فصل فيما اعترض به المشركون على رسول الله ﷺ وما تعنتوا له في أسئلتهم إياه أنواعا من الآيات وخرق العادات على وجه العناد لا على وجه طلب الهدى والرشاد
١٠ فقرات، ج ١ ص ١٥١
- ج ١ ص ١٥١
فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا، ولا ما بليه رغبوا؛ لعلم الحق سبحانه؛ أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم يعمهون، ولظلوا في غيهم وضلالهم يتردَّون.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) ﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١١] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧) ﴾ [يونس: ٩٦ و ٩٧] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩) ﴾ [الإسراء: ٥٩] .
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)
- ج ١ ص ١٥٢
أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) ﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣] .
-
وقد تكلمنا على هذه الآيات وما يشبهها في أماكنها من "التفسير" ، وللَّه الحمد.
- عن ابن عباس قال:
-
سأل أهل (مكة) رسول اللَّه ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن يُنَحِّيَ عنهم الجبال فيزدرعوا. فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم (١) . قال:
"لا؛ بل أستأني بهم" .
- (١)الأصل: "هلكوا كما أهلكت من قبلهم الأمم"، والتصويب من "المسند" و"المستدرك".
-
فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩) ﴾ [الإسراء: ٥٩] .
-
رواه أحمد والنسائي (٢) .
- (٢)"المسند" (١/ ٢٤٢)، وابن جرير أيضًا في "التفسير" (١٥/ ١٠٨)، والحاكم (٢/ ٣٦٢) وقال: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وأخرجه جمع آخر ذكرهم في "الدر المنثور" (٤/ ١٩٠)؛ منهم الضياء المقدسي في "المختارة"، وعند بعضهم زيادة: "من الأمم".
- ج ١ ص ١٥٣
وفي رواية لأحمد (١) عنه قال:
قالت قريش للنبي ﷺ : ادعُ لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك. قال: "وتفعلوا؟ " . قالوا: نعم.
قال: فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبًا، فمن كفر منهم بعد فلك أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة. قال:
"بل [باب] التوبة والرحمة" .
- (١)في "المسند" (١/ ٣٤٥)، وإسناده جيد كما قال المؤلف؛ بل هو صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير عمران أبي الحكم السلمي -واسم أبيه الحارث- فهو من رجال مسلم، ووقع في الأصل: "عمران بن حكيم"، وهو خطأ.
-
وإسناد كل منهما جيد.
-
وقد جاء مرسلًا عن جماعة من التابعين؛ منهم: سعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغير واحد.