١٨ - مقولة الأنصار في تقسيم الغنائم وخطاب النبي لهم
١٠ فقرات، ج ١ ص ٤٥٣
- ج ١ ص ٤٥٣
لقد جاءت هذه المقولة من حديث عبد الله بن زيد، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة رضي الله عنهم ، ورواياتهم بعضها فيها طول وبعضها فيها اختصار، وسنوردها جميعًا لأن كل حديث من هذه الأحاديث فيه ما ليس في الآخر:
٧١٥ - من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه : "أن رسول الله ﷺ لما فتح حنينًا قسم الغنائم، فأعطى المؤلفة قلوبهم، فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا ما أصاب الناس فقام رسول الله ﷺ ، فخطبهم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟ وعالة (٢) فأغناكم
ج ١ ص ٤٥٤الله بي؟ ومتفرقين (١) فجمعكم الله بي) ويقولون: الله ورسوله أمنُّ. فقال: (ألا تجيبوني؟) فقالوا: الله ورسوله أمن. فقال: (أما إنكم لو شئتم أن تقولوا كذا وكذا) ، وكان من الأمر كذا وكذا " لأشياء عددها. زعم عمرو أن لا يحفظها.
فقال: (ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء (٢) والإبل، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ الأنصار شعار والناس دثار (٣) ، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وشعبًا، لسلكت وادي الأنصار وشعبهم. إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) (٤) اللفظ لمسلم.
- (٢)عالة: أي فقراء.
- (١)متفرقين: متدابرين يعادي بعضكم بعضًا.
- (٢)الشاء: جمع شاه وهي الغنم.
- (٣)الأنصار شعار والناس دثار: قال أهل اللغة: الشعار الثوب الذي يلي الجسد، والدثار فوقه ومعناه الأنصار هم البطانة والخاصة والأصفياء وألصق الناس بي من سائر الناس.
- (٤)أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الطائف حديث رقم: ٤٣٣٠، مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم حديث رقم: ١٠٦١، وأحمد: ٤/ ٤٢.
-
٧١٦ - من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "إن أناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين، حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء (٥) ، فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالًا من قريش. المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشًا، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم! " (٦) .
قال أنس بن مالك: فحدث ذلك رسول الله ﷺ ، من قولهم. فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم (٧) . فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: (ما حديث بلغني عنكم) فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا، يا رسول الله! فلم يقولوا شيئًا. وأما أناس منا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسوله، يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم!
ج ١ ص ٤٥٥فقال رسول الله ﷺ : (فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم (١) . أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم (٢) برسول الله ﷺ ؟ فوالله! لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به) فقالوا: بلى يا رسول الله! قد رضينا. قال: (فإنكم ستجدون أثَرةً شديدة (٣) ، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله. فإني على الحوض). قالوا: سنصبر.
قال أنس: فلم نصبر " وفي لفظ آخر له: " قال: جمع رسول الله ﷺ الأنصار، فقال: (أفيكم أحد من غيركم؟ فقالوا: لا. إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله ﷺ : إن ابن أخت القوم منهم) .
فقال: (إن قريشًا حديث عهد بجاهلية (٤) ومصيبة. وإني أردت أن أجبرهم (٥) وأتألفهم. أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم. لو سلكت الناس واديًا، وسلك الأنصار شعبًا (٦) ، لسلكت شعب الأنصار) (٧) .
- (٥)ما أفاء: ما غنم من هوازن بعد هزيمتهم.
- (٦)أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الطائف حديث رقم: ٤٣٣١، مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإِسلام حديث رقم: ١٠٥٩/ ١٣٢، أحمد: ٣/ ١٦٩، ١٧٢، ١٨٨، ٢٤٦، ٢٤٩.
- (٧)قبة من أدم: القبة من الخيام: بيت صغير مستدير والأدم الجلد.
- (١)أتألفهم: أستميل قلوبهم بالإحسان ليثبتوا على الإِسلام رغبة في المال.
- (٢)رحالكم: منازلكم.
- (٣)أثرة شديدة: الأثرة: الاستتثار: أي يستأثر عليكم ويفضل عليكم غيركم بغير حق.
- (٤)حديث عهد بجاهلية: كانوا قريب عهد بجاهلية. أي أن زمانهم قريب من زمان الكفر.
- (٥)أجبرهم: أي أفعل معهم ما ينجبر به خاطرهم وينسيهم مصيبتهم.
- (٦)وسلك الأنصار شعبًا: قال الخليل: الشعب هو ما انفرج عن بين جبلين.
- (٧)أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الطائف حديث رقم: ٤٣٣٤، مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم حديث رقم: ١٠٥٩/ ١٣٣، وأحمد في فضائل الصحابة: ١٤٣١، وفي المسند: ٣/ ١٦٥ - ١٦٦.
-
٧١٦ - من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا، في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم المقالة (٨) حتى قال قائلهم: لقد لقي والله رسول الله ﷺ قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يك في هذا
ج ١ ص ٤٥٦الحي من الأنصار منها شيء. قال: (فأين أنت من ذلك يا سعد؟) قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي، قال: (فأجمع لي قومك في هذه الحظيرة) (١) .
قال: فخرج سعد، فجمع الأنصار في تلك الحظيرة. قال: فجاء رجال من المهاجرين، فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فرده. فلما اجتمعوا له أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول ﷺ ، فحمد لله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: (يا معشر الأنصار: ما قالة بلغتني عنكم، وجدة (٢) وجدتموها علي في أنفسكم؟ الم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة (٣) فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم!) قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل.
ثم قال: (ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟) قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. قال ﷺ : (أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم، ولصُدقتم: أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولًا (٤) فنصرناك، وطريدًا فآويناك. وعائلًا فآسيناك (٥) ؟
- (٨)المقالة: الكلام الرديء.
- (١)الحظيرة: شبيه الزريبة التي تصنع للإبل والماشية لتمنعها، وتكف عنها العوادي.
- (٢)الموجدة: العتاب.
- (٣)عالة: جمع عائل: الفقير.
- (٤)مخذولًا: متروكًا.
- (٥)آسيناك: أعطيناك حتى جعلناك كأحدنا.
-
وجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة (٦) من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمَّد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا، وسلكت الأنصار شعبًا: لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار) (٧) .
- (٦)لعاعة: بقلة خضراء ناعمة شبه بها زهرة الدنيا ونعيمها.
- (٧)أخرجه أحمد: ٣/ ٧٦ - ٧٧ - ٨٩، ابن جرير: ٢/ ٣٦٠، ٣٦١ وعبد الرزاق في المصنف: ١١/ ٦٤، وأبو يعلى كما في مجمع الزوائد: ١٠/ ٣٠، وأسانيدهم صحيحة، ابن كثير في سيرته: ٣/ ٦٧٨، ٦٧٩، ابن هشام في السيرة: ٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩، وسنده صحيح.
- فوائد هذه القصة وعبرها:
-
ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح فوائد نفيسة استخلصها من هذه الحادثة وما قال الرسول ﷺ للأنصار، وما قالوا له، أذكرها لعظيم نفعها، وجزالة معانيها، ولما احتوته في طياتها من الخير العظيم، قال رحمه الله : وبعد شرحه حديث عبد الله بن زيد وبيانه للكثير من معانيه.
-
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: إقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحق عند الحاجة إليه، وحسن أدب الأنصار في تركهم المحاورة، والمبالغة في الحياء، وبين أن الذي نقل عنهم إنما كان عن شبانهم لا عن شيوخهم وكهولهم.
-
وفيه مناقب عظيمة لهم لما اشتمل من ثناء الرسول البالغ عليهم، وأن الكبير ينبه الصغير على ما يغفل عنه، ويوضح له وجه الشبهة ليرجع إلى الحق، وفيه المعاتبة واستعطاف المعاتب وإعتابه عن عتبه بإقامة حجة من عتب عليه، والاعتذار والاعتراف.
-
وفيه علم من أعلام النبوة لقوله: "ستلقون بعدي أثرة " فكان كما قال. وقد قال الزهري في روايته عن أنس في آخر الحديث قال أنس فلم يصبروا " وفيه أن للإمام تفضيل بعض الناس على بعض في مصارف الفيء، وأن له أن يعطي الغني منه للمصلحة، وأن من طلب حقه من الدنيا لا عتب عليه في ذلك.
-
وفيه مشروعية الخطبة عند الأمر الذي يحدث سواءً كان خاصًّا أم عامًّا، وفيه تسلية من فاته شيء من الدنيا مما حصل له من ثواب الآخرة، والحض على طلب الهداية والألفة والغنى وأن المنة لله ورسوله على الإطلاق، وتقديم جانب الآخرة على الدنيا، والصبر عما فات منها ليدخر ذلك لصاحبه في الآخرة، والآخرة خير وأبقى" (١) .
- (١)فتح الباري: ٨/ ٥٢.