الفصل الأول: في إثبات العلم بالذات والأسماء والصفات
٢٧ فقرة، ج ١ ص ١٠٣
- ج ١ ص ١٠٣
...
-
القسم الثالث: في جمل الاعتقاد وهي أربعة فصول: الفصل الأول: في إثبات العلم بالذات والأسماء والصفات
جمل الاعتقاد المجمع عليها نقلها الخَلَفُ عن السلف، أجمع عليها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأئمة الأمصار من الفقهاء وأصحاب الحديث وأرباب الورع والتقوى المصنفين في علم الكتاب والسنة١،
ج ١ ص ١٠٤حجازاً ويمناً وشاماً وعراقاً وفارس١ وخراسان٢ وما وراء النهر٣ وثغور الشام٤ وأذربيجان٥ واران٦ وديار ربيعة ومضر٧ - أجمعوا أن الواجب
ج ١ ص ١٠٥على المكلف أن يعلم بقلبه ويقر بلسانه أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له١ قال الله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ٢ وقال تعالى: {وَالصَّافَّاتِ صَفّاً فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراًً إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ} ٣ وقال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} ٤ وقال تعالى: {وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} ٥.
-
- وأن الله تعالى حيٌّ، قال تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} ٦.
-
- وأنه تعالى قادرٌ، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ٧.
- ج ١ ص ١٠٦
- وأنه تعالى عالم، قال الله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} ١، وقال: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى} ٢، وقال: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ٣.
-
- وأنه مريدٌ، قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ٤ وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُم} ٥.
-
- وأنه سميع بصير قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ٦.
-
- وأنه متكلم، قال الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} ٧ وقال: {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} ٨.
-
- وأنه باق لم يزل ولا يزال] ١٠٠/ب [قال الله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} ٩.
-
- وأن له حياة وقدرة وعلماً وإرادة وسمعاً وبصراً وكلاماً
ج ١ ص ١٠٧وبقاءً، قال الله تعالى: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِِهِ} ١ وقال: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} ٢ وقال: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} ٣.
-
- وأنه موصوف بهذه الصفات على الحقيقة من غير مجاز من غير تكييف ولا تمثيل.
-
- وأن له أسماءً كما قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} ٤ الآية.
-
- وأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه نبيه صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه الثقات العدول مما جاء في الأخبار الصحيحة٥، لا مدخل
ج ١ ص ١٠٨للعقل والقياس في إثبات صفاته وأسمائه، بل طريق إثباتها التوقيف لا غير١.
-
- وأنه تعالى لم يزل كان موصوفاً بصفاته، مُسمًى بأسمائه، لم يستفد صفةً ولا اسماً من بعد، بل كان بذاته وصفاته وأسمائه الحسنى فيما لم يزل، كَهُوَ الآن فيما لا يزال٢.
-
- وأن ما ورد من الأخبار الصحيحة بنقل العدول الثقات تجرى على ظاهرها، ويؤمن بجميعها، ويوكل معانيها٣ إلى الله تعالى، من غير تمثيل ولا
ج ١ ص ١٠٩تكييف ويقال: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} ١.
-
ولا يقال فيها كيف٢؟ ولِمَ؟ ولا يقاس شيء منها بصفات المخلوقين، ولا تضرب لها الأمثال قال الله تعالى: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ٣. يكفي في جميع ذلك التصديق والتسليم والتنزيه مع الإثبات حسب مورده في الكتاب والسنة.
- ج ١ ص ١١٠
- وأجمعوا أن القرآن كلام الله عز وجل ووحيه وتنزيله غير مخلوق١، ولا محدث] ١٠١/أ [ولا مجهول، ولا مربوب، وأنه قرآن واحد، وهو باق لعينه تكلم الله به على الحقيقة، وأنه في صدورنا محفوظ، وفي ألسنتنا مقروء، وفي مصاحفنا مكتوب، وفي آذاننا مسموع، وهو الكلام الذي تكلم به٢ {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ
ج ١ ص ١١١حَمِيدٍ} ١. قال الله تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} ٢ وقال: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} ٣ وقال: {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ} ٤ وقال: {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} ٥ وقال: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} ٦ وقال: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّه} ٧ وقال: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} ٨ وقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ٩ وقال: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} ١٠.
-
فمن قال إنه مخلوق فهو كافر، قال الله تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} ١١ ففرَّق بينهما. وقال: {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ
ج ١ ص ١١٢الإِنْسَان} ١ ففرَّق بينهما، قال في القرآن {عَلَّمَ} وفي الإنسان {خَلَقَ} .
وقال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ٢ فلو كان قوله "كن" مخلوقة لاحتاج إلى قول آخر، وذلك القول إلى آخر، فيتسلسل ولا يتحصّل، [ومن قال به فهو ضال٣] .
-
- وأن القرآن موجود بين المسلمين [لا يرفعه] ٤ الله عنهم إلا إذا شاء كما روي في الخبر،. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو" ٥ أراد به المصحف.
-
- والمراء في القرآن كفر كما جاء في الخبر٦،ولا يجوز القول في القرآن بقياس ولا رأي ومعقول إلا بما جاء في القرآن أو صحَّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيه شيء، قال الله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه} ٧.
- ج ١ ص ١١٣
- وأن القول بالرأي في القرآن١ مذهب كفار قريش حيث جعلوا القرآن عضين٢، فقال بعضهم: ] ١٠١/ب [سحر٣، وقال بعضهم: شعر٤، وقال بعضهم: أساطير الأولين٥، وقال الوليد: إن هذا إلا قول
ج ١ ص ١١٤البشر١. فأخبر الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه شكا منهم، قال الله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} ٢ وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} ٣ وقال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَاب} ٤ وقال تعالى: {حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} ٥.
-
- وأنه سبحانه يحيي ويميت، ويبدئ ويعيد، يفعل ما يشاء إذا شاء كما شاء، لا اعتراض عليه في فعله ولا حجر عليه في أمره.
-
- وأن الإيمان والإسلام اسمان٦ بمعنىً واحد إذا جمع بينهما، فالمؤمنون هم المسلمون، والمسلمون هم المؤمنون،.
ج ١ ص ١١٥قال الله تعالى في الجمع: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ١.
وقال في التفرقة: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} ٢. وفي خبر مأثور: "الإسلام علانية، والإيمان في القلب" ٣.
- ج ١ ص ١١٦
روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحدٌ، حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه ثم قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام. قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت. فعجبنا له وهو يسأله ويُصدّقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. قال: صدقتَ..." ١.
-
- وأن الإيمان الشرعي قول وعمل ومعرفة بنص الخبر،٢ وله شُعب وأجزاء، يزيد بالطاعة] ١٠٢/أ [وينقص بالمعصية٣، قال أمير المؤمنين
ج ١ ص ١١٧علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الإيمان قول منقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول، واتباع الرسول" ١.
قال الله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} ٢ إلى غير ذلك من الأخبار والآيات.
-
- ولا نكفر مسلماً بارتكاب صغيرة ولا كبيرة ما دام عارفاً بالله موحّداً له٣. وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن مثل هذا الدين كمثل شجرة ثابتة، الإيمان أصلها، والزكاة فرعها، والصيام عروقها، والصلاة ماؤها، والتآخي في الله عز وجل نباتها، وحسن الخلق ورقها، والكف عن محارم الله عز وجل ثمرها، لا تكمل هذه الشجرة إلا بثمرة طيبة، وكذلك الإيمان لا يكمل إلا بالكف عن محارم الله عز وجل" ٤.
- ج ١ ص ١١٨
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام عشرة، أسهم وقد خاب من لا سهم له، شهادة أن لا إله إلا الله سهم وهو الملة، والثانية الصلاة وهي الفطرة، والثالثة الزكاة وهي الطُهرة، والرابعة الصوم وهو الجُنَّة، والخامسة الحجّ وهي الشريعة، والسادسة الجهاد وهي العروة، والسابعة الأمر بالمعروف وهي الوفاء، والثامنة النهي عن المنكر وهي الحُجَّة، والتاسعة الجماعة وهي الأُلفة، والعاشرة الطاعة وهي العصمة" ١.