة والسلام حلت على حليمة السعدية وأهلها وهو صغير، ثم عادت على هوازن -بكمالهم- فَوَاضِلُهُ حين أسرهم بعد وقعتهم، وذلك بعد فتح مكة بشهر، فَمَتُّوا (١) إليه برضاعه فأعتقهم، تحنن عليهم، وأحسن إليهم؛ كما سيأتي مفصلًا في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
قال محمد بن إسحاق في وقعة (هوازن) : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
كنا مع رسول اللَّه ﷺ بـ (حُنين) ، فلما أصاب من أموالهم وسباياهم؛ أدركه
ج ١ ص ٢٠وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول اللَّه! إنا أهل (١) وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا مَنَّ اللَّه عليك. وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول اللَّه! إن ما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كنَّ يكفلنك، فلو أنا ملحنا ابن أبي شمر، أو النعمان بن المنذر، ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك؛ رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت خير المكفولين. ثم أنشد:
امنن علينا رسول اللَّه في كرم … فإنك المرء نرجوه وندخر
امنن على بيضة قد عاقها قدر … ممزق شملها في دهرها غِيَر
أبقت لنا الدهر هَتَافًا على حَزَن … على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركها نعماء تنشرها … يا أرجح الناس حلمًا حين يختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها … إذْ فوك يملؤه من محضها درر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها … وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته … واستبق منا فإنا معشر زهر
إنا لنشكر للنعمى وإن كفرت … وعندنا بعد هذا اليوم مدخر (٢)
- (١)[أي: توسلوا]. الناشر.
- (١)في "السيرة": "أصل"، ولعله الصواب، فإنه كذلك عند الطبراني.
- (٢)"سيرة ابن هشام" (٤/ ١٣١)، ولم يذكر الشعر، وصرح عنده ابن إسحاق بالتحديث، فالسند حسن، وقد رواه الطبراني عن ابن إسحاق وفيه الشعر، ويشهد له ما بعده، وهما مخرجان في "الصحيحة" (٣٢٥٢).
- ج ١ ص ٢١
وقد رويت هذه القصة عن أبي صرد زهير بن جرول -وكان رئيس قومه- قال:
لما أسرَنا رسول اللَّه ﷺ يوم حنين؛ فبينا هو يميز بين الرجال والنساء، وَثَبْتُ حتى قعدت بين يديه، وأسمعته شعرًا أُذكِّرُهُ حين شب ونشأ في (هوازن) حين أرضعوه:
امنن علينا رسول اللَّه في دعة … فإنك المرء نرجوه وننتظر
امنن على بيضة قد عاقها قدر … ممزق شملها في دهرها غِيَر
أبقت لنا الحرب هَتَّافًا على حزن … على قلوبهم الغمّاء والغمر
إن لم تداركها نعماء تنشرها … يا أرجح الناس حلمًا حين يختبر
امنن على نسوة قد كنت تَرضعها … إذْ فوك تملؤه من محضها الدرر
إذْ أنت طفلٌ صغير كنت ترضعها … وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته … واستبق منا فإنا معشر زُهُرُ
إنا لنشكر للنعمى وإن كفرت … وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه … من أمهاتك إن العفوَ مشتهر
إنا نؤمل عفوًا منك تلبسه … هذي البرية إذ تعفو وتنتصر
فاغفر عفا اللَّه عما أنت راهبه … يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر
ج ١ ص ٢٢قال: فقال رسول اللَّه ﷺ :
"أمَّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو للَّه ولكم" .
فقالت الأنصار: وما كان لنا فهو للَّه ولرسوله ﷺ (١) .
- (١)أخرجه الطبراني في "معاجمه الثلاثة" بإسناد فيه جهالة، وقد حسنه الحافظ، ورواه الضياء المقدسي في "المختارة"، وهو قوي بما قبله، ولذلك خرجته في "الصحيحة"؛ كما ذكرت آنفًا.
-
وسيأتي أنه عليه الصلاة والسلام أطلق لهم الذرية، وكانت ستة آلاف ما بين صبي وامرأة، وأعطاهم أنعامًا وأناسي كثيرًا.
-
فهذا كله من بركته العاجلة في الدنيا، فكيف ببركته على من اتبعه في الدار الآخرة؟!