٢ - أحداثها
٣ فقرات، ج ١ ص ٣٣٢
- ج ١ ص ٣٣٢
٥٣٩ - من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه من طريق يزيد بن أبي عبيد: قال: "سمعت سلمة بن الأكوع يقول خرجت قبل أن يؤذن بالأولى (١) . وكانت لقاح (٢) رسول الله ﷺ ترعى بذي قرد قال: فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال: أخذت لقاح رسول الله ﷺ فقلت: من أخذها؟ قال: غطفان، قال: فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه! قال: فأسمعت ما بين لابتي المدينة (٣) ، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم بذي قرد، وقد أخذوا يسقون من الماء فجعلت أرميهم بنبلي، وكنت راميًا وأقول:
أنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع (٤)
- (١)قبل أن يؤذن بالأولى: أي الصلاة الأولى يريد بها صلاة الصبح.
- (٢)لقاح: وأحدها لقحة وهي ذات اللبن قريبة العهد بالولادة.
- (٣)ما بين لابتي المدينة: اللابة: أكرة الأرض ذات الحجاره السوداء، والمدينة واقعة بين حرتين عظيمتين يريد أنه أسمع بصرخاته جميع أهل المدينة.
- (٤)يوم الرضع: معناه اليوم يوم هلاك اللئام.
-
فارتجز، حتى استنقذت (٥) اللقاح منهم، واستلبت منهم ثلاثين بردة، قال: وجاء النبي ﷺ والناس، فقلت: يا نبي الله! إني قد حميت (٦) القوم الماء، وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة. فقال: (يا ابن الأكوع! ملكت فاسجح) (٧) ، قال: ثم رجعنا، ويردفني رسول الله ﷺ على ناقته حتى دخلنا المدينة" (٨) .
٥٤٠ - ومن حديث إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه: في حديث طويل سبق ذكر أجزاء منه في صلح الحديبية سأشير إلى رقمها في التعليق على الحديث " … قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة، فنزلنا منزلًا، بيننا وبين بني لحيان جبل،
ج ١ ص ٣٣٣وهم المشركون (١) . فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقي هذا الجبل الليلة، كأنه طليعة للنبي ﷺ وأصحابه. قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا. ثم قدمنا المدينة، فبعث رسول الله ﷺ بظهره (٢) مع رباح غلام رسول الله ﷺ وأنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة، أنديه (٣) مع الظهر، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ ، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه، قال: فقلت: يا رباح خذ هذا الفرس، فأبلغه طلحة بن عبيد الله، وأخبر رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا على سرحه. قال: ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثًا: يا صباحاه، ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل. وأرتجز. أقول:
أنا ابن الأكوع .... واليوم يوم الرضع
فألحق رجلًا منهم. فأصك سهمًا في رحله، حتى خلص نصل السهم إلى كتفه، قال: قلت:
خذها وأنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع
قال: فوالله! ما زلت أرميهم وأعقر بهم" (٤) فهذا رجع إلى فارس أتيت شجرة، فجلست في أصلها ثم رميته، فعقرت به. حتى إذا تضايق الجبل، فدخلوا في تضايقه (٥) ، علوت الجبل، فجعلت أرديهم بالحجارة (٦) . قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه، ثم أتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحًا، يستخفون (٧) ولا يطرحون شيئًا إلا جعلت عليه آرامًا من
ج ١ ص ٣٣٤الحجارة، يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه، حتى أتوا متضايقًا من ثنية (١) ، فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري فجلسوا يتضحون (يعني يتغذون) وجلست على رأس قرن (٢) فقال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح (٣) . والله ما فارقنا منذ غليس. يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم. أربعة. قال: فصعد إلى منهم أربعة في الجبل. قال: فلما أمكنوني من الكلام. قال: قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع والذي كرم وجه محمَّد ﷺ لا أطلب رجلًا منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظن. قال: فرجعوا. فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر (٤) .
قال: فهذا أولهم الأخرم الأسدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذت بعنان الأخرم. قال: فولوا مدبرين. قلت: يا أخرم! احذرهم. لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته. فالتقى هو وعبد الرحمن، قال فعقر بعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول على فرسه. ولحق أبو قتادة، فارس رسول الله ﷺ بعبد الرحمن فطعنه فقتله، فوالذي كرم وجه محمَّد ﷺ لتبعتهم أعدو على رجلي، حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمَّد ﷺ ولا غبارهم، شيئًا، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء، يقال له ذو قرد، ليشربوا منه وهم عطاش، قال: فنظروا إلى أعدو وراءهم، فحليتهم عنه (٥) (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة.
قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية. قال: فأعدو فألحق رجلًا منهم، فأصكه
ج ١ ص ٣٣٥بسهم في نغض كتفه (١) . قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع، قال: يا ثكلته أمه! أكوعه بكرة (٢) . قال: قلت: نعم يا عدو نفسه! أكوعك بكرة. قال: وأرْدَوْا فرسين على ثنية. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ . وقال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن (٣) ، وسطيحة فيها ماء، فتوضأت وشربت.
- (٥)استنفذت: أنقذت.
- (٦)حميت القوم: منعتهم الماء.
- (٧)اسجح: احسن وارفق، والسجاحة السهولة.
- (٨)أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة ذات القرد رقم: ٤١٩٤، ومسلم في الجهاد والسير باب غزوة ذي قرد وغيرها حديث رقم: ١٨٠٦، وأبو داود في السنن رقم: ٢٧٥٢، وأحمد في المسند: ٤/ ٤٨، والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم: ٩٧٨، والبيهقي في دلائل النبوة: ٤/ ١٨٠ - ١٨١، وفي السنن: ١٠/ ٢٣٦، والطبراني في الكبير: ٦٢٨٤.
- (١)وهم المشركون: همّ أمر المشركين النبي ﷺ خوف أن يبيتوهم ويغيروا عليهم لقربهم منهم.
- (٢)ظهره: الظهر الإبل تعد للركوب وحمل الأثقال.
- (٣)أنديه: معناه أن يورد الماشية الماء فتسقي قليلًا ثم ترسل إلى المرعى، ثم ترد الماء فترد قليلًا ثم ترد إلى المرعى.
- (٤)أعقر بهم: أقتل رواحلهم.
- (٥)دخلوا في تضايقه: التضايق ضد الاتساع أي دخلوا في تضايقه أي المحل المتضايق منه بحيث استتروا به عنه فصار لا بيلغهم ما يرميهم به من السهام.
- (٦)أرديهم بالحجارة: أسقطهم عن رواحلهم بضربهم بالحجارة من أعلى الجبل.
- (٧)يستخفون: يطلبون الخفة.
- (١)الثنية: العقبة والطريق في الجبل.
- (٢)القرن: جبل صغير منقطع عن الجبل الكبير.
- (٣)البرح: الشدة.
- (٤)يتخللون الشجر: يدخلون من خلالها.
- (٥)حليتهم عنه: طردتهم عنه.
- (١)فغض: العظم الرقيق على طرف الكتف.
- (٢)يا ثكلته أمه، أكوعه بكرة: ثكلته أمه، فقدته، وقوله أكوعه بكرة: أي أنت الأكوع الذي كنت بكرة هذا النهار، ولهذا قال: نعم.
- (٣)سطيحة فيها مذقة من لبن: إناء من جلود سطح بعضها على بعض والمذقة قليل من لبن ممزوج بماء.
-
ثم أتيت رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حلأتهم عنه (٤) ، فإذا رسول الله ﷺ قد أخذ تلك الإبل، وكل شيء استنقذت من المشركين، وكل رمح وبردة، وإذا بلال نحو ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم، وإذا هو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها قال: قلت: يا رسول الله! خلني فأنتخب من القوم مائة رجل. فاتبع القوم، فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته.
قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجده (٥) في ضوء النار. فقال: (يا سلمة أتراك كنت فاعلًا؟) قلت: نعم. والذي أكرمك! فقال: (إنهم الآن ليقرون (٦) في أرض غطفان)، قال: فجاء رجل من غطفان فقال: نحو لهم فلان جزورًا، فلما كشفوا جلدها رأوا غبارًا. فقالوا: أتاكم القوم. فخرجوا هاربين، فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ (كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة) قال: ثم أعطاني رسول الله ﷺ : سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل. فجمعها لي جميعًا) ثم أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء. راجعين إلى المدينة".
- (٤)حلأتهم: أبعدتهم.
- (٥)نواجده: أنيابه.
- (٦)يقرون: يضافون. القرى: الضيافة.