فصل في منع الجان ومردة الشياطين من استراق السمع حين أنزل القرآن لئلا يختطف أحدهم منه ولو حرفا واحدا فيلقيه على لسان وليه فيلتبس الأمر ويختلط الحق

١٨ فقرة، ج ١ ص ١٠٠

  1. فكان من رحمة اللَّه وفضله ولطفه بخلقه أن حجبهم عن السماء؛ كما قال اللَّه تعالى إخبارًا عنهم في قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ٨ - ١٠] .

    وقال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢] .

    ج ١ ص ١٠٠
  2. وروى الحافظ أبو نعيم عن ابن عباس قال:
  3. كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا حفظوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأما الكلمة فتكون حقًّا، وأما ما زادوا فتكون باطلًا.

  4. فلما بعث النبي ﷺ منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس -ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك- فقال لهم إبليس: هذا لأمر قد حدث في الأرض.

  5. فبعث جنوده، فوجدوا رسول اللَّه ﷺ قائمًا يصلي بي جبلين، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الأمر الذي حدث في الأرض (١) .

    1. (١)لم أره في "الدلائل" المطبوعة لأبي نعيم، وهو رواه عن الطبراني، ورجاله ثقات رجال "الصحيح"؛ غير شيخه عبد اللَّه بن محمد بن سعيد بن أبي مريم؛ لكنه قد توبع، فأخرجه أحمد (١/ ٢٧٤): ثنا أبو أحمد: ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وقد توبع أبو إسحاق في الرواية التالية.
    ج ١ ص ١٠١
  6. وعنه قال:
  7. انطلق رسول اللَّه ﷺ وأصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلتْ عليهم الشهب، فرجعَت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسِلتْ علينا الشهب. فقالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، [فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء؟! فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها] .

  8. فمر النفر الذين أخذوا نحو (تهامة) -وهو بـ (نخل) - عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء.

  9. فرجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) ﴾، فأوحى اللَّه إلى نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾.

  10. أخرجاه في "الصحيحين" (١) .

    1. (١)قلت: والسياق لمسلم (٢/ ٣٥ - ٣٦)، والزيادة له وللبخاري أيضًا، وقد أخرجه في "الصلاة" (٧٧٣) و"التفسير" (٤٩٢١)، وكذا أحمد (١/ ٢٥٢)؛ ثلاثتهم عن أبي عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وتابعه سماك عن سعيد بن جبير به نحو رواية أبي نعيم المتقدمة، واستدركه الحاكم (٢/ ٥٠٣) على الشيخين من طريق أبي عوانة، وتبعه الذهبي، فوهما.
    ج ١ ص ١٠٢
  11. وروى أبو بكر بن أبي شيبة عنه قال:
  12. إنه لم تكن قبيلة من الجن إلا ولهم مقاعد للسمع، فإذا نزل الوحي؛ سمعت الملائكة صوتًا كصوت الحديد ألقيتها على الصفا، قال: فإذا سمعت الملائكة خروا سجدًا، فلم يرفعوا رؤوسهم حتى ينزل، فإذا نزل؛ قال بعضهم لبعض: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ فإن كان مما يكون في السماء ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، وإن كان مما يكون في الأرض من: أمر الغيب، أو موتٍ، أو شيء مما يكون في الأرض تكلموا به، فقالوا: يكون كذا وكذا. فتسمعه الشياطين، فينزلونه على أوليائهم.

  13. فلما بُعِثَ النبي محمد ﷺ دُحِروا بالنجوم، فكان أول من علم بها ثقيف، فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه، فيذبح كل يوم شاة، وذو الإبل فينحر كل يوم بعيرًا، فأسرع الناس في أموالهم. فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا؛ فإن كانت النجوم التي يهتدون بها وإلا فإنه لأمر حدث. فنظروا؛ فإذا النجوم التي يُهتدَى بها كما هي لم يَزُلْ منها شيء، فكفوا.

  14. وصرف اللَّه الجن فسمعوا القرآن، ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾.

    ج ١ ص ١٠٣
  15. وانطلقت الشياطين إلى إبليس فأخبروه، فقال: هذا حَدَثٌ حَدَثَ في الأرض، فأتوني من كل أرض بتربة، فأتوه بتربة تِهامة، فقال: هاهنا الحدث.

  16. ورواه البيهقي والحاكم عن عطاء بن السائب (١) .

    1. (١)قلت: وهو ثقة من رجال البخاري، وكان اختلط.
  17. وثبت في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
  18. كان رسول اللَّه ﷺ جالسًا في نفر من أصحابه [من الأنصار] ، فَرُمي بنجم عظيم فاستنار، قال:

    "ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟ " .

    قال: كنا نقول: يولد عظيم، أو يموت عظيم - قال معمر: قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم؛ ولكن غلظت حين بعث النبي ﷺ قال: "فإنه لا يرمى بها لموت أحد، ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح هذه السماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماءً؛ حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويخطف الجن السمع

    ج ١ ص ١٠٤فيرمُون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون [فيه] ويزيدون " (١) .

    1. (١)قلت: أخرجه أحمد (١/ ٢١٨)، والسياق له، ومسلم (٧/ ٣٦ - ٣٧)، ولكنه زاد في السند: "قال: أخبرني رجل، وفي رواية: رجال من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار". واعلم أن الحديث لم يكن في الأصل بتمامه، وإنما طرفه الأول فقط نحوه إلى قوله: "ولكن"، وأحال في باقيه بقوله عقبه: "فذكر الحديث كما ذكرنا عند خلق السماء وما فيها من الكواكب في أول (بدء الخلق) ". يعني: (١/ ٦٧)، ولم يسق لفظه هناك مطلقًا، وإنما أحال به على حديث قبله، وهو حديث أبي هريرة الآتي بعده.