٣٨ - ميراث النبي صلى الله عليه وسلم
١١ فقرة، ج ١ ص ٥٨٥
- ج ١ ص ٥٨٥
٩٢٥ - من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "إن رسول الله ﷺ قبض وهو ابن ثلاث وستين" (١) .
وقال الحافظ في الفتح: ٨/ ١٥١: والحاصل أن كل من روى عنه من الصحابة ما يخالف المشهور -وهو ثلاث وستون- جاء عنه المشهور، وهم ابن عباس وعائشة وأنس ولم يختلف على معاوية أنه عاش ثلاثًا وستين، وبه جزم سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد، وقال أحمد: وهو المثبت عندنا).
وقال الحافظ ابن كثير في السيرة: ٤/ ٥١٥ "ورواية الجماعة عن ابن عباس في ثلاث وستين أصح، فهم أوثق وأكثر، وروايتهم توافق الرواية الصحيحة عن عروة عن عائشة، وإحدى الروايتين عن أنس، والرواية الصحيحة عن معاوية، وهو قول سعيد بن المسيب وعامر الشعبي وأبي جعفر محمَّد بن علي رضي الله عنهم ، قلت: وعبد الله بن عقبة والقاسم بن عبد الرحمن، والحسن البصري وعلي ابن الحسن وغير واحد" .
- (١)أخرجه البخاري في المناقب باب وفاة النبي ﷺ : ٣٥٣٦، ومسلم في الفضائل باب كم سن النبي ﷺ يوم قبض: ٢٣٤٩، والترمذي في المناقب باب في سن النبي ﷺ وابن كم حين مات: ٣٦٥٥، وعبد الرزاق في المصنف: ٦٧٩١، وأحمد في المسند: ٦/ ٩٣، وقد جاء هذا الحديث من حديث ابن عباس وأخرجه مسلم ٢٣٥١، والترمذي: ٢٦٥٣، والطيالسي: ٢/ ١١٥، رقم: ٢٣٩٧، ومن حديث أنس وقد أخرجه مسلم برقم: ٢٣٤٨، ومن حديث معاوية أخرجه مسلم: ٢٣٥٢، والترمذي في المناقب باب في سن النبي: ٣٦٥٣، والنسائي في وفاة النبي: ٣٨.
-
ولمن يريد المزيد فليراجع السيرة النبوية لابن كثير فقد فصل الروايات هناك وعرضها عرضًا جيدًا.
- ٣٨ - ميراث النبي ﷺ :
-
٩٢٦ - من حديث عائشة رضي الله عنها : "أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك. وما بقي من خمس خيبر.
فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة، إنما
ج ١ ص ٥٨٦يأكل آل محمد ﷺ في هذا المال " وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﷺ ، ولأعملن فيها، بما عمل به رسول الله ﷺ .
-
فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئًا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، قال: فهجرته. فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلًا، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها علي، وكان لعلي من الناس وجهة حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر: أن ائتنا. ولا يأتنا معك أحد (كراهية محضر عمر بن الخطاب) فقال عمر لأبي بكر: والله! لا تدخل عليهم وحدك. فقال أبو بكر: وما عساهم أن يفعلوا بي، إني والله لآتينهم. فدخل عليهم أبو بكر. فتشهد علي بن أبي طالب. ثم قال: إنا قد عرفنا يا أبا بكر! فضيلتك وما أعطاك الله. ولم ننفس عليك خيرًا ساقه الله إليك. ولكنك استبددت علينا بالأمر. وكنا نحن نرى لنا حقًّا لقرابتنا من رسول الله ﷺ . فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر.
-
فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده! لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي. وأما الذي شجر بيني وبينك من هذه الأموال، فإني لم آل فيها عن الحق. ولم أترك أمرًا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته. فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة. وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر. وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبي بكر، وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر، ولا إنكارًا للذي فضله الله به. ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيبًا، فاستبد علينا به، فوجدنا في أنفسنا، فسر المسلمون، وقالوا: أصبت، فكان المسلمون إلى علي قريبًا. حين راجع الأمر المعروف" (١) .
- (١)أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب غزوة خيبر: ٣٧١١، والمغازي باب غزوة خيبر: ٤٢٤٠ رقم: ٣٠٩٢، مسلم في الجهاد باب قول النبي: لا نورث ما تركنا فهو صدقة: ١٧٥٩ , وأحمد في المسند: ١/ ٦ , ٩.
-
٩٢٧ - من حديث مالك بن أوس قال: "أرسل إليّ عمر بن الخطاب، فجئته
ج ١ ص ٥٨٧حين تعالى النهار (١) قال: فوجدته في بيته جالسًا على سرير، مفضيًا إلى رماله (٢) متكئًا على وسادة من أدم. فقال لي: يا مال (٣) إنه قد دف أهل أبيات من قومك (٤) ، وقد أمرت فيهم برضخ (٥) فخذه فاقسمه بينهم. قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري؟. قال: خذه يا مالُ!
قال: فجاء يرفأ (٦) فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟ فقال عمر: نعم. فأذن لهم، فدخلوا، ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعليّ؟ قال: نعم. فأذن لهما.
فقال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الكذاب الآثم الغادر الخائن، فقال القوم: أجل. يا أمير المؤمنين! فاقض بينهم وارحهم. (فقال مالك بن أوس: يخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك) .
فقال عمر: اتئدا. أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة" قالوا: نعم. ثم أقبل على العباس وعلي فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمان أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركناه صدقة" قالا: نعم.
فقال عمر: إن -الله عز وجل كان خص رسوله ﷺ بخاصته لم يخصص بها أحد غيره. قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٧) (ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا) قال: فقسم رسول الله ﷺ بينكم أموال بني النضير، فوالله ما استأثر عليكم، ولا أخذها دونكم، حتى بقي هذا المال، فكان رسول الله ﷺ يأخذ منه نفقة سنة. ثم يجعل ما بقي أسوة المال. ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمون ذلك؟ قالوا:
ج ١ ص ٥٨٨نعم. ثم نشد عباسًا وعليًّا بمثل ما نشد به القوم: أتعلمان ذلك؟ قالا: نعم.
قال: فلما توفي رسول الله قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ فجئتما، تطلب ميراثًا من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها. فقال أبو بكر: قال رسول الله ﷺ "ما نورث. ما تركنا صدقة" فرأيتماه كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق.
- (١)تعالى النهار: ارتفع.
- (٢)مفضيًا: ليس بينه وبين رماله شيء.
- (٣)يا مال: ترخيم لمالك.
- (٤)دف أهل أبيات: جاءوا مسرعين للضر الذي نزل بهم.
- (٥)رضخ: عطية قليلة.
- (٦)يرفأ: حاجب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
- (٧)سورة الحشر: ٧.
-
ثم توفي أبو بكر، وأنا ولي رسول الله ﷺ وولي أبي بكر، فرأيتماني كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، والله يعلم إني لصادق بار راشد تابع للحق فوليتها. ثم جئتني أنت وهذا، وأنتما جميع، وأمركما واحد (١) : فقلتما: ادفعها إلينا. فقلت: إن شئت دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله ﷺ ، فأخذتماها بذلك. قال: أكذلك؟ قالا: نعم. قال ثم جئتماني لأقضي بينكما. ولا والله! لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فرداها إلي (٢) .
- (١)وأنتما جميع وأمركما واحد: أي متحد غير متنازع، وأمركما أي مطلوبكما واحد. وهو دفعي إياها إليكما.
- (٢)أخرجه البخاري في الخمس باب فرض الخمس: ٣٠٩٤، والفرائض باب قول النبي لا نورث ما تركنا صدقة: ٦٧٢٨، مسلم في الجهاد باب حكم الفيء: ١٧٥٧، وأبو داود في الخراج والإمارة باب في تدوين العطاء: ٢٩٦٣، ٢٩٦٤، ٢٩٦٥، والترمذي في السير باب ما جاء في تركة رسول الله ﷺ : ١٦١٠، والنسائي في الفيء: ٧/ ١٣٥ - ١٣٧، والحميدي برقم: ٢٢, وأحمد في المسند: ١/ ٤٧، ٤٨، ٤٩، ٦٠، ١٦٢، ١٦٤، ١٩١، ٢٠٨.
-
هذا آخر ما تيسر جمعه من صحيح مرويات سيرته عليه الصلاة والسلام من كتب السنة المشرفة، أسأل الله العلي العظيم أن ينفع بسيرته عباده، وأن يجعل ذلك في ميزان أعمالي يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
-
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
-
كتبه: إبراهيم محمَّد العلي