فوائد قصة الذين خلفوا

١١ فقرة، ج ١ ص ٤٩٠

  1. وقد استنبط العلماء من هذا الحديث في توبة كعب بن مالك وصاحبيه، فوائد جمة ذكر كثيرًا منها ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد، وذكر ابن حجر العسقلاني في الفتح فصلًا مفيدًا كثير الفوائد.

    قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ٨/ ١٢٣ - ١٢٤، ما نصه: "وفي قصة كعب من الفوائد غير ما تقدم (يعني في أثناء شرح الحديث) :

    جواز طلب أموال الكفار من ذوي الحرب، وجواز الغزو في الشهر الحرام، والتصريح بجهة الغزو إذا لم تقتض المصلحة ستره، وإن الإِمام إذا استنفر الجيش عمومًا لزمهم النفير ولحق اللوم بكل فرد لو تخلف.

    وقال السهيلي: إنما اشتد الغضب على من تخلف وإن كان الجهاد فرض كفاية

    ج ١ ص ٤٩١لكنه في حق الأنصار خاصة فرض عين، لأنهم بايعوا على ذلك ومصداق ذلك قولهم وهم يحفرون الخندق:

    نحن الذين بايعوا محمدًا … على الجهاد ما بقينا أبدًا

    فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرة، لأنها كالنكث لبيعتهم، كذا قال ابن بطال. قال السهيلي: ولا أعرف له وجهًا غير الذي قال.

    قلت: وقد ذكرت وجهًا غير الذي ذكره ولعله أقعد، ويؤيده قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية. وعند الشافعية وجه أن الجهاد كان فرض عين في زمن النبي ﷺ ، فعلى هذا فيتوجه العتاب على من تخلف قطعًا، وفيها أن العاجز عن الخروج بنفسه أو بماله لا لوم عليه، واستخلاف من يقوم مقام الإِمام على أهله والضعفة.

    ج ١ ص ٤٩٠
  2. وفيها ترك فتل المنافقين، ويستنبط منه ترك قتل الزنديق إذا أظهر التوبة.

  3. وأجاب من أجازه بأن الترك كان في زمن النبي ﷺ لمصلحة التأليف على الإِسلام، وفيها عظم أمر المعصية، وقد نبه الحسن البصري على ذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم عنه قال: يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالًا حراماَ، ولا سفكوا دمًا حرامًا ولا أفسدوا في الأرض، أصابهم ما سمعتم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر).

  4. وفيها أن القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ الضعيف في الدين، وجواز إخبار المرء عن تقصيره، وتفريطه، وعن سبب ذلك وما آل إليه أمره تحذيرًا ويضمه لغيره، وجواز مدح المرء بما فيه من الخير إذا أمن الفتنة، وتسلية نفسه بما لم يحصل له بما وقع لنظيره، وفضل أهل بدر والعقبة، والحلف للتأكيد من غير استحلاف، والتورية عن المقصد، ورد الغيبة. وجواز ترك وطء الزوجة مدة.

  5. وفيه أن المرء إذا لاحت له فرصة في الطاعة فحقه أن يبادر إليها، ولا يسوف بها لئلا يحرمها كما قال تعالى ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ ومثله قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ونسأل الله تعالى أن يلهمنا المبادرة إلى طاعته، وأن لا يسلبنا ما خولنا من نعمته.

  6. وفيها جواز تمني ما فات من الخير، وأن الإِمام لا يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور بل يذكره ليراجع التوبة، وجواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حمية لله ورسوله، وفيها جواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الراد وهم الطاعن أو غلطه.

    ج ١ ص ٤٩٢
  7. وفيها أن المستحب للقادم أن يكون على وضوء، وأن يبدأ بالمسجد قبل بيته فيصلي ثم يجلس لمن يسلم عليه، ومشروعية السلام على القادم وتلقيه، والحكم الظاهر، وقبول المعاذير واستحباب بكاء العاصي أسفًا على ما فاته من الخير، وفيها إجراء الأحكام على الظاهر، ووكول السرائر إلى الله تعالى، وفيها ترك السلام على من أذنب، وجواز هجره أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق الثلاث فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيًّا، وأن القسم قد يكون عن غضب كما يكون عن تعجب ولا يختص بالسرور. ومعاتبة الكبير أصحابه ومن يعز عليه دون غيره، وفيها فائدة الصدق وشؤم عاقبة الكذب.

  8. وفيها العمل بمفهوم اللقب إذا حفته قرينة، لقوله ﷺ لما حدثه كعب (أما هذا فقد صدق) فإنه يشعر بأن من سواه كذب، لكن ليس على عمومه في حق كل أحد سواه؛ لأن مرارة وهلال أيضًا قد صدقا فيختص الكذب بمن حلف واعتذر لا بمن اعترف، ولهذا عاقب من صدق بالتأديب الذي ظهرت فائدته عن قرب، وأخر من كذب للعقاب الطويل، وفي الحديث الصحيح (إذا أراد الله بعبد خيرًا عجل له عقوبته في الدنيا، وإذا أراد به شرًّا أمسك عنه عقوبته فيرد القيامة بذنوبه) وقيل إنما غلظ في حق هؤلاء الثلاثة لأنهم تركوا الواجب عليهم من غير عذر، ويدل عليه قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ وقول الأنصار:

    نحن الذين بايعوا محمدًا … على الجهاد ما بقينا أبدًا

    وفيها تبريد حر المصيبة بالتأسي بالنظير، وفيها عظم مقدار الصدق في القول والفعل، وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرهما به، وأن من عوقب بالهجز يعذر عن التخلف عن صلاة الجماعة، لأن مرارة وهلالًا لم يخرجا من بيوتهما تلك المدة، وفيها سقوط السلام على المهجور عمن سلم عليه، إذ لو كان واجبًا لم يقل كعب: هل حرك شفتيه برد السلام، وفيها جواز دخول المرء

    ج ١ ص ٤٩٣دار جاره أو صديقه بغير إذنه ومن غير الباب إذا علم رضاه.

  9. وفيها أن قول المرء الله ورسوله أعلم، ليس بخطاب ولا كلام ولا يحنث به من حلف أن لا يكلم الآخر إذا لم ينو به مكالمته دائمًا، وإنما قال أبو قتادة ذلك لما ألح عليه كعب، وإلا فقد تقدم أن رسول ملك غسان لما سأل عن كعب، جعل الناس يشيرون له إلى كعب، ولا يتكلمون بقولهم مثلًا هذا كعب مبالغة في هجره والإعراض عنه.

  10. وفيها أن مسارقة النظر في الصلاة لا تقدح في صحتها، وإيثار طاعة الرسول على مودة القريب، وخدمة المرأة زوجها، والاحتياط لمجانبة ما يخشى الوقوع فيه، وجواز تحريق ما فيه اسم الله للمصلحة.

  11. وفيها مشروعية سجود الشكر والاستباق إلى البشارة بالخير وإعطاء البشير أنفس ما يحضر الذي يأتيه بالبشارة وتهنئة من تجددت له نعمة، والقيام إليه إذا أقبل، واجتماع الناس عند الإِمام في الأمور المهمة، وسروره بما يسر أتباعه، ومشروعية العارية، ومصافحة القادم والقيام له، والتزام المداومة على الخير الذي ينتفع به، واستحباب الصدقة عند التوبة، وأن من نذر الصدقة بكل ما له لم يلزمه إخراجه جميعه".