فصل في كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله ﷺ

١٧ فقرة، ج ١ ص ١٠٦

  1. قد تقدم كيفية ما جاءه جبريل في أول مرة، وثاني مرة أيضًا.

    ج ١ ص ١٠٦
  2. وعن عائشة رضي الله عنها :
  3. أن الحارث بن هشام سأل رسول اللَّه ﷺ قال: يا رسول اللَّه! كيف يأتيك الوحي؟ فقال:

    "أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ؛ ففينفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا يكلمني؛ فأعي ما يقول" .

    قالت عائشة رضي الله عنها :

    ولقد رأيته ﷺ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد؛ فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا.

  4. أخرجاه في "الصحيحين" ، وأحمد (١) .

    1. (١)البخاري (رقم ٢ و ٣٢١٥)، ومسلم (٧/ ٨٢)، وأحمد (٦/ ١٥٨ و ١٦٣ و ٢٥٧)، وأخرجه مالك في (القرآن)، والنسائي في (الافتتاح)، والترمذي في (المناقب)، وأبو نعيم في "الدلائل" (٧٢).
  5. وفي حديث الإفك قالت عائشة:

    فواللَّه؛ ما رام رسول اللَّه ﷺ ، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرحاء، حتى إنه كان يتحدَّر منه مثل الجُمان

    ج ١ ص ١٠٧من العرق -وهو في يوم شاتٍ- من ثقل الوحي الذي أنزل عليه (١) .

    1. (١)هو طرف من حديث عائشة لطويل في قصة الإفك؛ رواه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٨/ ١١٣ - ١١٨) وغيرهما، وسيسوقها المؤلف بتمامها في (غزوة بني المصطلق) من رواية ابن إسحاق، وله شاهد من حديث زيد بن ثابت مخرج في "الصحيحة" (٢٠٨٨).
  6. وفي "صحيح مسلم" وغيره عن عبادة بن الصامت قال:

    كان رسول اللَّه ﷺ إذا أنزل عليه الوحي كرب لذلك، وتربّد وجهه (٢) . (وفي رواية: وغمض عينيه، وكنا نعرف ذلك منه) .

    1. (٢)مسلم (٥/ ١١٥)، وفي (الفضائل) أيضًا، وأحمد (٥/ ٣١٧ و ٣١٨ و ٣٢١ و ٣٢٧)، وأبو نعيم (ص ٧٢)، وأما الرواية الأخرى فلم أجدها الأن؛ بل صح خلافها كما يأتي (ص ١٠٩).
  7. وفي "الصحيحين" (٣) حديث زيد بن ثابت حين نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] ، فلما شكى ابن أم مكتوم ضرارته نزلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.

    قال: وكانت فخذ رسول اللَّه ﷺ على فخذي، وأنا أكتب، فلما نزل الوحي كادت فخذه ترض فخذي.

    1. (٣)هذا وهم؛ فليس الحديث في "مسلم"، وهو ما صرح به المؤلف في "التفسير"، وهو عند البخاري (٤٥٩٢) عن زيد بن ثابت.
  8. وفي "صحيح مسلم" (٤) عن يعلى بن أمية قال: قال لي عمر:

    أيسرك أن تنظر إلى رسول اللَّه ﷺ وهو يوحى إليه؟ فرفع طرف الثوب عن وجهه

    ج ١ ص ١٠٨وهو يوحى إليه بـ (الجعرانة) ؛ فإذا هو محمر الوجه، وهو يغط كما يغط البَكر.

    1. (٤)في أول (كتاب الحج)، وصنيعه يشعر أنه من أفراد مسلم، وليس كذلك؛ فقد أخرجه البخاري أيضًا في أول (العمرة) (رقم ١٧٨٩)، وانظر: "مختصر البخاري" (٨٦٧).
  9. وثبت في "الصحيحين" (١) من حديث عائشة لما نزل الحجاب، وأن سودة خرجت بعد ذلك إلى (المناصع) (٢) ليلًا، فقال عمر: قد عرفناك يا سودة! فرجعت إلى رسول اللَّه ﷺ ، فسألته وهو جالس يتعشى والعَرْقُ (٣) في يده، فأوحى اللَّه إليه، [ثم رفع عنه] ، والعَرْق في يده [ما وضعه] ، ثم رفع رأسه فقال: "إنه قد أذن لَكُنَّ أن تخرجن لحاجتكن" .

    1. (١)هذا وهم أيضًا؛ فإنه من أفراد البخاري، لم يخرجه مسلم بهذا اللفظ، وهو ملفق من روايتين عند البخاري: الأولى في (الطهارة) (١٤٦)، والأخرى في (التفسير) (٤٧٩٥)، وهي أتم، وليس فيها ولا في غيرها: "ثم رفع رأسه"، والزيادتان منها، ورواها أحمد (٦/ ٥٦).
    2. (٢)زاد في الرواية الأولى: "وهو صعيد أفيح". قال الحافظ: "وهي أماكن معروفة من ناحية البقيع".
    3. (٣)["العَرْقُ": جَمْعُهُ عُرَاقٌ؛ وهي العِظامُ التي يُقْشَرُ عنها معظمُ اللحم ويبقى عليها بَقِيَّةٌ]. الناشر.
  10. فدل هذا على أنه لم يكن الوحي يغيب عنه إحساسه بالكلية؛ بدليل أنه جالس، ولم يسقط العَرْق أيضًا من يده؛ صلوات اللَّه وسلامه دائمًا عليه.

  11. وروى أبو يعلى عن الفَلَتان (٤) بن عاصم قال: كنا عند رسول اللَّه ﷺ وأُنزل

    ج ١ ص ١٠٩عليه، وكان إذا أُنزل عليه دام بصره وعيناه مفتوحة، وفرغ سمعه وقلبه لِمَا يأتيه من اللَّه عز وجل ، [فكنا نعرف ذلك منه] .

    1. (٤)الأصل: "العليان"، وفي "المجمع": "الغلبان"!! وكل ذلك خطأ، والتصويب من "الإصابة، و"الدر المنثور"، وقد تحرف هذا الاسم في حديث آخر على وجه آخر تقدم (ص ٧٤)، وقال الهيثمي: (٨/ ٩): "رواه أبو يعلى والبزار والطبراني، ورجال أبي يعلى ثقات"، ورواه ابن أبي شيبة أيضًا في "مسنده"، وصححه ابن حبان، وهو كما قال، والزيادة من "المجمع" وغيره، والحديث خلاف قوله في الرواية المتقدمة (ص ١٠٧): "وغمض عينيه".
  12. وروى أحمد وأبو نعيم عن أسماء بنت يزيد قالت:

    إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول اللَّه ﷺ إذ نزلت عليه (المائدة) كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة (١) .

    1. (١)"المسند" (٦/ ٤٥٥)، وإسناده حسن بما بعده، ورواه عبد بن حميد أيضًا، وابن جرير، وابن نصر في "الصلاة"، والطبراني، والبيهقي في "الشعب"؛ كما في "الدر".
  13. وروى أحمد أيضًا عن عبد اللَّه بن عمرو قال:

    أنزلت على رسول اللَّه ﷺ سورة (المائدة) وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها (٢) .

    1. (٢)"المسند" (٢/ ١٧٦)، وإسناده حسن بما قبله وبعده، وفي "المجمع" (٨/ ١٣): "رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، والأكثر على ضعفه، وقد يحسن حديثه، وبقية رجاله ثقات".
  14. وروى ابن مردويه عن أم عمرو عن عمها:
  15. أنه كان في مسير مع رسول اللَّه ﷺ ، فنزلت عليه سورة (المائدة) ، فاندَقَّ عنق الراحلة من ثقلها.

  16. وهذا غريب من هذا الوجه (٣) .

    1. (٣)قلت: لأن فيه صباح بن سهل، وهو ضعيف؛ كما قال الدارقطني وغيره، ولعل ذلك لا يضر حديثه في الشواهد كما هنا، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في "مسنده" والبغوي في "معجمه"، والبيهقي في "دلائل النبوة".
  17. ثم قد ثبت في "الصحيحين" نزول سورة (الفتح) على رسول اللَّه ﷺ مرجعه من الحديبية وهو على راحلته، فكان يكون تارة وتارة، بحسب الحال (١) . واللَّه أعلم.

    1. (١)قلت: ويمكن أن يقال: إن عدم ذكر الثقل في هذا الحديث لا يلزم منه أنه لم يقع في هذه القصة؛ بل من المحتمل أنه وقع فيها ثم لم يذكره الراوي لسبب ما؛ كما لم يذكر فيه الشدة المذكورة في بعض الأحاديث المتقدمة وغيرها؛ كحديث ابن عباس الآتي وحديث ابن مسعود قال: أقبلنا مع رسول اللَّه ﷺ من الحديبية. . . قال: وضلت ناقة رسول اللَّه ﷺ ، فطلبها، فوجدتُ حبلها قد تعلق بشجرة، فجئت بها إلى النبي ﷺ ، فركب مسرورًا، وكان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي اشتد ذلك عليه، وعرفنا ذاك فيه، قال: فتنحى منتبذًا خلفنا. قال: فجعل يغطي رأسه بثوبه، ويشتد ذلك عليه، حتى عرفنا أنه قد أُنزل عليه، فأتانا، فأخبَرَنا أنه قد أنزل عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. أخرجه أحمد (١/ ٤٦٤) بإسناد جيد.
    ج ١ ص ١١٠