٣٥ - عيسى بن زيد بن علي
٥٩ فقرة، ج ١ ص ٣٤٢
الصفحة ١ من ٢
- وممن توارى منهم في هذه الأيام فمات متواريا:
-
عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ويكنى أبا يحيى.
- ج ١ ص ٣٤٣
وأمه أم ولد، ولد في الوقت الذي أشخص فيه أبوه زيد بن علي إلى هشام بن عبد الملك، وكانت أم عيسى بن زيد معه في طريقه، فنزل ديرا للنصارى ووافق نزوله إيّاه ليلة الميلاد، وضربها المخاض هنالك فولدته له تلك الليلة، وسمّاه أبوه عيسى باسم المسيح عيسى ابن مريم- صلوات الله عليهما-.
-
حدثني بذلك محمد بن سعيد، قال: حدثنا بذلك محمد بن منصور، عن أحمد بن عيسى بن زيد.
-
وشهد عيسى مع محمد بن عبد الله بن الحسن وأخيه إبراهيم حربهما.
-
واختلف في سبب تواريه، فقيل إنه أنكر على إبراهيم بن عبد الله أنه كبّر على جنازة أربعا ففارقه، وقيل بل ثبت معه حتى قتل ثم توارى بعد ذلك.
-
أخبرنا يحيى بن علي، وأحمد بن عبد العزيز، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أبي الكرام، قال «١» :
صلّى إبراهيم على جنازة بالبصرة وكبّر عليها أربعا، فقال له عيسى بن زيد: لم نقصت واحدة وقد عرفت تكبير أهل بيتك؟.
فقال: هذا أجمع لهم، ونحن إلى اجتماعهم محتاجون، وليس في تكبيرة تركتها ضرر إن شاء الله، ففارقه عيسى واعتزل. وبلغ ذلك أبا جعفر فأرسل إلى عيسى يبذل له ما سأل على أن يخذل الزيدية عن إبراهيم، فلم يتم الأمر بينهما حتى قتل إبراهيم، فاستخفى عيسى، فقيل لأبي جعفر: ألا تطلبه. فقال: لا والله. لا أطلب منهم رجلا أبدا بعد محمد وإبراهيم، أنا أجعل لهم بعدها ذكرا «٢» .
- ج ١ ص ٣٤٤
أخبرني علي بن العباس المقانعي، قال: حدثنا عبّاد بن يعقوب، قال:
حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي:
أن عيسى بن زيد كان على ميمنة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وكان مع محمد بن عبد الله بن الحسن، على ميمنته أيضا.
-
أخبرنا عيسى بن الحسن، قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي، عن أبيه، قال:
كان عيسى والحسين ابنا زيد بن علي مع محمد وإبراهيم «١» ابني عبد الله بن الحسن في حروبهما من أشد الناس قتالا وأنفذهم بصيرة، فبلغ ذلك عنهما أبا جعفر فكان يقول: ما لي ولابني زيد وما ينقمان علينا؟ ألم نقتل قتلة أبيهما، ونطلب بثأرهما، ونشفي صدورهما من عدوهما؟.
-
أخبرني يحيى بن علي، وأحمد بن عبد العزيز وعمر العتكي، قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر [بن علي] ، قال:
خرج عيسى بن زيد مع محمد بن عبد الله بن الحسن، فكان يقول له: من خالفك أو تخلّف عن بيعتك من آل أبي طالب فأمكني منه أن أضرب عنقه.
-
أخبرني يحيى بن علي، وأحمد [بن عبد العزيز الجوهري] ، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني إبراهيم بن سلم بن أبي واصل الحذاء، قال:
- حدثني أخي علي بن سلم قال:
-
لما انهزمنا صرنا إلى عيسى بن زيد وهو واقف فخففنا به وصبرنا مليّا فقال:
ما بعد هذا متلوّم «٢» ، فانحاز وصار إلى قصر خراب ونحن معه، فأزمعنا على أن نبيّت عيسى بن موسى، فلما انتصف الليل فقدنا عيسى فانتقض أمرنا «٣» .
- ج ١ ص ٣٤٥
وكان عيسى أفضل من بقي من أهله دينا، وعلما، وورعا، وزهدا، وتقشفا «١» ، وأشدهم بصيرة في أمره ومذهبه، مع علم كثير، ورواية للحديث وطلب له صغره وكبره، وقد روى عن أبيه، وجعفر بن محمد، وأخيه عبد الله بن محمد، وسفيان بن سعيد الثّوري والحسن بن صالح «٢» [بن حي] وشعبة بن الحجاج «٣» ويزيد بن أبي زياد، والحسن بن عمارة ومالك بن أنس، وعبد الله بن عمر العمري «٤» ونظراء لهم كثير عددهم.
-
ولما ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن، وزحف إليه عيسى بن موسى، جمع إليه وجوه الزيدية وكل من حضر معه من أهل العلم، وعهد إليه أنه إن أصيب في وجهه ذلك، فالأمر إلى أخيه إبراهيم، فإن أصيب إبراهيم، فالأمر إلى عيسى بن زيد.
-
حدثني بذلك أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال إن عبد الله بن محمد بن عمر ذكر ذلك من وصية محمد إلى أخيه إبراهيم، ثم إلى عيسى بن زيد، فلما أصيبا توارى عيسى بن زيد بالكوفة في دار علي بن صالح بن حي أخي الحسن بن صالح، وتزوج ابنة له، وولدت منه بنتا ماتت في حياته، وخبره في ذلك يذكر بعد إن شاء الله.
-
حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد على سبيل المذاكرة فحفظته عنه لم أكتبه من «٥» لفظه، والحديث يزيد وينقص والمعنى واحد، قال: حدثني محمد بن المنصور المرادي، قال: قال يحيى بن الحسين بن زيد:
قلت لأبي: يا أبة، إني أشتهي أن أرى عمي عيسى بن زيد، فإنه يقبح
ج ١ ص ٣٤٦بمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه، فدافعني عن ذلك مدة وقال: إن هذا أمر يثقل عليه، وأخشى أن ينتقل عن منزله كراهية للقائك إيّاه فتزعجه، فلم أزل به أداريه وألطف به حتى طابت نفسه لي بذلك، فجهزني إلى الكوفة وقال لي:
إذا صرت إليها فاسأل عن دور بني حي، فإذا دللت عليها فاقصدها في السكة الفلانية، وسترى في وسط السكة دارا لها باب صفته كذا وكذا فاعرفه واجلس بعيدا منها في أول السكة، فإنه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون «١» الوجه، قد أثر السجود في جبهته، عليه جبة صوف، يستقي الماء على جمل، [وقد انصرف يسوق الجمل] «٢» لا يضع قدما ولا يرفعها إلّا ذكر الله- عز وجلّ- ودموعه تنحدر، فقم وسلّم عليه وعانقه، فإنه سيذعر منك كما يذعر الوحش، فعرّفه نفسك وانتسب له، فإنه يسكن إليك ويحدثك طويلا، ويسألك عنّا جميعا ويخبرك بشأنه ولا يضجر بجلوسك معه، ولا تطل عليه وودعه فإنه سوف يستعفيك من العودة إليه، فافعل ما يأمرك به من ذلك فإنك إن عدت إليه توارى عنك، واستوحش منك وانتقل عن موضعه، وعليه في ذلك مشقة.
فقلت: أفعل كما أمرتني. ثم جهزني إلى الكوفة وودعته وخرجت، فلما وردت الكوفة قصدت سكة بني حيّ بعد العصر، فجلست خارجها بعد أن تعرفت الباب الذي نعته لي، فلما غربت الشمس إذا أنا به قد أقبل يسوق الجمل، وهو كما وصف لي أبي، لا يرفع قدما ولا يضعها إلّا حرك شفتيه بذكر الله، ودموعه ترقرق في عينيه وتذرف أحيانا، فقمت فعانقته، فذعر مني كما يذعر الوحش من الإنس، فقلت: يا عم أنا يحيى بن الحسين بن زيد بن أخيك، فضمني إليه وبكى حتى قلت قد جاءت نفسه، ثم أناخ جمله، وجلس معي، فجعل يسألني عن أهله رجلا رجلا، وامرأة امرأة، وصبيا صبيا، وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي، ثم قال: يا بني، أنا أستقي على هذا الجمل الماء، فأصرف ما أكتسب، يعني من أجرة الجمل. إلى صاحبه، وأتقوت باقيه، وربما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البريّة، يعني بظهر الكوفة،
ج ١ ص ٣٤٧فألتقط ما يرمي الناس به من البقول فأتقوته.
-
وقد تزوجت إلى هذا الرجل ابنته، وهو لا يعلم من أنا إلى وقتي هذا، فولدت مني بنتا، فنشأت وبلغت، وهي أيضا لا تعرفني، ولا تدري من أنا، فقالت لي أمها: زوّج ابنتك بابن فلان السقاء- لرجل من جيراننا يسقي الماء- فإنه أيسر منا وقد خطبها، وألحّت عليّ، فلم أقدر على إخبارها بأن ذلك غير جائز، ولا هو بكفء لها، فيشيع خبري، فجعلت تلح عليّ فلم أزل أستكفي الله أمرها حتى ماتت بعد أيام، فما أجدني «١» آسي على شيء من الدنيا أساي على أنها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله (ص) .
قال: ثم أقسم عليّ أن أنصرف ولا أعود إليه وودّعني.
-
فلما كان بعد ذلك صرت إلى الموضع الذي انتظرته فيه لأراه فلم أره، وكان آخر عهدي به.
-
حدّثني أحمد بن عبيد الله بن عمّار، قال: نسخت من خط هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات، قال: حدثني عتبة «٢» بن المنهال، قال:
كان جعفر الأحمر «٣» ، وصباح الزعفراني ممن يقوم بأمر عيسى بن زيد، فلما بذل المهدي لعيسى بن زيد من جهة يعقوب بن داود ما بذل له من المال والصلة نودي «٤» بذلك في الأمصار ليبلغ عيسى بن زيد فيأمن، فقال عيسى لجعفر الأحمر وصباح: قد بذل لي من المال ما بذل، وو الله ما أردت حين أتيت الكوفة الخروج عليه، ولأن أبيت خائفا ليلة واحدة أحبّ إليّ من جميع ما بذل لي، ومن الدنيا بأسرها.
-
أخبرني عبد الله بن زيدان «٥» ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سعيد بن
- عمر بن جنادة البجلي، قال:
-
حج عيسى بن زيد والحسن [بن صالح] ، فسمعنا مناديا ينادي: ليبلغ الشاهد الغائب أن عيسى بن زيد آمن في ظهوره وتواريه، فرأى عيسى بن زيد الحسن بن صالح قد ظهر فيه سرور بذلك فقال: كأنك قد سررت بما سمعت، فقال: نعم. فقال له عيسى: والله لإخافتي إيّاهم ساعة أحبّ إليّ من كذا وكذا.
-
حدّثني عيسى بن الحسين الورّاق، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن مسعود الروقي، قال: حدّثني السري بن مسكين الأنصاري المدني، قال:
- حدثني يعقوب بن داود، قال:
-
دخلت مع المهدي في قبة في بعض الخانات في طريق خراسان، فإذا حائطها عليه أسطر مكتوبة، فدنا ودنوت معه فإذا هي هذه الأبيات:
والله ما أطعم طعم الرّقاد ... خوفا إذا نامت عيون العباد
شرّدني أهل اعتداء وما ... أذنبت ذنبا غير ذكر المعاد
آمنت بالله ولم يؤمنوا ... فكان زادي عندهم شر زاد
أقول قولا قاله خائف ... مطرد قلبي كثير السهاد
منخرق الخفّين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد
شرده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد
قد كان في الموت له راحة ... والموت خم في رقاب العباد «١»
قال: فجعل المهدي يكتب تحت كل بيت: «لك الأمان من الله ومني فأظهر متى شئت» حتى كتب ذلك تحتها أجمع، فالتفت فإذا دموعه تجري على خده، فقلت له: من ترى قائل هذا الشعر يا أمير المؤمنين؟.
قال: أتتجاهل عليّ؟ من عسى أن يقول هذا الشعر إلّا عيسى بن زيد.
ج ١ ص ٣٤٩قال: أبو الفرج الأصبهاني:
وقد أنشدني علي بن سليمان الأخفش هذا الشعر عن المنذر لعيسى بن زيد فقال فيه:
شرّدني فضل ويحيى وما ... أذنبت ذنبا غير ذكر المعاد
آمنت بالله ولم يؤمنا ... فطرداني خيفة في البلاد
والأول أصح، لأن عيسى لم يدرك سلطان آل برمك ومات قبل ذلك.
-
حدثني أحمد بن محمد، قال: حدّثني أحمد بن يحيى الحجري، قال حدثني الحسن بن الحسين الكندي، عن خصيب الوابشي، وكان من أصحاب زيد بن علي وكان خصيصا بعيسى بن زيد، قال:
كان عيسى بن زيد على ميمنة محمد بن عبد الله بن الحسن يوم قتل، ثم صار إلى إبراهيم فكان معه على ميمنته حتى قتل، ثم استتر بالكوفة في دار علي بن صالح بن حي، فكنا نصير إليه حال خوف، وربما صادفناه في الصحراء يستقي الماء على جمل لرجل من أهل الكوفة، فيجلس معنا ويحدثنا. وكان يقول لنا: والله لوددت أني آمن عليكم هؤلاء فأطيل مجالستكم، فأتزود من محادثتكم والنظر إليكم، فو الله إني لأتشوقكم وأتذكركم في خلوتي وعلى فراشي عند مضجعي، فانصرفوا لا يشهر موضعكم وأمركم فيلحقكم معرة وضرر.
-
حدّثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني أحمد بن عبد الحميد، قال حدثني محمد بن عمرو بن عتبة، عن المختار بن عمر، قال:
رأيت خصيبا الوابشي قبّل يد عيسى بن زيد، فجذب عيسى يده ومنعه من ذلك، فقال له خصيب: قبّلت يد عبد الله بن الحسن فلم ينكر ذلك عليّ.
قال أبو الفرج:
وكان خصيب هذا من أصحاب زيد بن علي، وقد شهد معه حربه، وشهد مع محمد وإبراهيم حروبهما، وروى عنهم جميعا، وروى عن زيد بن علي أيضا عدة حكايات، ولم أسمع في روايته عنه حديثا مسندا.
-
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني أحمد بن يحيى بن المنذر، قال:
ج ١ ص ٣٥٠حدثنا الحسن بن الحسين الكندي، قال حدثنا خصيب الوابشي، قال:
كنت إذا رأيت زيد بن علي رأيت أسارير النور تجري في وجهه.
-
حدثنا جعفر بن محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قال: حدثني محمد بن علي بن خلف العطار، قال حدثني محمد بن عمر والفقمي الرازي، قال: سمعت علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب العابد وهو أبو الحسين بن علي صاحب فخ، يقول:
لقد رأيتنا ونحن متوفرون وما فينا أحد خير من عيسى بن زيد.
-
حدّثنا جعفر بن محمد العلوي، قال: حدّثني محمد بن علي بن خلف، قال: حدّثني محمد بن عمرو الفقمي، قال:
قرأ عيسى بن زيد على عبد الله بن جعفر.
قال أبو الفرج:
عبد الله بن جعفر هذا والد علي بن عبد الله بن جعفر المدني المحدث، وكان من قراء القرآن، وكبار المحدثين، وخرج مع محمد بن عبد الله، فلم يزل معه حتى قتل محمد وطلبه المنصور فتوارى منه، وقد ذكرت خبره في ذلك في مقتل إبراهيم «١» .
-
حدّثني عبد الله بن زيدان البجلي، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سعيد بن عمر بن جنادة البجلي، قال:
كان الحسن بن صالح، وعيسى بن زيد بمنى، فاختلفا في مسألة من السيرة، فبينما هما يتناظران فيها جاءهما رجل فقال: قد قدم سفيان الثوري، فقال الحسن بن صالح: قد جاء الشفاء.
فقال عيسى بن زيد: فأنا أسأله عن هذا الذي اختلفنا فيه، وسأل عن
ج ١ ص ٣٥١موضعه فأخبر به، فقام إليه فمر في طريقه بجناب بن نسطاس «١» العرزمي فسلم عليه، ومضى إلى سفيان فسأله عن المسألة فأبى سفيان أن يجيبه خوفا على نفسه من الجواب لأنه كان شيء فيه على السلطان، فقال له الحسن [بن صالح] إنه عيسى بن زيد، فتنبه سفيان واستوفز، ثم نظر إلى عيسى بن زيد كالمستثبت فتقدم إليه فقال له: نعم أنا عيسى بن زيد. فقال: أحتاج إلى من يعرفك.
قال: جناب بن نسطاس أجيئك به.
فقال: افعل. قال: فذهب عيسى فجاءه به، فقال جناب بن نسطاس:
نعم يا أبا عبد الله هذا عيسى بن زيد، فبكى سفيان فأكثر البكاء، وقام من مجلسه فأجلسه فيه وجلس بين يديه، وأجابه عن المسألة، ثم ودعه وانصرف.
قال أبو الفرج:
وقد حدّثني بهذا الحديث أحمد بن محمد بن سعيد، وكنت ذكرت له ما حدثني به ابن زيدان من ذلك فقال: حدثني محمد بن سالم بن عبد الرحمن قال:
- حدّثني المنذر بن جعفر العبدي عن أبيه، قال:
-
خرجت أنا والحسن، وعلي بن صالح ابنا حي، وعبد ربه بن علقمة، وجناب بن نسطاس مع عيسى بن زيد حجاجا بعد مقتل إبراهيم، وعيسى بيننا يستر نفسه في زي الجمالين، فاجتمعنا بمكة ذات ليلة في المسجد الحرام، فجعل عيسى بن زيد، والحسن بن صالح يتذاكران أشياء من السيرة، فاختلف هو وعيسى في مسألة منها، فلما كان من الغد دخل علينا عبد ربه بن علقمة فقال:
قدم عليكم الشفاء فيما اختلفتم فيه، هذا سفيان الثوري قد قدم، فقاموا بأجمعهم فخرجوا إليه، فجاءوه وهو في المسجد جالس، فسلموا عليه، ثم سأله عيسى بن زيد عن تلك المسألة، فقال: هذه مسألة لا أقدر على الجواب عنها لأن فيها شيئا على السلطان.
فقال له الحسن: إنه عيسى بن زيد، فنظر إلى جناب بن نسطاس مستثبتا، فقال له جناب: نعم هو عيسى بن زيد، فوثب سفيان فجلس بين يدي
ج ١ ص ٣٥٢عيسى وعانقه وبكى بكاء شديدا واعتذر إليه مما خاطبه به من الرد، ثم أجابه عن المسألة وهو يبكي وأقبل علينا فقال: إن حب بني فاطمة والجزع لهم مما هم عليه من الخوف والقتل والتطريد ليبكي من في قلبه شيء من الإيمان، ثم قال لعيسى:
قم بأبي أنت فأخف شخصك لا يصيبك من هؤلاء شيء نخافه، فقمنا فتفرقنا.
-
أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني محمد بن سالم بن عبد الرحمن، قال علي بن جعفر الأحمر، حدثني أبي، قال:
كنت أجتمع أنا، وعيسى بن زيد، والحسن، وعلي ابنا صالح بن حي، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وجناب بن نسطاس، في جماعة من الزيدية في دار بالكوفة، فسعى ساع إلى المهدي بأمرنا ودلّه على الدار، فكتب إلى عامله بالكوفة بوضع الأرصاد علينا، فإذا بلغه اجتماعنا كبسنا وأخذنا ووجه بنا إليه.
-
فاجتمعنا ليلة في تلك الدار، فبلغه خبرنا فهجم علينا، ونذر القوم به وكانوا في علو الدار، فتفرقوا ونجوا جميعا غيري، فأخذني وحملني إلى المهدي فأدخلت إليه، فلما رآني شتمني بالزنا «١» وقال لي: يابن الفاعلة أنت الذي تجتمع مع عيسى بن زيد وتحثّه على الخروج عليّ وتدعو إليه الناس؟.
فقلت له: يا هذا، أما تستحيي من الله، ولا تتقي الله ولا تخافه، تشتم المحصنات وتقذفهن بالفاحشة، وقد كان ينبغي لك ويلزمك في دينك وما وليته، أن لو سمعت سفيها يقول مثل قولك أن تقيم عليه الحد.
-
فأعاد شتمي ثم وثب إليّ فجعلني تحته، وضربني بيديه، وخبطني برجليه، وشتمني.
فقلت له: إنك لشجاع شديد أيّد، حين قويت على شيخ مثلي تضربه، لا يقدر على المنع من نفسه ولا انتصار لها.
-
فأمر بحبسي والتضيق عليّ، فقيدت بقيد ثقيل وحبست سنين، فلما بلغه وفاة عيسى بن زيد بعث إليّ فدعاني فقال لي: من أي الناس أنت؟ قلت من المسلمين. قال: أعرابي أنت؟ قلت لا. قال فمن أي الناس أنت؟. قلت: كان
ج ١ ص ٣٥٣أبي عبدا لبعض أهل الكوفة وأعتقه فهو أبي.
فقال لي: إن عيسى بن زيد قد مات.
فقلت: أعظم بها مصيبة، رحمه الله، فلقد كان عابدا ورعا، مجتهدا في طاعة الله، غير خائف لومة لائم.
قال: أفما علمت بوفاته؟ قلت: بلى. قال: فلم لم تبشرني بوفاته؟.
فقلت: لم أحب أن أبشرك بأمر لو عاش رسول الله (ص) فعرفه لساءه.
-
فأطرق طويلا ثم قال: ما أرى في جسمك فضلا للعقوبة، وأخاف أن أستعمل شيئا منها فيك فتموت وقد كفيت عدوي، فانصرف في غير حفظ الله، والله لئن بلغني أنك عدت لمثل فعلك لأضربن عنقك.
قال: فانصرفت إلى الكوفة فقال المهدي للربيع: أما ترى قلّة خوفه وشدّة قلبه، هكذا يكون والله أهل البصائر.
قال علي بن جعفر: وحدثني أبي، قال:
اجتمعت أنا، وإسرائيل بن يونس، والحسن، وعلي ابنا صالح بن حي، في عدة من أصحابنا، مع عيسى بن زيد، فقال له الحسن بن صالح بن حي: متى تدافعنا بالخروج وقد اشتمل ديوانك على عشرة آلاف رجل؟.
فقال له عيسى: ويحك، أتكثر عليّ العدد وأنا بهم عارف، أما والله لو وجدت فيهم ثلثمائة رجل أعلم أنهم يريدون الله عزّ وجلّ، ويبذلون أنفسهم له، ويصدقون للقاء عدوه في طاعته، لخرجت قبل الصباح حتى أبلي عند الله عذرا في أعداء الله، وأجري أمر المسلمين على سنّته وسنّة نبيه (ص) ، ولكن لا أعرف موضع ثقة يفي ببيعته لله عزّ وجلّ، ويثبت عند اللقاء! قال: فبكى الحسن بن صالح حتى سقط مغشيا عليه.
قال: وحدثني أبي، قال:
دخلت على عيسى بن زيد وهو يأكل خبزا وقثاء، فأعطاني رغيفين وقثائتين
ج ١ ص ٣٥٤وقال لي: كل، فأكلت رغيفا ونصف الآخر مع قثاءة ونصف فشبعت وتركت الباقي، فلما كان بعد أيام جئته فأخرج لي الكسرة ونصف القثاءة وقد ماتت فقال لي: كل فقلت: وأي شيء كان في هذا حتى خبأته لي.
قال: قد أعطيتك إيّاه فصار لك فأكلت بعضه وبقي البعض، فكله إن شئت أو فتصدق به.
-
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي عبيد الله، عن القاسم بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، قال:
حدّثني من شهد عيسى بن زيد لما انصرف من واقعة باخمري وقد خرجت عليه لبؤة معها أشبالها، فعرضت للطريق وجعلت تحمل على الناس، فنزل عيسى فأخذ سيفه وترسه ثم نزل إليها فقتلها، فقال له مولى له: أيتمت أشبالها يا سيدي فضحك فقال: نعم أنا ميتم الأشبال، فكان أصحابه بعد ذلك إذا ذكروه كنوا عنه وقالوا: قال موتم الأشبال كذا، وفعل موتم الأشبال كذا، فيخفى أمره.