١٠ - قوله عليه السلام ايتوني بكتاب أكتب لكم

٦ فقرات، ج ١ ص ٥٦١

  1. ٨٨١ - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "يومُ الخميس! وما يوم الخميس! ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. فقلت (٢) : يا ابن عباس! وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه. فقال: "ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعدي" فتنازعوا، وما ينبغي عند نبي تنازع. وقالوا: ما شأنه؟ أهَجَرَ؟ استفهموه. قال: "دعوني. فالذي أنا فيه خير، أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم" . قال: وسكت عن الثالثة. أو قالها فنسيتها " (٣) .

    1. (٢)القائل: هو سعيد بن جبير.
    2. (٣)أخرجه البخاري في العلم باب كتابة العلم: ١١٤، والجهاد باب هل يستشفع إلى أهل الذمة: ٣٠٥٣، والجزية باب إخراج اليهود من جزيرة العرب: ٣١٦٨، والمغازي باب مرض النبي ووفاته: ٤٤٣١، ٤٤٣٢، والمرض: ٥٦٦٩، والاعتصام باب كراهية الاختلاف: ٧٣٦٦، ومسلم في الوصية باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه: ١٦٣٧، وأبو داود في الخراج والإمارة والفيء باب إخراج اليهود من جزيرة العرب: ٣٠٢٩، وعبد الرزاق برقم: ٩٧٥٧، والحميدي: ٥٢٦، وأحمد في المسند: ١/ ٢٢٢، ٣٢٤ - ٣٢٥, ٣٥٥، جميعًا من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
    ج ١ ص ٥٦١
  2. وفي رواية "لما حُضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب. فقال النبي ﷺ "هلمَّ أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده" . فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت، فاختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله

    ج ١ ص ٥٦٢- ﷺ كتابًا لن تضلوا بعده. ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : "قوموا" .

    قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم ".

    وقال النووي في شرح صحيح مسلم: ١١/ ٩٠ ما نصه: "اعلم أن النبي معصوم من الكذب، ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته، وحال مرضه، ومعصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، وليس معصومًا من الأمراض والأسقام العارضة للأجسام ونحوها. مما لا نقص فيه لمنزلته، ولا فساد لما تمهد من شريعته، وقد سُحِر ﷺ حتى صار يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله، ولم يصدر منه ﷺ في هذا الحال كلام في الأحكام مخالف لما سبق من الأحكام التي قررها، فإذا علمت ما ذكرناه، فقد اختلف الأحكام مخالف لما سبق من الأحكام التي قررها، فإذا علمت ما ذكرناه فقد اختلف العلماء في الكتاب الذي هم النبي ﷺ به. فقيل: أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين لئلا يقع فيه نزاع وفتن، وقيل: أراد كتابًا يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة ليرتفع النزاع فيها، ويحصل الاتفاق على المنصوص عليه.

  3. وكان النبي ﷺ هم بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحي إليه بذلك ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك ونسخ ذلك الأمر الأول.

  4. وأما كلام عمر رضي الله عنه فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره. لأنه خشي أن يكتب ﷺ أمورًا ربما عجزوا عنها، واستحقوا العقوبة عليها, لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها. فقال عمر: حسبنا كتاب الله، لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾.

  5. وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فعلم أن الله تعالى أكمل دينه، فأمن الضلال على الأمة.

  6. وأراد الترفيه على رسول الله ﷺ ، فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه ".

    قال الخطابي: "ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على

    ج ١ ص ٥٦٣رسول الله ﷺ ، أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال. لكنه لما رأى ما غلب على رسول الله ﷺ من الوجع وقرب الوفاة، مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدين. وقد كان أصحابه ﷺ يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف، وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش. فأما إذا أمر النبي ﷺ بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد منهم).

    وقال القاضي عياض: قوله: " (أهجر رسول الله ﷺ ) ، هكذا هو في صحيح مسلم وغيره: أهجر؟ على الاستفهام وهو أصح من رواية من روى هجر يهجر. لأن هذا كله لا يصح منه ﷺ . لأن معنى هجر هذى. وإنما جاء هذا من قائله استفهامًا للإنكار على من قال: لا تكتبوا. أي لا تتركوا أمر رسول الله ﷺ وتجعلوه كأمر من هجر في كلامه، لأنه ﷺ لا يهجر. وقول عمر رضي الله عنه : حسبنا كتاب الله، رد على من نازعه، لا على أمر النبي ﷺ " .