فصل

١٣ فقرة، ج ١ ص ٢٣

  1. روى الإمام أحمد عن بريدة قال:
  2. خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ ، حتى إذا كنا بـ (وَدّان) قال:

    "مكانكم حتى آتيكم" . فانطلق، ثم جاءنا وهو ثقيل، فقال:

    "إني أتيت قبر أم محمد، فسألت ربي الشفاعة - يعني: لها- فمنعنيها (١) ، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" .

    1. (١)قلت: وفي رواية لأحمد وابن أبي شيبة: "فدمعت عيناي رحمة لها من النار". انظر: "أحكام الجنائز" (١٨٨).
  3. ورواه البيهقي من طريق أخرى عنه بلفظ.

  4. انتهى النبي ﷺ إلى رسم قبرٍ فجلس، وجلس الناس حوله، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب، ثم بكى، فاستقبله عمر، فقال: ما يبكيك يا رسول اللَّه؟ قال:

    "هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى عليَّ، وأدركتني رقتها فبكيت" (٢) .

    قال: فما رأيت ساعة أكثر باكيًا من تلك الساعة.

    1. (٢)قلت: وهو حديث صحيح بمجموع طريقيه، وله أسانيد أخرى أحدها صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي، وهو مخرج في "أحكام الجنائز" (ص ١٨٨).
  5. ورواه البيهقي من طريق أخرى نحوه.

  6. وهو والحاكم من حديث عبد اللَّه بن مسعود.

  7. وروى مسلم عن أبي هريرة قال:
  8. زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، ثم قال:

    "استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت" (١) .

    1. (١)ورواه أحمد وغيره، وهو مخرج في المصدر السابق.
  9. وروى مسلم أيضًا عن أنس:
  10. أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه! أين أبي؟ قال: "في النار" . فلما قفَّى دعاه، فقال:

    "إن أبي وأباك في النار" (٢) .

    1. (٢)مسلم (١/ ١٣٢ - ١٣٣)، وله شواهد؛ منها حديث سعد بن أبي وقاص الآتي بعده. واعلم أن هذا الحديث مع صحة إسناده، وكثرة شواهده، وتلقي العلماء النقاد بالقبول له؛ فإن الشيخ (أبو زهرة) قد رده بجرأة وجهالة متناهية؛ فقال (١/ ١٣٢): "إنه خبر غريب في معناه، كما هو غريب في سنده؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقد كان أبو محمد عليه الصلاة والسلام وأمه على فترة من الرسل؛ فكيف يعذبون؟!!. . . وفي الحق إني ضرست في سمعي وفهمي عندما تصورت أن عبد اللَّه وآمنة يتصور أن يدخلا النار"! فأقول: يا سبحان اللَّه! هل هذا موقف من يؤمن برسول اللَّه أولًا، ثم بالعلماء الصادقين المخلصين ثانيًا؛ الذين رووا لنا أحاديثه ﷺ وحفظوها لنا، وميزوا ما صح مما لم يصح منها، واتفقوا على أن هذا الحديث من الصحيح الثابت عنه ﷺ ؟! أليس موقف (أبو زهرة) هذا هو سبيل أهل الأهواء -كالمعتزلة وغيرهم- الذين قالوا بالتحسين والتقبيح العقليين؛ مما رده عليهم أهل = = السنة؟! والشيخ يزعم أنه منهم؛ فما باله خالفهم، وسلك سبيل المعتزلة في تحكيم العقل، وردهم للأحاديث الصحيحة لمجرد مخالفتها لأهوائهم؛ إما أصلًا؛ وإما تأويلًا إذا لم يستطيعوا رده من أصله؟! وهذا عين ما فعله الشيخ؛ فإنه رد هذا الحديث لظنه أنه حديث غريب فرد -كما رأيت- وتأول أحاديث الزيارة بقوله: "ولعل نهي النبي ﷺ عن الاستغفار [لأمه]؛ لأن الاستغفار لا موضع له، إذ أنه لم يكن خطاب بالتكليف من نبي مبعوث"! ونحن نقول له -كما تعلمنا من بعض السلف-: اجعل (لعل) عند ذاك الكوكب! فإن أحاديث الزيارة تدل دلالة قاطعة على أن بكاءَه ﷺ إنما كان شفقة عليها من النار، وهذا صريح في بعض طرق حديث بريدة؛ كما سبق ذكره مني في التعليق عليه قريبًا. ولذلك علق الإمام النووي على حديث أبي هريرة منها بقوله في "شرح مسلم": "فيه جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى. وفيه النهي عن الاستغفار للكفار". وقال في شرح حديث أنس هذا: "فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين. وفيه أن من مات على الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة ابراهيم وغيره من الأنبياء صلوات اللَّه تعالى وسلامه عليهم". قلت: وفي كلام الإمام النووي رد صريح على زعم (أبو زهرة) أن أهل الفترة الذين كانوا قبل بعثة النبي ﷺ لا يعذبون! ومع أن قوله هذا مجرد دعوى؛ لأنه لا يلزم من صحة القاعدة -وهي هنا أن من لم تبلغه الدعوة لا يعذب- أن الشخص الفلاني أو الأمة الفلانية لم تبلغهم الدعوة، بل هذا لا بد له من دليل كما هو ظاهر، وهذا مما لم يعرج عليه (أبو زهرة) مطلقًا، وحينئذٍ يتبين للقارئ الكريم كم قد تجنى على العلم حين رد حديث أنس، وتأول أحاديث الزيارة بما يفسد دلالتها بمجرد هذه الدعوى الباطلة؟! = وإن مما يؤكد لك بطلانها مخالفتها لأحاديث كثيرة جدًّا يدل مجموعها على أن الصواب على خلافها، وأرى أنه لا بد هنا من أن أذكر بعضها: ١ - قوله ﷺ : "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار؛ كان أول من سيب السوائب". رواه الشيخان. وفي رواية: "كان أول من غير دين إسماعيل". ٢ - سألوه ﷺ عن عبد اللَّه بن جدعان؛ فقالوا: كان يقري الضيف، ويعتق، ويتصدق؛ فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال: "لا؛ إنه لم يقل يومًا: رب! اغفر لي خطيئتي يوم الدين". رواه مسلم. ٣ - أنه ﷺ مر بنخل فسمع صوتًا (يعني: من قبر)، فقال: "ما هذا؟ ". قالوا: قبر رجل دفن في الجاهلية. فقال ﷺ : "لولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت اللَّه عز وجل أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمعني". رواه أحمد من طرق عن أنس، وعن جابر، وله شاهد من حديث زيد بن ثابت عند مسلم وأحمد، وهو مخرج في "الصحيحة" (١٥٨ و ١٥٩). ٤ - حديث رؤيته ﷺ في صلاة الكسوف صاحب المحجن يجر قصبه في النار؛ لأنه كان يسرق الحاج بمحجنه. رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في "الإرواء" (٦٥٦). وفي الباب أحاديث أخرى خرجها الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١١٦ - ١١٩)؛ فليراجعها من شاء، وهي بمجموعها تدل دلالة قاطعة على أن المشركين في الجاهلية من أهل النار، فهم ليسوا من أهل الفترة، فسقط استدلال (أبو زهرة) بالآية جملة وتفصيلًا. وأما قوله في حديث أنس المتقدم أعلاه: ". . كما هو غريب في سنده"! = = فأقول: وهذه دعوى باطلة كسابقتها، فالحديث صحيح لا غرابة فيه، وحسبك دليلًا أنه أخرج في "الصحيح"، وان أراد بذلك أنه غريب بمعنى أنه تفرد به واحد؛ فذلك مما لا يضره؛ لأن كل رواته ثقات أثبات؛ على أن له شواهد تزيده قوة على قوة كما تقدم. وأنا حين أقول هذا أعلم أن السيوطي تورط أيضًا وغلبه الهوى؛ فأعل الحديث بتفرد حماد بن سلمة به -بلى درجة أنه لم يورده في "الجامع الصغير" ولا في "ذيله عليه"- وهو من أئمة المسلمين وحفاظهم، وكنت أود أن أطيل النفس أيضًا في الرد عليه، ولكن طال الكلام، فحسبنا منه ما تقدم، واللَّه ولي التوفيق.
  11. وقد روى البيهقي عن عامر بن سعد عن أبيه قال:

    ج ١ ص ٢٦جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي كان يصل وكان وكان، فأين هو؟

    ج ١ ص ٢٧قال: "في النار" .

    قال: فكأن الأعرابي وجد من ذلك، فقال: يا رسول اللَّه! أين أبوك؟ قال: "حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار" .

    قال: فأسلم الأعرابي بعد ذلك فقال: لقد كلفني رسول اللَّه ﷺ تعبًا؛ ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار (١) .

    1. (١)قلت: وأخرجه الطبراني والضياء المقدسي في "المختارة"، وسنده صحيح؛ كما بينته في "الصحيحة" (١٨)، وقد استفدت من رواية البيهقي هذه متابعة ثالثة من أبي نعيم الفضل بن دكين كانت فاتتني، فلتنقل إلى هناك.
    ج ١ ص ٢٥
  12. والمقصود أن عبد المطلب مات على ما كان عليه من دين الجاهلية؛ خلافًا لفرقة الشيعة فيه، وفي ابنه أبي طالب؛ على ما سيأتي في (وفاة أبي طالب) (٢) .

    1. (٢)ساق المؤلف قبيل هذا حديث خروج فاطمة رضي الله عنها للتعزية، وقوله لها: "لعلك بلغت معهم الكدى؟! لو بلغتيها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك". ولما لم يكن على شرطنا أعرضت عن ذكره ة لا سيما وفي متنه نكارة ظاهرة، وقد تكلم عليه المؤلف بما يكفي من حيث ضعف إسناده. وروى ابن إسحاق هنا (١/ ١٧٨): حدثني العباس بن عبد اللَّه بن معبد عن بعض أهله: أن عبد المطلب توفي ورسول اللَّه ابن ثماني سنين.
  13. وقد قال البيهقي بعد روايته هذه الأحاديث في كتابه "دلائل النبوة" :

    "وكيف لا يكون أبواه وجده عليه الصلاة والسلام بهذه الصفة في الآخرة وقد كانوا يعبدون الوثن، حتى ماتوا ولم يدينوا بدين عيسى ابن مريم عليه السلام ، وكفرهم لا يقدح في نسبه عليه الصلاة والسلام (١) ؛ لأن أنكحة الكفار صحيحة، ألا تراهم يسلمون مع زوجاتهم؛ فلا يلزمهم تجديد العقد ولا مفارقتهن، إذ كان مثله يجوز في الإسلام. وباللَّه التوفيق" .

    قلت: وإخباره ﷺ عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار؛ لا ينافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة؛ كما بسطناه سندًا ومتنًا في "تفسيرنا" عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] . فيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب، فلا منافاة (٢) ، وللَّه الحمد والمنة.

    1. (١)قلت: كما لا يقدح فيه أنه ينتهي بلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وقد كان أبوه مشركًا بنص القرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾ [الأنعام: ٧٤]، ولذلك تبرأ منه، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٣ و ١١٤].
    2. (٢)قلت: وهذا جمع جيد جدًّا؛ لأنه وإن كان من الممكن افتراض أن بعض من كان في الجاهلية قد بلغته الدعية، وأقيمت عليه الحجة -على ما جرينا عليه في تعليقنا السابق، وعليه يدل كلام البيهقي الذي نقله المؤلف- فإن من الممكن أيضًا أن نفترض أن بعضهم لم تبلغه الدعوة، وحينئذٍ فأمامه الامتحان في عرصات القيامة، فمن نجح فقد نجا، وإلا فقد هلك، وعلى هذا النوع من الهالكين تحمل الأحاديث التي صرحت بعذاب بعض من مات في الجاهلية كما تقدم، واللَّه أعلم.
    ج ١ ص ٢٨