خروجه عليه الصلاة والسلام مع عمه أبي طالب إلى الشام وقصته مع بحيرى الراهب

٤ فقرات، ج ١ ص ٢٩

  1. روى الحافظ أبو بكر الخرائطي من طريق يونس بن أبي إسحاق (١) عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال:

    خرج أبو طالب إلى الشام ومعه رسول اللَّه ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب - يعني: بَحيرى- هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج ولا يلتفت إليهم. قال:

    فنزل وهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي ﷺ ، فقال: هذا سيد العالمين (وفي رواية البيهقي زيادة: هذا رسول رب العالمين؛ يبعثه اللَّه (٢) رحمة للعالمين).

    فقال له أشياخ من قريش: وما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجدون إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه.

    1. (١)الأصل: "يونس عن ابن إسحاق"، وعلى هامشه: "الأصل: أبي، وهو تحريف". وأقول: كل ذلك خطأ، والصواب ما أثبتنا، ولا علاقة لابن إسحاق بهذا الإسناد، فإنه ذكر القصة في "السيرة" بسياق آخر، وبدون إسناد! ويونس بن أبي إسحاق هذا -هو السبيعي- ثقة من رجال مسلم.
    2. (٢)الأصل: "بعثه"، والتصويب من "مستدرك الحاكم" (٢/ ٦١٥) وغيره.
    ج ١ ص ٢٩
  2. ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به -وكان هو في رعية الإبل- فقال:

    ج ١ ص ٣٠أرسلوا إليه. فأقبل وغمامة تظله، فلما دنا من القوم قال: انظروا إليه عليه غمامة! فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، قال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه.

    قال: فبينما هو قائم عليهم وهو ينشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه، فالتفت، فإذا هو بسبعة نفر من الروم قد أقبلوا، قال: فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس، وإنا أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: فهل خَلْفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: لا؛ إنما أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: أفرأيتم أمرًا أراد اللَّه أن يقضيه؛ هل يستطيع أحد من الناس رده؟ فقالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه عنده، قال:

    فقال الراهب: أنشدكم اللَّه أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب.

  3. فلم يزل يناشده حتى رده، وبعث معه أبو بكر بلالًا، وزوده الراهب من الكعك والزيت.

  4. وهكذا رواه الترمذي والحاكم والبيهقي وابن عساكر وغير واحد من الحفاظ، وقال الترمذي:

    "حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه" .

    قلت: فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة؛ فإن أبا موسى الأشعري إنما قدم في سنة خيبر سنة سبع من الهجرة، فهو مرسل، فإن هذه القصة كانت

    ج ١ ص ٣١ولرسول اللَّه ﷺ من العمر فيما ذكره بعضهم ثنتا عشرة سنة، ولعل أبا موسى تلقاه من النبي ﷺ فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم ، أو كان هذا مشهورًا مذكورًا أخذه من طريق الاستفاضة (١) .

    1. (١)قلت: ولمثل هذه الاحتمالات تقرير في مصطلح علم الحديث: أن مراسيل الصحابة حجة، وإعلال الحديث بأن فيه ذكر أبي بكر وبلال؛ وكان عمر أبي بكر إذ ذاك تسع سنين أو عشر؛ إنما هي دعوى مبنية على أن عمره ﷺ . يومئذٍ ثنتا عشرة سنة، وهذا غير محفوظ؛ فإنه إنما ذكره مقيدًا بهذا الواقدي كما قال المؤلف، والواقدي متروك متهم، فمن الممكن أن تكون القصة وقعت بعد ذلك بسنين، فلا يجوز إعلالها بمثل قول الواقدي المنكر. وقد بسطت القول في تصحيح الحديث والجواب عما أُعِلَّ به في "الرد على الدكتور البوطي" (ص ٦٢ - ٧٢)، وذكرت سبعة من الحفاظ سبقوني إلى تصحيحه، فراجعه.