فتاك الجاهلية

٤١ فقرة، ج ١ ص ١٩٢

الصفحة ١ من ٢

  1. (أبو الخريف عبيد) بن نشبة المري، و (الحارث) بن ظالم المري، و (البّراض) بن/ قيس الكناني، و (تأبط شرا) الفهمي، و (مرة) بن خليف الفهمي، و (حنظلة) بن عثمان بن عمرو بن فاتك الأسدي، و (عمرو) بن كلثوم التغلبي، و (ثمامة) بن المستنير السلمى ثم الظفري، و (معاوية) بن الحارث الجشمي.

    ج ١ ص ١٩٢
  2. فأما (أبو الخريف) وهو عبيد بن نشبه بن مرة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان. وهو الذي علم الحارث بن ظالم الفتك.

  3. وأتاه الحارث فقال له: علمني الفتاكة. فقال: «إذا هممت فافعل» . فأعاد عليه. فقال له قوله الأول. فأعاد عليه الحارث القول ثالثة. فشد عليه أبو الخريف بالسيف ليضربه. فقال له الحارث: ما هذا؟ فقال: «هذا الفتك. هممت بضربك» وأما (الحارث) بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف وبه يضرب المثل في الفتك والوفاء. فأما فتكه فقتله خالد بن جعفر بن كلاب في جوار الأسود بن المنذر الملك، وقتله ابن النعمان بن المنذر. فأما قتله خالدا، فان خالدا كان قتل زهير بن جذيمة العبسي وكان سيد غطفان يوم النفراوات. فوفد بعد ذلك

    ج ١ ص ١٩٣الحارث بن ظالم على الأسود بن المنذر. فألفى عنده خالد بن جعفر ابن كلاب وهو متبدّ بعاقل. فد عالهما بتمر. فجئ به على نطع.

    فقال خالد بن جعفر للأسود: أبيت اللعن! من هذا؟ قال: هذا الحارث ابن ظالم سيد قومه. فقال خالد: يا حارث! ما أرانى عندك إلا حسن البلاء.

    قال: وما ذاك؟ قال: لأنى قتلت عمك وهو أشرف قومك: زهير بن جذيمة، فتركَتك سيدهم. فقال له الحارث: سأجزيك ببلائك.

  4. وجعل الحارث يردد يده فى التمر وهو لا يعقل. / فقال له خالد:

    ما شأنك تجيل يدك فى التمر؟ فقال الأسود: ارفعوا التمر. فرفع.

  5. وقام الحارث فخرج. فقال الأسود لخالد: ماذا أردت إلى أن تتحرش بهذا الكلب وأنت ضيفي؟ قال خالد: إن هذا عبد من عبيدي.

  6. ولو كنت نائماً ما أيقظني. فلما أمسى بعث الأسود إلى الحارث بعس ضخم من خمر ليشغله به مع قينة له. فقالت: يقول لك الملك:

    اشرب هذا. فأخذه فأهوى به نحو فمه فسفحه بين بطنه وثيابه. ومعه تبيع له من بنى محارب بن خصفة يقال له خراش فجعل الحارث يكدم واسط رحله أسفا. فقال له المحاربي: إنك لتهم بأمر فيه البلاء. قال ورجع خالد بن جعفر إلى رحله. فلامه عروة الرحّال بن عتبة بن جعفر بن كلاب في تعرضه للحارث. ثم إنهما أشرجا عليهما القبة وناما.

  7. فلما هدأ الناس أمر الحارث تبيعه المحاربي أن يتقدم إلى مكان واعده إياه ويتقدم معه براحلة الحارث. وقال له: «إن طلع كوكب الصبح ولم آتك فانظر أى البلاد شئت فاقصد لها» . وانطلق الحارث حتى أتى قبة خالد فهتك شرجها ثم قتل خالدا وانصرف.

    ج ١ ص ١٩٤
  8. وأما وفاؤه فان رجلا من بني عمرو بن سعد بن زيد مناة ابن تميم يقال له عياض بن ديهث كان أورد إبله فصادف عليه رعاء الحارث بن ظالم. فأدلى عياض دلوه ليستقي ويسقي إبله فقصر رشاؤه. فاستعار بعض أرشية رعاء الحارث، فسقي إبله. فلما أصبح لقيه بعض حشم النعمان فأخذوا إبله وأهله. فنادى يا حار! يا جاراه! فقال له الحُارث «ويلك. متي كنت لي جارا؟» فقال: «عقدت/ رشائى برشاء راعيك فسقيت إبلي فاخُذت وذلك الماء في بطونها.» فقال الحارث: «إن هذا الجوار!» وركب حتى أتى النعمان فقال: «أبيت اللعن! إنك أخذت نساء جارى وماله وأناله جار.» فقال له النعمان: «أفلا تشد ما وهي من أديمك [١] » يعني قتل الحارث خالدا في جوار الأسود أخي النعمان. ثم إن النعمان أوعد الحارث وعيدا شديدا. فمضي الحارث وندم النعمان على تركه. وطلبه

    ج ١ ص ١٩٥ففاته. فخلي النعمان لعياض اهله وماله. وكان للنعمان ابن مسترضع عند سنان بن أبي حارثة. وكانت سلمى بنت ظالم تحت سنان. فجاء الحارث إلى أخته على لسان سنان حتى أعطته ابن النعمان. فضرب عنقه. ولحق بمكة. فجاور عبد الله بن جدعان.

  9. وأما فتك (البراض) وهو رافع بن قيس فانه كان حالف بني سهم من قريش. فعدا على رجل من هذيل فقتله. فجاء بنو هذيل إلى بني سهم يطلبون بدم صاحبهم. فقال بنو سهم: «قد خلعناه وتبرأنا من جرائره» . فقالت هذيل: «من يعرف هذا؟» فقال العاص بن وائل: «أنا خلعته كما يخلع الكلب» . فسكت الهذليون ولم يروا وجه طلب. فأتى حرب بن [١] امية فحالفه فعدا على رجل من خزاعة فقتله وهرب إلى إليمن. فأقام بها سنة. ثم قدم ودنا من مكة. فاذا الهذليون والخزاعيون يطلبونه وقد خلع. فقال: «ما لى خير من النعمان ابن المنذر» . فلحق به فوافق وفود العرب بالحيرة عنده. فأقام يطلب الإذن معهم. فلم يصل حتى طال عليه المقام وجفى. وكان للنعمان لطيمة يبعث بها كل عام للتجارة إلى موسم عكاظ. فخرج/ النعمان فجلس للناس بالحيرة وكانت عيرات النعمان ولطائمه التي توافي سوق الموسم إذا دخلت تهامة لم تهج. حتى قتل النعمان أخا بلعاء بن قيس الكناني

    ج ١ ص ١٩٦فجعل بلعاء يعترض لطائمه فينتهبها. ففعل ذلك مرتين. فخاف النعمان على لطيمته. فقال يومئذ: «من يجير [١] هذه العير؟» فقال البراض: أنا اجيرها لك. فقال الرحال عروة بن عتبة ابن جعفر بن كلاب: «أنت تجيرها على أهل الشيح والقيصوم؟

  10. وإنما أنت كلب خليع. أنت والله أضيق استامن ذلك. ولكني أنا أيها الملك اجيرها لك من الحيين كليهما» . فقال البراض: «أأنت تجير على تهامة؟» فلم يلتفت النعمان إلى قول البراض وازدراه.

  11. فدفع اللطيمة إلى عروة الرحال. فخرج بالعير وخرج البراض في أثره. فلما كان ببعض الطريق أخرج البراض الأزلام يستقسم بها.

    فقال له الرحال: «ما تصنع؟» قال: «أستخير فى قتلك» . فضحك عروة. ولم يره شيئا. فلما انتهى عروة إلى أهله دوين الجريب بماء يقال له «اوارة» [٢] أنزل اللطيمة وسرّح الظهر ودخل عروة قبته فنام. ووثب عليه البراض، فقتله. ثم مضى حتى أتى خيبر. فكان بسببه حرب الفجار بين كنانة وقيس.

  12. وأما (تأبط شرا) ، وهو ثابت بن جابر بن سفيان، فانه كان

    ج ١ ص ١٩٧شجاعا وكان يغزوا [١] على رجليه، فلا تجاريه الخيل. ولا يهاب شيئا.

  13. وله أحاديث كثيرة عجيبة فى غزواته. وكان لا يهم بشيء إلا ركبه.

  14. وإنه أتى جبلا فى بلاد بنى لحيان من هذيل يشتار منه عسلا. وكان يأتيه في كل عام. وكان ذلك الجبل منفردا. وإنه أتاه فصعده. وقد وضعوا/ عليه الرصد. وكان معه نفر من أصحابه فدلوا حبلا لهم. فتوصل به تأبط حتى صار إلى الغار الذي فيه العسل. ودلوا إليه الأسقية وذلك بأعين الهذليين حتى إذا رأوه قد قر قراره، خرجوا على القوم. فانكشفوا وتركوه في الغار. فوقف القوم على الغار، فنادوه. فأطلع رأسه.

    فقالوا: إصعد. قال: على ماذا أصعد؟ قالوا: تصعد فنرى فيك رأينا. قال: إن كنتم إذا صعدت أمنت من أن تقتلوني وقبلتم اليسير من الفداء منى صعدت. قالوا: ما لك علينا شرط، فاصعد. قال فإذا صعدت تأكلون العسل الذي اشترته؟ قالوا: نعم. قال:

    لا والله لاجمعتم قتلي وأكل عسلي. وجعل يصب العسل من الأسقية من فم الغار على صفا، تحته، ويطرد العسل وهم يتعجبون منه ويضحكون. حتى إذا فرغ واطرد العسل فأبعد: أخذ زقا، فشده على صدره، ثم انحدر فى العسل. فلم يزل يزلق به حتى وقع بالأرض. وبينه وبينهم مسيرة ثلاثة اميال [٢] . ثم انطلق فرجع إلى

    ج ١ ص ١٩٨أهله.

  15. وأما (مرة) بن خُليف الفهمي فكان من شياطين العرب. وكان يكثر الغزو والقتل. وإنه غزا الأزد فاسند في جبل لهم منكر، ليجد فرصة فيغير. وأقبلت امة لهم حتى أتت ماء في أصل الجبل تستقي منه في قربة لها. ولم يفطن لها مرة، وكان جالسا على صخرة يأكل تمراً.

  16. فألقى نواة فسقطت على الأمة فأخذتها. فلما رأتها رطبة ارتابت، / فنظرت في السماء أن يكون طائر ألقاها. فلم تر طائرا. وأطلع مرة رأسه فاذا هي به ولم يرها. فملأت قربتها ومضت. فلما برزت رءآها، فأوجس أن تكون رأته. فرمقها وقال في نفسه: «إن مضت ولم تلتفت فإنها لم ترني» . فلما مضت غير بعيد، التفتت. فعلم أنها قد رأته، وأنها ستنذر الحي به. فانحدر وخرج متوجها سريعا. وجاءت الأمة إلى الحي فأخبرتهم الخبر. فأخذوا سلاحهم واتبعوا حيث قالت لهم، حتى وجدوا أثره. وأظلموا وأظلم فأخطأوا الطريق. فلما أصبحوا وجدوا أثره، وإذا هو قد عدل عن الطريق، فأتبعوه.

  17. ومضى حتى انتهى إلى السك فإذا لا منفذ له ولا طريق. فصعد حتى انتهى إلى الهواء. فوقف وعلم أن القوم في أثره حتى انتهوا إليه.

  18. فلما رأوه واثبوه. فقال: «لا عليكم ان تمكثوا قليلا. فاني إن قاتلتكم

    ج ١ ص ١٩٩كنت خليقا أن أقتل منكم رجلا. وأنا مستقسم بقداح معي. فأما أحدها فإن فيه أن أستأسر لكم. فان خرج ذلك القدح استأسرت.

  19. وفي الآخر [أن] أقتحم. فان خرج ذلك القدح اقتحمت وكفيتكم نفسي. وفي الآخر أن أقاتلكم وهي التي تستعجلون إليها. فلا عليكم أن تؤخروها قليلا» . قالوا: «فأنت وذاك فافعل ما تريد» . فوقف وتوقفوا عنه. وأخرج قداحه فاستقسم. فخرج قدح الاقتحام.

    فقالوا: «مالك؟» قال: «هيهات هيهات! هواء بعيد ولست بفاعل حتى اعذر» . ثم استقسم ثانية فخرج قدح [١] الاقتحام. فقالوا:

    «مالك؟» قال: «خرج قدح الاقتحام وأنا فاعل ذلك.» قالوا:

    / «فافعل.» فوثب: [٢] وأقبل يتعصب بثيابه. فلما فرغ أخذ ترسه ووضع جبهته على مملك الترس. ثم انصب على رأسه. وأقبلوا حتى وقفوا على مقامه. فنظروا إليه يهوي حتى تغيب في الظلمة. ثم لم يشعروا به حتى رجع عليهم. فلما وازن بهم أو كاد، خفض. ثم رجع

    ج ١ ص ٢٠٠دون ذاك. فما برح كذلك حتى وْقع بالأرض رويدا. وذلك مما تردده الريح. وانطلق إلى أهله. فقال كعب حذر [١] أخو تأبط:

    لله يومي ويوم مرة إذ ... عصب أثوابه على الهلكة

    تنزوا [٢] به الريح فى المجن كما ... تنزوا [٢] قطاة الحساء في الشبكة

    تخفضه الريح ثم ترفعه ... حتى أتى الأرض وقعة الَحَمكَة

    ويومي الصدق في محيلة إذ ... أعضب وجه الطريق من سلكه

    كأنني رألة أصاب بها ... قناص عمرو كأنها فلكه

    إن ألقكم أشف منكم قرحا ... في الحلق بين اللهاة والحنكة

    أو مت والموت سائق تعب ... فان فى الصدر منكم حسكة

    ج ١ ص ٢٠١وأما (حنظلة) بن عثمان بن عمرو بن فاتك بن القليب بن عمرو بن أسد، فانه كان يتنقل في العرب لجرائره وكان مشيعا. فكانت العرب قد عرفت فتكه. وكان من أجمل الناس. فكان يتبرقع مخافة أن يغار عليه الرجال. وإنه نزل في بعض تنقله في بني عبد مناة بن بكر بن سعد بن ضبة. وكانت معه بنت عم له ومعها أولاد لها صغار وله إبل عظيمة له فيها راع. فقال بنو ضبة: / إن حنظلة أغدر الناس وأخبثهم. ولو سلم عليه أحد لسلم عليه قومه بنو أبيه. ما جاور قوما قط إلا وقعوا منه فى بلية. فاقتسموا ماله واقتلوه واجعلوا امرأته لفلان فانه ليست له امرأة. فأجمع رأيهم على ذلك. فظلوا يضربون بالقداح على ماله إلى أن غضب على امرأته فضربها. ثم غدا إلى حاجته. فجاءتها إحدى جاراتها فوجدتها تبكي. فقالت: «ما يبكيك؟» قالت: «هذا الخبيث يضربني ويسيء صحبتي.» فقالت لها: «لا تبكى فانما ينتظرون به أن تنفد الحرم ويقتلوه. وما بقي إلا أربع ليال أو خمس. ويجعلوك لفلان لأشفّهم نسبا وأكرمهم حسبا وأحسنهم وجها. وهم هؤلاء يضربون القداح على ماله.» فأرتها أمرأة حنظلة أن الذي حدثتها به قد سرها. فلما رجع حنظلة إليها من النهار قصت عليه القصة. فقام

    ج ١ ص ٢٠٢إلى جزور من إبله فنحرها فهدّى لحمها فى البيوت غير رأسها فطبخه وأمسى وقد أنضجه. وحفر بئرا في بيته فابعدها، وبسط عليها مسحا، وجعل إلى جنبها متكأ وأرسل بنية له حين غسا عليه الليل إليهم رجلا رجلا ولا يعلم أحد بمدعي صاحبه. فجعل يقول، وكان أهل الجاهلية إذا دعا أحدهم قال «على مه؟» فجعلت بنيه لا تأتى رجلا منهم إلا قال لها: «على مه» فتقول: على الرأس. فيقبل ويظنها خصوصية يخصه بها أبوها. واشتمل حنظلة على السيف فجعل لا يأتيه رجل إلا اغتره ساعة يجلس فيضرب عنقه ويلقيه في تلك البئر حتى فعل ذلك بسبعة نفر من أشياخهم. وبقي شيخ أعمى. كان يحلب له/ ابنه ناقة له فبعث إليه حنظلة آخر من بعث فجاءه فوثب عليه فقتله. وترك حنظلة بيته مبنيا، وكلبه مربوطا يعوي، وفصيلا من إبله معقور اله حنين. وطرد إبله وأهله فنجا. فلما أبطأ على الشيخ ابنه جعل يقول: «ما جاء.» فافتقدوا أصحابهم فأتوا بيت حنظلة فوجدوا الرجال قتلى ووجدوه قد سبق فمضى. وله أحاديث في تنقله تكثر.

  20. وأما (عمرو) بن كلثوم فكان من فتكه أن مضرط الحجارة، وهو عمرو بن المنذر بن ماء السماء اللخمي، وامه هند بنت الحارث

    ج ١ ص ٢٠٣ابن عمرو المقصور بن حُجر آكل المرار الكندي وكان شديد الملك، فقال يوما لجلسائه: «هل تعلمون أن أحدا من العرب من أهل مملكتي يأنف من أن تخدم أمه امي؟» قالوا: «نعم، عمرو بن كلثوم! فان امه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة. وعمها كليب بن وائل. وزوجها كلثوم. وابنها عمرو» . فسكت عمرو على ما فى نفسه. ثم بعث إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن يزير امه ليلى امه هندا.

  21. فقدم عمرو بن كلثوم في فرسان تغلب ومعه امه ليلى. فنزل على شاطئ الفرات. وبلغ عمرو بن هند قدومه فأمر بحجرته فضربت فيما بين الحيرة والفرات. وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فصنع لهم طعاما. ثم دعا الناس إليه فقرب إليهم الطعام على باب السرادق.

  22. وهو وعمرو بن كلثوم وخواص من الناس في السرادق. ولاُمه هند في جانب السرادق قبة. وليلى ام عمرو بن كلثوم معها في القبة.

  23. وقد قال عمرو بن هند لأمه: «إذا فرغ الناس من الطعام فلم يبق إلا الطرف فنحى خدمك عنك. فإذا دعوت بالطرف/ فاستقدمى ليلى ومريها فلتناولك الشيء بعد الشيء» . ففعلت هند ما أمرها به. حتى إذا نادى بالطرف، قالت هند لليلى: «ناوليني ذلك الطبق» . قالت:

    «لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها» . فقالت: «ناوليني» وألحت عليها.

    ج ١ ص ٢٠٤فقالت ليلى: «وا ذلاه! يال تغلب» . فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم فى وجهه والقوم يشربون. ونظر عمرو بن كلثوم فعرف الشر وقد سمع قول امه: «يال تغلب» ونظر إلى سيف عمرو بن هند معلقا في السرادق منصلتا. فضرب به رأس عمرو بن هند، فقتله. وخرج فنادى: «يال تغلب» . فانتهبوا ماله وخيله، وسبوا النساء، ولحقوا بالجزيرة. وفي ذلك يقول افنون بن [١] صريم التغلبي:

    لعمرك! ما عمرو بن هند وقد دعا ... لتخدم ليلى امه بموفّق

    فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتا ... وأمسك من ندمانه بالمخنق

    وأما (معبد) بن عُصم بن النعمان التغلبي فان أباه أبا حنشُ عصم ابن النعمان جاور شرحبيل الملك ابن الحارث بن عمرو الملك المقصور ابن آكل المرار الكندي، فجعل له شرحبيل الردافة. وأخذ أبو حنش على شرحبيل أن لا يدخل ابنه معبدا فى ردافته ولا ندامه. فقال: ولم تسألني هذا والناس يرغبون في ذلك؟ قال: لأنه رجل لم يقرر على ضيم قط.

  24. فجعل ذلك له. فمكث زمانا. ثم إن شرحبيل خرج يتصيد، فصاد حمارا. فرفع له راع. فقال ايتونا بزناد هذا الراعي. فخرج رجل إليه، فاستعاره زناده فأعار. فقد حوا واشتووا وشربوا/. فقال شرحبيل: من هذا الراعي؟ فقيل له: معبد بن أبى حنش. فقال: معبد بن أبى حنش. فقال: ادعوه حتى نزوره. فان أباه زعم أنه لم يقرر على ضيم قط. فدعوه. فجاء فتغدى. ثم أشار شرحبيل إلى بعض جلسائه ليتحرش به. فقال رجل منهم: أبيت اللعن! لقد كان بيني وبين رجل من بني تغلب كلام فلطمت عينه. قال معبد: أفأعطيته بحقه؟ قال: لا. قال: أفغفر لك؟

    قال: لا. فلطم معبد عينه وقال: هذه بتلك والبادئ أظلم! فذهبت مثلا.

    فقال شرحبيل: لقد تكلم عندي رجل من تغلب بكلام. فقال له معبد:

    ساعد الملك إلهه! ليذكر بني تغلب بخير أو ليسكت. فقال له شرحبيل: وأنت تسكتني؟ ثم تكلم. قال: فتكلم عندي بكلام كرهته فرفعت قوسي فضربت بها رأسه فشججته. فقال معبد: ساعد الملك إلهه! أفأعطيته بحقه؟ قال: لا. قال: أفغفر لك؟ قال: لا. فرفع معبد قوسه، فضرب بها رأس شرحبيل، فخر مغشيا عليه. ووثب أحياء شرحبيل على معبد، فقتلوه. فأفاق شرحبيل فسأل عن معبد. فقالوا: قتلناه.

    ج ١ ص ٢٠٥
  25. فقبح لهم ذلك فقال: والله ما وفينا لأبيه وما قتلني الرجل. فهلا

    ج ١ ص ٢٠٦انتظرتموني به. فبعث إلى أبي حنش فأخبره الخبر وقال هذه ديته. فأبى أبو حنش أن يقبلها. فأضعفها له. فأبى. فقال شرحبيل: فانه قتله ملك فأديه لك دية ملك. فقال أبو حنش: لا آكل له ثمنا أبدا. فقال له شرحبيل: والله ما أتقيك ولا أتقى قومك ولكنى أتقى لسانك.

    فقال أبو حنش:

    / أما الهجاء الذي تخاف فلا ... تسمعه سيئا ولا حسنا

    اكرم نفسي وأتقيك فإن ... أعلك يوما في نجدة ثخنا

    أجزك ما قدمت يداك ولا ... بقيا لمن كان يطلب الدمنا

    والجار كالضيف لا محالة أن ... يظعن يوما وإن ثوي زمنا

    فوضع عليه شرحبيل العيون وقال: «إن رأيتموه يدبغ الأُسقية فهو يريد قومه» . وعرف ذلك أبو حنش. فظمأ إبله ثلاثة أظماء ظمأ بعد ظمء [١] . ثم أصدرها عند الظمء الآخر وقد تبدي الناس عن المياه.

  26. فمر بأهله فاحتملهم، وقطع مشافر ما أراد منها من جلتها، وفوز نحو قومه. وهو الظمء [١] الذي تسميه العرب «ظمء أبي حنش» . فلما كان يوم الكلاب قتل أبو حنش شرحبيل.

  27. وأما (ثمامة) بن المستنير السلمي ثم الظفري و (معاوية) بن

    ج ١ ص ٢٠٧الحارث الجشمي، فان ثمامة كان أدهى العرب وأشدها نفسا وأشجعها وكان يغزو على رجليه. ويشترط لمن غزا معه: إني لا أعصيك إذا أمرتني ولا تعصيني إذا أمرتك» . فكان لا يغزو معه أحد فيرجع حتى يقتل فمكث يغزو وحده. ثم إن معاوية بن الحارث الجشمي، أحد بنى جشم ابن معاوية، خرج حتى أتي ثمامة في منزله، فقال: «إني اريد الغزو معك» .

    فقال: «أما إنه قدحان غزوي. ولكن الغزو معي شديد. فهل لك فى خير من ذلك؟» قال: «وما هو؟» قال: «اعطيك قطعة من مالى تغنيك وترجع إلى أهلك» . قال: «من هذا فررت ولكني أخرج معك في غزوك» . قال: «إنه من خرج/ معي لم يعصني في شيء آمره به وإن كانت هلكته فيه. ولم أعصه فى شيء وإن كانت هلكتي فيه» . قال: «فذاك لك.» فخرجا على أْرجلهما حتى سلكا في بلاد بجيلة.

  28. فأصبحا ذات يوم في بعض أرضهم، فدخلا في غار ليمسيا وينطلقا.

  29. فبينا هما فى ذلك الغار إذا هما برجل موف على قرن جبل ينادى بغوثه. فقال أحدهما لصاحبه: «أتراه علم بمكاننا؟» وجعل الناس يثوبون إليه حتى كثروا عنده، وهما ينظران ويسمعان. حتى إذا رضي بمن اجتمع إليه قال: «ألا تسمعون؟ إني قد قفوت أثر رجلين جازا الوادي البارحة وقد ظننت أنه أثر ثمامة بن المستنير وصاحب له.

  30. فاحذروا على أنفسكم ومواشيكم. ولا تسرحن ماشية إلا ومعها ناس.

    ج ١ ص ٢٠٨
  31. ولا يخرجن رجل وحده حتى تأمنوا هذا الخبيث ويخرج من بلادكم.» ثم انصرف وانصرف الناس. فقال ثمامة لصاحبه: «هل رأيت رجلا أثبت بصرا ولا أحزم وصية من هذا؟» قال: «ما رأيت مثله.» قال: «فانطلق فأتنى به.» قال: «ما هذا؟ وكيف آتيك به؟

  32. فو الله ما فى العرب مثله.» فقال ثمامة: «هو ذاك. ما بد من أن تأتيني به. ولو بدأت فأمرتني أن آتيك به لجئت به أومت دونه.» فخرج معاوية من الغار وأخذ سيفه. فانطلق حتى إذا كاد يطلع على الحي دفن سيفه وراء قفارة تحول بينه وبين الحي. ثم أقبل يمشي يتخلل البيوت ويسأل عن بيت سيدهم، ويدلونه. حتى انتهى إلى الرجل المتكلم بما تكلم به نفسه. فجلس إليه/ فقال: «أنا رجل من جهينة من قضاعة.

  33. ومعي أب شيخ كبير وام لى عجوز واخت. ومعنا مال لنا. وقد أردنا الجوار فيكم. فأجرنا.» قال: قد أجرتكم. قال: «فاجعل لي حرمة بك.» فقدم إليه تمرا. فأكل منه، ثم قال له: «إن أبى لا يصدقني ولا تطمئن نفسه إلى قولي. فهل لك أن تنطلق معى إليه فيراك؟» قال: أفعل.

  34. فانطلق معه. حتى إذا توارى بالقفارة، ابتحث السيف ثم قال: «والله لأضر بن به رأسك أو لتنطلقن حيث أمضي بك» . فخرج به

    ج ١ ص ٢٠٩يسوقه حتى صار به إلى الغار، فقال: «ادخل» . فدخل ودخل معه. فأجلسه إلى جنب ثمامة فقال: «دونك» . فقال الرجل البجلي: «وأنت ثمامة؟» قال: «نعم اْنا ثمامة» . قال: أراني احذر الناس منك ووقعت في يدك! قال ثمامة: «إفد نفسك» . قال: «نعم لكما سبعون ناقة» . قال:

    «فأعطنا عهدا لتجمعنها إلى أن نمر بك راجعين وأعطنا أمانا عليك حتى نخرج من بلدك وأما ناحين نرجع إليك» . قال: «لكما بذلك الله.» فخرجا، فمضيا لوجههما، فأصابا مالا ثم رجعا، فمرا على البجلي فأخذا منه سبعين ناقة، فخرجا يسوقان ذلك كله. وأقبل حراضة بن الحارث الجشمي أخو معاوية بن الحارث الذي مع ثمامة من أهله حتى تضيف أهل ثمامة. فسألهم عن أخيه. فقالوا: «خرج مع ثمامة.

  35. ولا والله! ما خرج معه أحد إلا قتل» . فأمهل حتى إذا أمسى، عدا على أخي ثمامة، فقتله وانطلق. وأقبل ثمامة وصاحبه يسوقان غنيمتهما. حتى إذا دخلا في بلاد بني سليم قال ثمامة لمعاوية:

    «أمنت الان. فسق الإبل متئدّا» . وجلس ثمامة على ناقة من الابل/ فقدم على أهله. فلما رأوه قاموا يبكون. فقال: «ما شأنكم؟» قالوا: قتل أخو الجشمي الذي معك أخاك. وقصوا عليه القصة.

    فقال: «اسكتوا ولا يخرجن من الحي احد» . وكر راجعا حتى

    ج ١ ص ٢١٠طلع على صاحبه الجشمي وهو في الابل وهو يريد ان يقتله. فلما رءآه الجشمي قال: «مكانك. لا تقدم. ما شأنك؟ وما الذي ردك؟» قال:

    «قدمت الحي فوجدتهم سالمين وخشيت أن يسفه عليك سفيه من الحي، فأقبلت إليك لنكون معاً.» قال: «لا والله! ما هذا ردك.

  36. ولقد خرجت من عندي بوجه ورجعت بغيره. وما يعلم الله أنك تدنوا [١] إلى إلا على أمر صدق أعرفه.» قال: «لا كذب.

  37. قتل أخوك أخي» قال: «فجئت لتقتلني. أعطني عهدا وتقرب حتى تقضي إلى وأقضي إليك» . فتعاهدا ثم دنوا. فاقتسما الإبل بأمان حتى يخرج الجشمي من بلادهم ويلحق ببلده. فلما اقتسما قال له ثمامة: «هل ترى الناقة التي في إبلك التي ضربها الفحل أمس؟ أنت آمن مني حتى تضع ما في بطنها.» وخرج الجشمي يسوق إبله حتى قدم على أخيه فعاب عليه ما صنع. وأقاما حتى إذا رأى الناقة تولد قال لأخيه: «يا حراضة! ثمامة والله فى رأيى ينظر إلى هذه الناقة الساعة.

  38. وقد كان أمان بيني وبينه إلى أن تضع. وقد تحين ثمامة ولاد الناقة» .

  39. فخرج ثمامة هو وأخ له حتى نزلا من الوادي قريبا، فهما ينظران.

  40. فلما أمسى الجشمي وِأخوه، تحارسا. فنام معاوية أول الليل

    ج ١ ص ٢١١وحرسه حراضة. فلم يمكث حراضة إلا قليلا حتى نام. وذلك بعين ثمامة. فقال ثمامة لأخيه: «أُثبت/ مكانك.» وأقبل ثمامة يمشي رويدا، حتى مر بحراضة وهو نائم. فدخل إلى الخباء. فضرب معاوية بالسيف في وسطه، ثم كر سريعا إلى أخيه فقال: «اركب فقد قتلت الرجل.» وقال معاوية لأخيه حراضة حين أصابه السيف: «إسع في الوادي ودعني.» فخرج يسعى. وأخذ معاوية سيفه فدنا من باب الخباء ورجا أن يرجع ثمامة ثانية. فقال أخو ثمامة حين رأى حراضة يسعى في الوادي: «والله ما أراك قتلت الرجل أرى أخاه يسعى فى الوادي يريد أن يستغيث. وأراك قتلت الرجل أرى أخاه يسعى في الوادي يريد أن يستغيث. وأراك جرحت الرجل.