فصل
١٢ فقرة، ج ١ ص ١٥٤
- ج ١ ص ١٥٤
قال ابن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول اللَّه ﷺ من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء (مكة) إذا اشتد الحر، من استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم.
-
فمنهم من يفق من شدة البلاء الذي يصيبهم، ومنهم من يصلُب لهم، ويعصمه اللَّه منهم.
-
وقد تقدم (١) حديث ابن مسعود:
أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد.
- (١)(ص ١٢١).
-
فأما رسول اللَّه فمنعه اللَّه بعمه، وأبو بكر منعه اللَّه بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدرع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا؛ إلا بلالًا؛ فإنه هانت عليه نفسه في اللَّه تعالى، وهان على قومه، فأخذوه، فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب (مكة) وهو يقول: أحد أحد.
-
وعن جابر: أن رسول اللَّه ﷺ مر بعمار وأهله وهم يعذبون، فقال:
"أبشروا آل عمار وآل ياسر! فإن موعدكم الجنة" .
- ج ١ ص ١٥٥
رواه البيهقي عن الحاكم (١) .
قلت: وفي مثل هذا أنزل اللَّه تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ (٢) وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ﴾ [النحل: ١٠٦] .
- (١)قلت: وقد أخرجه في "المستدرك" (٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩) من طريق أبي الزبير عن جابر، وقال: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا؛ إلا أن أبا الزبير مدلس، وقد عنعنه. وقد أخرجه عنه ابن سعد (٣/ ٢٤٩) من الطريق نفسها لم يذكر فيه جابرًا. وقد ذكره الهيثمي (٩/ ٢٩٣) من مسنده، وقال: "رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال "الصحيح"؛ غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوم، وهو ثقة". ثم ذكر له شاهدًا من حديث عثمان بن عفان مرفوعًا مثله. وقال: "رواه الطبراني، ورجاله ثقات".
-
فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ، أجارنا اللَّه من ذلك بحوله وقوته.
- وعن خباب بن الأرتّ قال:
-
كنت رجلًا قَينًا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا واللَّه؛ لا أقضيك حتى تكفر بمحمد! فقلت: لا واللَّه؛ لا أكفر بمحمد
ج ١ ص ١٥٦حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت؛ جئتني ولي ثَمَّ مالٌ وولدٌ فأعطيك، فأنزل اللَّه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٨٠] .
- (٢)هذه الآية نزلت في عمار اتفاقًا؛ كما قال الحافظ في "الإصابة"، وفي ذلك أحاديث كثيرة أوردها السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ١٣٢) كلها مرسلة؛ إلا حديث ابن عباس من رواية ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه؛ لكنه لم يسق إسناده، ولا تحدث عنه كما هي غالب عادته، ولقد وددت أن يكون صحيحًا لمناسبته القوية للباب، ولكن العلم ليس بالتمني، ومن تلك الأحاديث ما صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو من أوهامهما؛ كما كنت بينته في "تخريج فقه السيرة للغزالي" (ص ١٠٨).
-
أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم في "الصحيحين" (١) ، وفي لفظ البخاري:
كنت قينًا بـ (مكة) ، فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه. . . فذكر الحديث.
- (١)المسند (٥/ ١١٠ و ١١١)، والبخاري (٢٠٩١ و ٢٢٧٥ و ٢٤٢٥ و ٤٧٣٢ - ٤٧٣٥)، ومسلم (٢٧٩٥)، والترمذي (٥١٧٢) وصححه، وابن جرير (١٦/ ١٢٠).
-
وفي طريق أخرى (٢) له عنه قال:
أتيت النبي ﷺ وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو اللَّه؟ فقعد وهو محمر وجهه، فقال:
"لقد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب؛ ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليُتمّنَّ اللَّه هذا الأمر؛ حتى يسير الراكب من (صنعاء) إلى (حضرموت) ما يخاف إلا اللَّه عز وجل (زاد بيان: والذئب على، غنمه) " .
- (٢)رقم (٣٦١٢ و ٣٨٥٢ و ٦٦٤٣)، ورواه أبو داود أيضًا (٢٦٤٩)، وأحمد (٥/ ١٠٩ و ١١٠ و ١١١ و ٦/ ٣٩٥)، والحاكم (٣/ ٣٨٣).
-
وفي رواية: "ولكنكم تستعجلون" (٣) .
- (٣)(تنبيه): قلت: أورد المؤلف عقب هذا حديث خباب الآخر بلفظ: شكونا إلى النبي ﷺ = = شدة الرمضاء فما أشكانا. يعني: في الصلاة. وفي رواية: قال شعبة: يعني: في الظهيرة. ثم ادعى بأنه مختصر من حديثه الذي قبله، وهو أنهم شكوا إليه ﷺ ما يلقون من المشركين من التعذيب بحر الرمضاء. . . فوعدهم أن يدعو اللَّه عليهم، ولم ينجزه لهم. وأن هذا هو معنى: "فلم يشكنا"؛ أي: لم يدع لنا في الساعة الراهنة! ولا أدري لم أبعد هذا البعد في تأويله؛ وهو صريح بأنه مقيد بالصلاة في الظهيرة؟! وأصرح منه يواية مسلم (٦١٩): "شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ الصلاة في الرمضاء، فلم يشكنا". وفي أخرى له: "قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أفي الظهيرة؟ قال: نعم. قلت: أفي تعجيلها؟ قال: نعم". وزاد الطبراني: "وقال: إذا زالت الشمس فصلوا". ورجاله موثقون. وله عنده شاهد من حديث ابن مسعود: "شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ الصلاة بالهاجرة؛ فلم يشكنا". ورجاله ثقات؛ كما في "المجمع" (١/ ٣٠٥)، وليس من شرطه، فقد أخرجه ابن ماجه أيضًا (٦٧٦).