فتاك الإسلام
٣٥ فقرة، ج ١ ص ٢١٢
- ج ١ ص ٢١٢
(قُرّان) بن يسار الفقعسي. (عقيبة) بن هبيرة أخو بني نصر بن
ج ١ ص ٢١٣قعين. (مالك) بن الريب المازني. (عبد الله) بن خازم السلمي.
-
(عبد الله) بن سَبرة الحرشي. (عبد الله) بن الحجاج الذبياني ثم التغلبي. (القتّال) وهو عبادة بن المحبب بن المضرحى الكلابي.
-
(عبيد الله) بن زياد بن ظبيان أخو بني تيم اللات بن ثعلبة بن عكابة.
-
(عمرو) بن أبجر بن عباد أخو بني تيم اللات أيضا. (عبيد الله) بن الحر الجعفي.
-
فأما (قرّان) بن يسار بن الحارث بن جحوان بن فقعس، فكانت عنده جارية من قومه حديثة السن يقال لهإ ليلى. وإنه كان في إبله.
-
فتعرب بها في يوم حار. فأصاب ظباء في غار، فذبحها وألقى ما فى بطونها. وطرق أهله في بعض الليل، فوجد غلمانا يلعبون وواحد منهم يقول: «بعين من هذه؟» فقال آخر: «بعين ليلى» . وكانت تلعب معهم. فأتي بيته فلم يجد ليلى فيه، ومعه وطابٌ فيها لبن، وتلك الظباء قد أروح بعضها. فوضعها، ثم اضطجع في بيته. فلم يلبث إلا قليلا حتى جاءت ليلى فدخلت من مؤخر البيت.
-
فوجدت ريح ذلك اللحم. فقالت: «اف! ما أنتن هذه الريح!» فظن قران أنها تعنيه. / فقال: «يا ليلى! أأن يجدع أنف المرأة أشد عليها أم أن يقطع عرقوبها؟» فقالت تخادعه عن أنفها: «لا بل أن يقطع
ج ١ ص ٢١٤عرقوبها. لأنها تصير عرجاء. وإن جدع أنفها انتقبت عليه فلم يره أحد، ولم يفطن له» . وامترقت من مؤخر البيت. وتبعها بسكين، فبله، فقطع عرقوبها. فتحاملت إلى بيت خالها الشمردل، وهو إلى جانب بيتها. واستغاثت عليه. فخرج القوم يطردونه. وخرج قران حتى سند إلى وشل في جبل لقومه يقال له اُحامر. فظل على ذلك الوشل يشرب من مائه وظل يرقب إبل الشمر دل أن تصدرو هي مائة لقوح، حتى صدرت عشية إلى ناحية الجبل. فانحدر، فلقيها حين غابت الشمس بواد من أرضهم يقال له الدهس. فأصاب الراعي يحلب ناقة منها ليفطر على لبنها، وكان صائما. فلم يشعر حتى ضرب قران عرقوبي الناقة فعقرها وهريقت علبته، وكان صائما.
-
فسبه الراعي وقال له: «لا جزاك الله خيرا» . ولا يرى أنه يصنع ما يصنع. فشد على الراعي فقتله. ثم مثل به، فقطع مذاكيره، فوضعها في فمه. ونفرت الابل حين رأت البارقة قليلا. ثم أخفى منها السيف وأيّه بها حتى سكنت. واسم الناقة المعقورة الكناز.
-
فسمي ذلك الفلق الذي عقرت به فلق الكناز. ثم دنا من الإبل وقد طلعت إلى فلق آخر. فدنا من ناقة يقال المغربة فعقرها.
-
وذلك الفلق يدعا فلق المغربة. ثم مالت بفلق واسع فصرفها فيه
ج ١ ص ٢١٥قليلا. ثم عقر منها ناقة يقال لها الجزلاء. فسمي ذلك الفلق/ فلق الجزلاء.
-
ثم لم يزل يسوقها قليلا قليلا ويؤيه بها إذا نفرت ويخبأ منها السيف حتى عقرها جمعا. وبقيت منها قلائص خمس كن في أوائل الابل حواشي بنات لبون. فطردهن في الليل حتى أقبلهن شعبا من احامر يقال له لحيا جمل. فعقر ثلاثا منهن بالنبل ِوعلق في الاخريين سهاما من سهامه. ثم عتكتا عليه فانحازِتا في الشعب. وخرج يطردهما.
-
فأما إحداهما فخرجت لمعهد الابل. وافترد بالأخرى حتى عقرها بفلق يقال له فلق ابنت الرقبا [١] . وبين معقر الإبل وهذا الفلق خمسة عشر ميلا. وخرجت القلوص الاخرى حتى صبحت الرباع قياما عند رؤوس امهاتها تحان والابل معقرة، قد مات بعضها. فلما وجدت ريح الدم ورأت العقرى خرجت تعدو إلى الماء. واتبعها الراعي. وهي مائة ربع، وقد تلطخت مذارعها ورؤوسها وأعناقها من دماء امهاتها. فوردت على الشمر دل. فخرجت بنو أعيا تعادي إلى الابل فنحروا أحياءها واقتسموا لحومها. وخرج قران حتى سند في أبان الأبيض وهو جبل بين بنى أسد وقيس وهو كثير الأروى وضروب الوحش والماء. فجعل يتبع الوحش فيرميها ويقتلها ويأكل من لحومها ويشرب من ذلك الماء. فبينا هو كذلك
ج ١ ص ٢١٦ذات يوم إذا هو بالنمر قد طلع عليه. فتعرض له كأنه يريده.
-
فانتّزع نبله فأراه إياها. فبسط النمر أظفاره فأراه إياها. فاستل قران سيفه فكشّر النمر عن أنيابه. ثم أغمد قران سيفه. فخرج/ النمر موليا. ومضى قران. فأتبعه النمر. فلما نظر إليه قران رجع النمر فمضى قران فرجع النمر فى أثره. فالتفت إليه قران. فولى النمر.
-
فعرف قران أنه يدعوه وقران يومئذ جائع قد أخفق من الصيد قبل ذاك. فأتبعه قران والنمر يمشى قدامه. فوجد أروية قد دق النمر عنقها. فذبحها قران والنمر ينظر حوزة منه. ثم اقتدح قران نارا، فاشتوى، وقطعها، وجعل يلوح على النار منها، ويرمي به إلى النمر.
-
ثم قدد بقيتها. فكانا كذلك. إذا اصطاد قران شيئا أطعم منه النمر.
-
وإذا قتل النمر شيئا أرشد إليه قران. وكان لهما ردهة يردانها. فان ورد النمر تأخر قران حتى يلغ من الماء ويتمرغ فيه، ثم يخرج فيصدر، ويرد قران. وإن ورد قران قبله تأخر النمر عنه حتى يشرب قران ويغتسل. فقال قران في ذلك، وكان لقران أخ بالشأم يقال له الجون بن يسار، وهو يصف النمر:
خليلاى! لا تجرى الحرابة بيننا ... شريعتنا لأينا جاء أول
ج ١ ص ٢١٧توكلَت الأروي لنا بطعامنا ... كلانا له منها شواء مرعبل
ولى صاحب فى الغار هدّل صاحبا ... أخى الجون إلا أنه لا يعلل
كلانا عدو لو يرى في عدوه ... مهزا وكل في العداوة مجمل
إذا ما التقينا كان أعلى كلامنا ... صمات وطرف كالمعابل أطحل
واستعدى الشمردل على بني فقعس، عثمان بن عفان وادعى أن الغلام الراعي حر، وأن إبله عقرت وقتل مولاه في الحرم. فغلظ عليهم عثمان.
-
فودوا المولى مائتين، وغرموا للشمر دل مائتين. فقال قران:
/ لزوار ليلى منكم آل برثن ... على الهول امضي من سليك المقانب
تزورونها ولا أزور نساءكم ... ألهف لأولاد الإماء الحواطب
يمشون في الكتان كل عشية ... إلى بيت ليلى مثل مشى المرازب
ج ١ ص ٢١٨كذبتم وبيت الله! لا تأمنوننى ... وأنتم لليلى بين زير وخاطب
وقال في عقره الابل:
بكل هبير بالقنان وصارة ... قديد لقد أشبعتكم ام عامر
بنوها جَزَوها البر واحتشدوا لها ... بأم حوار أو بوجناء عاقر
وقال حين قطع عرقوب ليلى.
قلت لهم بغّوا لليلى عصيّة ... تقوم عليها أو قناة من السدر
وفارقتُ ليلى عن قلى وتركتها ... كما ساء ليلى من كساد ومن عقر
وقال بعض بنى فقعس:
لم أر معقورا كليلى ولا أرى ... كقران مفروكا أبر وأعدلا
وأما (عقيبة) بن هبيرة بن ربيعة بن جذيمة بن مالك بن نصر بن قعين فانه كان جريئا ماضيا. وكانت له فتكات كثيرة واستخفاف
ج ١ ص ٢١٩بالسلطان. فحكى ابن الكلبي عن ابي سهل عن أبيه أن عقيبة كانت له بنية أو ربيبة. وكان له ابن عم يقال له تميم بن الأخثم. وكانت له بنية. ولعبت هي وابنة عقيبة. فكسرت ابنة تميم ثنية بنت عقيبة.
-
فذهب تميم، فجمع أشراف بني آسد، فأتى عقيبة فقال: «يا بن عم! إنه قد كان ما ترى. فدونك ابنتى/ فاكسر ثنيتها. وإن شئت فثنيتي.
-
وإن شئت فالعفو، وهي جارية بعد لم [١] تثغر وهو ينبت» . فقال القوم:
«أنصفك الرجل» . فقال: «والله لأقتلنه» . فأعادوا عليه. فأعاد عليهم مثل ذلك. فقالوا لتميم: «قم» ، وظنوا انه يلعب. وعرف تميم أنه فاعل، لفتكه وخبثه. فمكث تميم سنة يتحرز منه. فأمسى ذات يوم وهو صائم فصلى في مسجد قومه ثم دخل داره وأغفل الباب أن يغلقه. ودخل عليه عقيبة بالسيف فضربه حتى قتله.
-
وتصايح الناس. واُخذ عقيبة فرفع إلى مصعب بن الزبير. فسأله، فلم يجحد قتله. وكان لتميم ابن يقال له عنبسة فتى شاب. فأعطى منظور فيه دية وأعطى محمد بن عمير دية وأعطى قومه دية، فقالت ابنة تميم:
أعقيب، لا ظفرت يداك! ألم يكن ... درك بحقك دون قتل تميم؟
ج ١ ص ٢٢٠أعقيب، لو نبهته لوجدته ... كالسيف أهون وقعه التصميم
فلتتبعنك في العشيرة سبة ... ولتقتلن به وأنت ذميم
وقال عقيبة حين قتله:
خر صريعا فاغرا تمصل استه ... بحيث التقينا كالخوار المخرّق
فأعطى أبو سمال [١] مائة ألف درهم، فطمع عنبسة في أخذ الدية فخرجت بنت لتميم حاسرا وهي تقول:
إن يقتل عقيبة يال قوم ... نسرّ معاشرا ونسل دآءا
وإن يسلم عقيبة يال قوم ... نكن خدما لعقبة أو إماء
/ لحى الله التي تجتاب منا ... وعقبة سالم أبدا رداء
ج ١ ص ٢٢١فلما سمع القوم قولها وقد كانوا ركنوا إلى الصلح أحفظهم قولها ورجعوا عن الصلح. فدفعه مصعب إليهم. وجلس مصعب يومئذ في صحن المسجد واجتمع الناس فقال عقيبة لبنت تميم حين أيقن [١] بالقتل: «والله لقد ضربت أباك ضربة نظرت إلى الثريا في سلحة.» فقالت: «والله لتضربن ضربة أنظر إلى بنات نعش في سلحك» . ثم التفت عقيبة إلى الناس فقال: «يا معشر الناس!» فجلس القائم وأسرع الماشي.
-
فلما اجتمعوا قال: «اسكتوا. فو الله! ما قتلت ابن عمى حين قتلته ألا يكون أعطانى النصفة وزادني، ولكنى نظرت إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فى هذا المكان الذي فيه الأمير، وعن له تميم من ناحية المسجد، فنظر إليه علي، فقال: من سره أن ينظر إلى جذل من أجذال جهنم فلينظر إلى هذا، وأشار إلى تميم، فرحم الله قاتله. فقتلته [٢] » . فقال الناس: رحمك الله. وقتل.
-
وأما (عبد الله) بن خازم السلمي، فكان من أشجع الناس وأشدهم نفسا وبطشا. وغلب على خراسان. قال محمد بن حبيب، أخبرني بهذا الحديث ابن الأعرابي: أن ملك الترك وجه إليه رسلا يخبره أنه يغير
ج ١ ص ٢٢٢على خراسان، أو يتقيه بخراج موظف. فأتاه الرسل في يوم شديد البرد. فأمر ابن خازم بأزج له فسجرّ فيه حتى ابيض. وأجلس الرسل على لبود في الثلج وعليهم الفراء وهو معهم في قباء رقيق. فجعل الرسل ينتقضون بردا. فلما علم أن/ الأزج قد أخرج ما فيه ونُظف قال للرسل:
ما أحسب البرد الا وقد آذاكم. قوموا بنا إلى البيت. فلما دنوا من البيت تلقاهم حره فأحجموا عن دخوله. ودخل هو حتى جلس في صدره.
-
فانصرف الرسل إلى صاحبهم فأخبروه أنهم أتوه من عند شيطان لا يعمل فيه الثلج ولا النار. فأمسك عن الغزو. قال محمد بن حبيب وسمعت ابن الأعرابي حكي عن المهلب، أنه سئل «من أشد الناس؟» قال: «صاحب البغلة الشهباء» يريد عباد بن الحصين الحَبطي. فقيل له: «فأين ابن خازم؟» قال «: إنما سألتم عن أشد الناس، فأخبرتكم، ولو سألتموني عن أشد الانس والجن لقلت لكم: عبد الله ومصعب ابنا الزبير بن العوام وعبد الله ابن خازم» .
-
وأما (عبد الله) بن سبرة الحرشي فله فتكات. منها أنه كانت امرأة من قيس في بعض مدائن الشأم. فعرض لها فتى من المتعربة، فجعل يخطبها في العلانية ويراودها في السر. فمر الناس يأخذون أعطياتهم. فأرسلت المرأة جاريتها إلى الخان، فقالت: انظري هل ترين
ج ١ ص ٢٢٣في الخان أحدا من قيس. فقالت الجارية: أهاهنا رجل من قيس؟ فقال لها عبد الله بن سبرة: ما حاجتك؟ قالت مولاتي امرأة من قيس وهي تريدك. فصار معها إليها. فأخبرته خبر الفتى. فقال لها: أنا اكفيكه إن شاء الله فأعلميه أنك قد جعلت أمرك إلى. ففعلت. ودخل الفتى معه إلى البيت فضربه عبد الله بسيفه حتى قتله. وقال للجارية: احفري معي.
-
فحفرت. فلما فرغت من الحفر، وثب على الجارية فقتلها/ وطرحها مع الفتى في الحفرة ودفنها. فصاحت المرأة. فقال: اسكتي. فان لم تسكتى هلكنا جميعا. وخرج، فمضى إلى أصحابه وأخذ نفقاتهم، وبعث بها إلى المرأة وقال: اشتري بهذا خادما [١] لم تعلم ما فى بيتك.
-
وكانت الدنانير سبعين دينارا. ويقال في حديث آخر أن هذه المرأة كانت من بنى سليم وكانت تذكر بجمال. وكان عامل القرية التي هي فيها قد سامها نفسها وألح عليها. فلم تأمنه. فبعثت إلى عبد الله بن سبرة وهو بدابق. فقال لها أجيبيه واستزيريه. ففعلت. وكمن عبد الله فى بيتها، حتى فعل به ما فعل. وقال:
أتتني عشاء ما ألام مجيئها ... مقنعة عنها أخو النصح شاسع
ج ١ ص ٢٢٤لأدفع عنها ضئبلا مصمئلة ... وفي الله وابن العم للضيم رافع
فلما أمتُّ الخوف منها تبادرت ... اسى ضلة منها هناك المدامع
بكاء على مملوكة هلكت لها ... وما قتلت إلا لتخفى الودائع
فقلت لها: لا تجزعي، إن سرنا ... متى ما يجزنا لا محالة شائع
أرحتك من خوف وذو العرش مخلف ... وفي الصبر أجر حين تعرو الفجائع
وهذي لكم سبعون أوسا [١] مكانها ... وفيها إخال خادم لك نافع
فبعدا له ميتا ولا بعد للتي ... به قرنت فى القبر ما حمّ واقع
وكان رجل عطار يقال له فيروز بجسر منبج. فبلغ عبد الله بن سبرة أنه غمز يد امرأة من قيس. فصاحت: «يا عبد الله بن سبرة» .
- ج ١ ص ٢٢٥
وكان عبد الله إذ ذاك/ بأرمينية. فلما بلغه الحديث وما قالته المرأة، قال: «لبيك» . وأقبل منحطا حتى وافى جسر منبج فقتل العطار ورجع إلى أرمينية. فأخذ بالعطار غير واحد حتى علموا أن عبد الله قتله.
- فحبس عبد الله بأرمينية فقال:
-
إن المنايا لفيروز لمعرضة ... يغتاله البحر أو يغتاله الأسد
أو عقرب أو شجا فى الحلق معترض ... أو حية فى أعالى متنها ربد
أو جرمقيان [١] باتا يرطنان له ... أدنى ديارهم الحصنان أو بلد
أو مضمر الغيظ لم يعلم باحنته ... وما تجمجم في حيزومه أحد
واجتمع الناس بدابق يتجهزون لغزو الروم. فجلس ابن سبرة إلى بزاز عراقي يبتاع منه ثيابا. فذكر البزاز أبا بكر وعمر وعثمان فنال منهم. فزجره ابن سبرة وقال: «أقبل على أمرك ودع مالا يعنيك» . فلم ينته عن قوله. فتناول عبد الله من الصياقلة سيفا فقتله به
- وركب فرسه. فلحق بأهله. فقال:
-
لقد خزِي العلج اللئيمة امه ... وعاين منى وقع صلب المصادق
أتيناه لا نبغى المراء فهاجنا ... عليه ولم يحذر مخوف البوائق
تناول عثمانَ بن عفان ظالما ... ونال أبا بكر وليس بصادق
ونال أبا حفص. ويا لك خطة ... أجدتْ بلايا المجحفات البوائق
فقلت له: مهلا لك الويل لا تحن ... فلم يثن منه المهل حوباء مائق
وأعلو بذي أثر طرير ذبابه ... على حنق مني شؤون المفارق
فغادرته في السوق يكبو لوجهه ... لدا [١] حلبة الاسلام من مرج دابق
/ وأما (القتال) الكلابي وهو عبادة بن محبب بن المضرحي [٢] فان
ج ١ ص ٢٢٧جارية لعمه أغضبته، فقتلها. فادعي عمه أن الجارية كانت حاملا.
وقال عمه:
أدوا إلى بنيّى لا أبا لكم ... فان اُم بُنيي لا اُباليها
فلما رأى القتال ذلك، استثار الجارية من القبر وأتى برجال من المعدن يعني معدن الذهب ثم بعجها فاستخرج رحمها فقال: «هل ترون ولدا؟» ثم ردها وقال:
أنا الذي انتشلتها انتشالا ... ثم دعوت فتية أزوالا
فصدقوا، وكذبوا ما قالا
وإن القتال عدا على ابن عم له يقال له زياد فقتله. فرفع إلى المدينة فحبس بها زمانا. وكان على السجن رجل من قريش يقال له إسمعيل بن هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد فكان يقع به عند الأمير ويقول:
إن القتال يتغني ويقول:
إذا شئت غُناني على ظهر شرجع ... نواعم بيض من قريش وعامر
فبعث الأمير إلى القتال وقال له: «أنت القائل ما بلغني؟» قال: لم أقل ذاك ولكني قلت:
إذا شئت غنتني القيود وساقني ... إلى السجن أعلاج الأمير الطماطم
ج ١ ص ٢٢٨فقال مصعب بن عبد الرحمن بن عوف للقتال: «هل فيك خير إن أعطيتك سيفا ووطيت لك راحلة، تقتل ابن هبار ثم تهرب على الراحلة؟» قال: «نعم.» فأعطاه سيفا ووطي له راحلة. فأمهل حتى إذا صلى صلاة العشاء قال لابن هبار: «أخرجني حتى أصلي فى الروح» . فأخرجه. فصلى وهو مشتمل على السيف. فلما/ فرغ أخذ سيفه، وضرب به ابن هبار، ودفعه في السجن وأغلقه عليه، وخرج فجلس على الراحلة فوجهها نحو أرضه. ثم قال:
تركت ابن هبار ورائي مجدّلا ... وأصبح دوني شابة فأرومها
بسيف امرئ لن اخبر الدهر باسمه ... وإن حضرت نفسي إلى همومها
ثم لحُق بعماية وقال:
أفى صاحة العمقاء أو بعماية ... أو الاُدَمَي من رهبة الموت موئل
فكان يكون بها عند حبيب بن جبار بن سلمى بن مالك، يكون فيها بالنهار، وينزل إلى حبيب فيكون عنده بالليل. فقال مروان ابن الحكم: «من يدلني على القتال من مملوك فهو حر. ومن كان حرا
ج ١ ص ٢٢٩فله كذا وكذا» . فأرغب الجعل. فخرج رجل من بني العجلان فأتى مروان، فأخبره بمكانه عند حبيب بن جبار. فبعث إليه بعثا.
-
فلما أتوا حبيبا، أخرج ابنته من الحجلة وأدخل القتال فيها وألبسه ثيابها، ورفع الستر. فلما نظر القوم إلى المرأة، استحيوا. وقال حبيب: «ما هذا بعدل أن تدخلوا على نسائي وحرمتي.» فتنهنه القوم وارتدوا. فقال القتال:
ألا هل أتى فتيان قومي أنني ... تسميت لما اشتدت الحرب: زينبا
وأدنيت جلبابى على نبت لحيتي ... وأبديت للقوم البنان المخضبا
وأما (مالك) بن الريب بن حَوط بن قرط بن حسل بن ربيعة ابن كابية بن حرقوص بن مازن، فكان فاتكا، وكان يصيب الطريق وفيه يقول الراجز:
/ الله نجاك من القصيم [١] ... وبطن فلج وبني تميم
ومن غويث فاتح العكوم ... ومن أبى حردبة الأثيم
ج ١ ص ٢٣٠ومالك وسيفه المسموم.
-
وكان رجل من الأنصار من أهل المدينة استعمل على عمرو بن حنظلة. فقدم، فأخذ مالكا وأبا حردبة فبعث بأبي حردبة وتخلف مع القوم الذين فيهم مالك. وأمر غلاما له بأن يسوق مالكا. فتغفل مالك غلام الأنصاري، وعليه السيف. فانتزعه منه، ثم ضربه حتى قتله. ثم شد على الأنصاري، فقتله، وهرب حتى قدم البحرين.
-
ثم قطع منها إلى فارس. وقال:
علام تقول السيف يثقل عاتقي ... إذا ساقني وسط الرجال المجحدل
ولولا ذباب السيف ظل يقودني ... بنسعته شثن البنان حزنبل
وأما (عبيد الله) بن الحر بن عمرو بن خالد بن المجمّع بن مالك فكانت وقائعه مع ابن زياد ومع مصعب ومع ابن الأشتر كثيرة.
-
وكان ينهب أموال السواد. وكان جوادا. وإن ابن الحر نزل الأنبار فيما كان يغير على نرسي دهقان الأنبار، وقد كان تولاه بعد. فأخبره أن حبشيا يقال له الغداف يقطع الطريق فيما بين عانة والأنبار ويدخل الأنبار نهارا. ولا يورّعه أحد خوفا منه. فإذا
ج ١ ص ٢٣١أعجبته امرأة [١] أخذ زوجها فكتفه، ثم قام إليها فقضى حاجته منها، وزوجها ينظر إليها. فأدركت عبيد الله بن الحر الغيرة والأنف فاستوصفه مكانه. فوصفه له. فركب وحده، وأقسم على/ أصحابه ألا يتبعه منهم أحد. ثم خرج متوجها حتى أتى مكانه. فاذا الغداف قد طلع. فعرفه بالنعت. فأقبل يسير، كأنه قائم على فرسه طولا وعظما. وعليه عمامة حمراء. فسايره عبيد الله حتى هبط واديا. فقال له الأسود: «من أين أقبلت يا صاحب الفرس؟» قال:
«من الأنبار.» قال: «فانه قد بلغني أن ابن الحرقد نزلها. فأين تراه يريد؟» قال: «إياك يريد. وأنا عبيد الله. فخذ حذرك يا كلب!» ثم حمل عليه فطعنه فصرعه. فوثب الأسود فاْخذ بلجام فرسه ثم صعد الوادي هاربا. فأتبعه ابن الحر فأدركه قبل أن يركب فرسه. فضرب رجله فقطعها. فأخذ الأسود رجله فرمي بها ابن الحر. فأصابت رأسه. فذكروا أن ابن الحر قال: «كاد يصر عنى من شدة رميته.» ثم جعل ينظر إليه وعيناه تتوقدان. فمشي إليه فقتله وأخذ فرسه وسلاحه. ثم أقبل إلى الأنبار. فلما رءاه أهلها كبروا. ففي ذلك يقول ابن الحر:
إنى رأيت بواد مقفر رجلا ... مثل الهزبر إذا ما ساور البطلا
ج ١ ص ٢٣٢ضخم الفريسة لو أبصرت قمُته ... وسط الرجال إذا شبهته جملا
سايرته ساعة ما بى مخافته ... إلا التلفت حولي هل أري دغلا
دهدهته بين أنهار وأودية ... لا يعلم الناس غيري علم ما فعلا
يُدعي الُغداف وقد مالت علاوته ... إن الغداف وربي! وافق الأجلا