٧ - هتاف العباس بالأنصار للعودة
٦ فقرات، ج ١ ص ٤٣٩
- ج ١ ص ٤٣٩
٦٩٢ - من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه : "شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين. فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ ، فلم نفارقه. ورسول الله ﷺ على بغلة له، بيضاء. أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي. فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار.
قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ . أكلفها إرادة أن لا تسرع. وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : (أي عباس! ناد أصحاب السمرة) (٢) فقال العباس: "وكان رجلًا صيتًا" (٣) فقلت: بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟
قال: فوالله! لكان عطفتهم حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولادها. فقالوا: يا لبيك؟ يا لبيك! قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار،
ج ١ ص ٤٤٠يقولون: يا معشر الأنصار! يا معشر الأنصار! ثم قصرت الدعوة علي بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج!، يا بني الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله ﷺ ، وهو على بغلته، كالمتطاول عليها، إلى قتالهم، فقال رسول الله ﷺ : (هذا حين سمي الوطيس) (١) .
قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات، فرمي بهن وجوه الكفار. ثم قال: (انهزموا، ورب محمد!) قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى. قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته. فما زلت أرى حدّهم كليلًا (٢) وأمرهم مدبرًا " (٣) .
قال النووي رحمه الله "قال العلماء: في هذا الحديث دليل على أن فرارهم لم يكن بعيدًا، وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم، وإنما فتحه عليهم من في قلبه مرض من مسلمة أهل مكة المؤلفة ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا، وإنما كانت هزيمتهم فجأة لانصبابهم عليهم دفعة واحدة، ورشقهم بالسهام، ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يستقر الإيمان في قلبه، وممن يتربص بالمسلمين الدوائر، وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة، فتقدم أخفاؤهم، فلما رشقوهم بالنبل ولوا، فانقلبت أولاهم على أخراهم إلى أن أنزل الله سكينته على المؤمنين، كما ذكر الله تعالى في القرآن " (٤) .
- (٢)أصحاب السمرة: هي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان. ومعناه: ناد أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية.
- (٣)صيتًا: قوي الصوت.
- (١)هذا حين حمي الوطيس: الضرب في الحرب.
- (٢)حدهم كليلًا: ما زلت أرى قوتهم ضعيفة.
- (٣)أخرجه مسلم في الجهاد باب في غزوة حنين حديث رقم: ١٧٧٥، وأحمد في المسند: ٧/ ٢٠١، وعبد الرزاق في المصنف حديث رقم: ٩٧٤١، وابن هشام في السيرة: ٢/ ٤٤٤، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٢٧، ٣٢٨، والنسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم: ٥١٣٤.
- (٤)شرح صحيح مسلم النووي: ١٢/ ١١٥.
-
٦٩٣ - من حديث أنس رضي الله عنه قال: "التقى يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة، واشتد القتال فولوا مدبرين، فندب رسول الله ﷺ الأنصار فقال: (يا معشر المسلمين أنا رسول الله) فقالوا: إليك والله جئنا، فنكسوا رؤوسهم، ثم قاتلوا حتى فتح الله عليهم" (٥) .
- (٥)أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٤٨، وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
-
وقد جاء في أحاديث المفاجأة والهزيمة، وثبات النبي ﷺ فوائد كثيرة ذكرها
- الحافظ في الفتح منها:
-
وفي الحديث (يعني حديث البراء بن عازب في ثبات النبي) من الفوائد: حسن الأدب في الخطاب، والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب، وذم الإعجاب، وفيه جواز الانتساب إلى الآباء ولو ماتوا في الجاهلية، والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب، ومثله الرخصة في الخيلاء في الحرب دون غيرها، وجواز التعرض إلى الهلاك في سبيل الله، ولا يقال كان النبي ﷺ متيقنًا للنصر لوعد الله تعالى له بذلك، وهو حق؛ لأن أبا سفيان بن الحارث قد ثبت معه آخذًا بلجام بغلته، وليس هو على اليقين مثل النبي ﷺ .
-
وفيه ركوب البغلة إشارة إلى مزيد الثبات، لأن ركوب الفحولة مظنة الاستعداد للفرار والتولي، وإذا كان رأس الجيش قد وطن نفسه على عدم الفرار، وأخذ بأسباب ذلك كان ذلك أدعى لاتباعه على الثبات، وفيه شهرة الرئيس نفسه في الحرب مبالغة في الشجاعة وعدم المبالاة بالعدو " (١) .
- (١)فتح الباري: ٨/ ٣٢.