٣٥ - عيسى بن زيد بن علي

٥٩ فقرة، ج ١ ص ٣٤٢

الصفحة ٢ من ٢

  1. وقد ذكر ذلك يموت بن المزرّع «١» في قصيدة رثى فيها أهل البيت عليهم السلام.

    ج ١ ص ٣٥٤
  2. وذكرها أيضا الشّميطي «٢» ، وكان من شعراء الامامية، في قصيدة عاب فيها من خرج من الزيدية رضوان الله عليهم فقال:

    سنّ ظلم الإمام للناس زيد ... إنّ ظلم الإمام ذو عقّال

    وبنو الشيخ والقتيل بفخ ... بعد يحيى وموتم الأشبال

    أخبرنا عيسى بن الحسين الورّاق، قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان

  3. النوفلي قال: حدثني أبي عن أبيه وعمه، قال:
  4. إن عيسى بن زيد انصرف من وقعة باخمري بعد مقتل إبراهيم فتوارى في دور ابن صالح بن حي، وطلبه المنصور طلبا ليس بالحثيث. وطلبه المهدي وجدّ في طلبه حينا فلم يقدر عليه، فنادى بأمانه ليبلغه ذلك فيظهر، فبلغه فلم يظهر، وبلغه خبر دعاة له ثلاثة وهم: ابن علاق الصيرفي، وحاضر مولى لهم، وصباح الزعفراني، فظفر بحاضر فحبسه، وقرّره ورفق به واشتد عليه ليعرّفه موضع عيسى فلم يفعل، فقتله.

  5. ومكث طول حياة عيسى يطلب صباحا وابن علاق فلم يظفر بهما.

  6. ثم مات عيسى بن زيد فقال صباح للحسن بن صالح: أما ترى هذا العذاب والجهد الذي نحن فيه بغير معنى، قد مات عيسى بن زيد ومضى لسبيله وإنما نطلب خوفا منه، فإذا علم أنه قد مات أمنوه وكفوا عنا، فدعني آتي هذا الرجل- يعني المهدي- فأخبره بوفاته حتى نتخلص من طلبه لنا، وخوفنا منه.

    فقال: لا والله لا تبشر عدو الله بموت ولي الله ابن نبي الله، ولا نقر عينه فيه ونشمته به، فو الله لليلة يبيتها خائفا منه أحبّ إليّ من جهاد سنة وعبادتها.

    قال: ومات الحسن بن صالح بعده بشهرين، فحدث صباح الزعفراني قال:

    أخذت أحمد بن عيسى، وأخاه زيدا فجئت بهما إلى بغداد فجعلتهما في موضع أثق به عليهما، ثم لبست أطمارا وجئت إلى دار المهدي، فسألت أن أوصل إلى الربيع وأن يعرف أن عندي نصيحة وبشارة بأمر يسر الخليفة. فدخلوا عليه فأعلموه بذلك فخرجوا إليّ فأذنوا لي، فدخلت إليه وقال: ما نصيحتك؟.

    فقلت: لا أقولها إلّا للخليفة.

    فقال: لا سبيل إلى ذلك دون أن تعلمني النصيحة ما هي.

    فقلت: أما النصيحة فلا أذكرها إلّا له، ولكن أخبره أني صباح الزعفراني، داعية عيسى بن زيد، فأدناني منه ثم قال:

    ج ١ ص ٣٥٦يا هذا: لست تخلو من أن تكون صادقا أو كاذبا، وهو على الحالين قاتلك، إن كنت صادقا فأنت تعرف سوء أثرك عنده، وطلبه لك، وبلوغه في ذلك أقصى الغايات، وحرصه عليه، وحين تقع عينه عليك يقتلك.

  7. وإن كنت كاذبا وإنما أردت الوصول إليه من أجل حاجة لك غاظه ذلك من فعلك فقتلك، وأنا ضامن لك قضاء حاجتك كائنة ما كانت لا أستثني شيئا.

    فقلت: أنا صباح الزعفراني، والله الذي لا إله إلّا هو ما لي إليه حاجة، ولو أعطاني كل ما يملك ما أردته ولا قبلته، وقد صدقتك فإن أخبرته وإلّا توصلت إليه من جهة غيرك.

    فقال: اللهم اشهد اني بريء من دمه، ثم وكّل بي جماعة من أصحابه وقام فدخل، فما ظننت أنه وصل إليه حتى نودي: هاتوا الصباح الزعفراني.

  8. فأدخلت إلى الخليفة فقال لي: أنت صباح الزعفراني؟ قلت: نعم.

    قال: فلا حيّاك الله ولا بيّاك، ولا قرّب دارك، يا عدو الله، أنت الساعي على دولتي، والداعي إلى أعدائي؟.

    قلت: أنا والله هو، وقد كان كل ما ذكرته.

    فقال: أنت إذا الخائن الذي أتت به رجلاه، أتعترف بهذا مع ما أعلمه منك، وتجيئني آمنا؟.

    فقلت: إني جئتك مبشرا ومعزيا.

    قال: مبشرا بماذا؟ ومعزيا بمن؟.

    قلت: أما البشرى فبوفاة عيسى بن زيد.

  9. وأما التعزية ففيه لأنه ابن عمك ولحمك ودمك.

  10. فحول وجهه إلى المحراب وسجد وحمد الله، ثم أقبل عليّ وقال: ومنذ كم مات؟ قلت: منذ شهرين.

    قال: فلم لم تخبرني بوفاته إلّا الآن؟.

    ج ١ ص ٣٥٧قلت: منعني الحسن بن صالح، وأعدت عليه بعض قوله. قال: وما فعل؟ قلت: مات، ولولا ذلك ما وصل إليك الخبر ما دام حيا. فسجد سجدة أخرى وقال: الحمد لله الذي كفاني أمره، فلقد كان أشدّ الناس عليّ، ولعلّه لو عاش لأخرج عليّ غير عيسى، سلني ما شئت فو الله لأغنينك، ولا رددتك عن شيء تريده.

    قلت: والله ما لي حاجة، ولا أسألك شيئا إلّا حاجة واحدة.

    قال: وما هي؟ قلت: ولد عيسى بن زيد، والله لو كنت أملك ما أعولهم به ما سألتك في أمرهم ولا جئتك بهم، ولكنهم أطفال يموتون جوعا وضرّا، وهم ضائعون، وما لهم شيء يرجعون إليه، إنما كان أبوهم يستقي الماء ويعولهم، وليس لهم الآن من يكفلهم غيري، وأنا عاجز عن ذلك وهم عندي في ضنك، وأنت أولى الناس بصيانتهم، وأحق بحمل ثقلهم، فهم لحمك ودمك، وأيتامك وأهلك.

    قال: فبكى حتى جرت دموعه، ثم قال: إذا يكونون والله عندي بمنزلة ولدي، لا أوثرهم عليهم بشيء، فأحسن الله يا هذا جزاءك عني وعنهم، فلقد قضيت حق أبيهم وحقوقهم، وخففت عني ثقلا، وأهديت إليّ سرورا عظيما.

    قلت: ولهم أمان الله ورسوله وأمانك، وذمتك وذمة آبائك في أنفسهم وأهليهم وأصحاب أبيهم أن لا تتبع أحدا منهم بتبعة ولا تطلبه؟.

    قال: ذلك لك لوهم من أمان الله وأماني، وذمتي وذمة آبائي، فاشترط ما شئت، فاشترطت عليه واستوثقت حتى لم يبق في نفسي شيء.

    ثم قال: يا حبيبي، وأي ذنب لهؤلاء وهم أطفال صغار، والله لو كان أبوهم بموضعهم حتى يأتيني أو أظفر به ما كان له عندي إلّا ما يحب، فكيف بهؤلاء، إذهب يا هذا أحسن الله جزاءك فجئني بهم، وأسألك بحقي أن تقبل مني صلة تستعين بها على معاشك.

    قلت: أما هذا فلا، فإنما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسعهم.

  11. وخرجت فجئته بهم، فضمهم إليه وأمر لهم بكسوة ومنزل وجارية

    ج ١ ص ٣٥٨تحضنهم، ومماليك يخدمونهم، وأفرد لهم في قصره حجرة.

  12. وكنت أتعهدهم فأعرف أخبارهم. فلم يزالوا في دار الخلافة إلى أن قتل محمد الأمين وانتصر أمر دار الخلافة، وخرج من كان فيها، فخرج أحمد بن عيسى فتوارى، وكان أخوه زيد مرض قبل ذلك ومات.

  13. حدّثني أحمد بن عبيد الله بن عمّار بهذا الخبر على خلاف هذه الحكاية، قال: حدّثني هاشم بن أحمد البغوي، قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني إبراهيم بن رياح، قال: حدّثني الفضل بن حماد الكوفي، وكان من أصحاب الحسن بن صالح بن حي:

    أن عيسى بن زيد صار إلى الحسن بن صالح فتوارى عنده، فلم يزل على ذلك حتى مات في أيّام المهدي، فقال الحسن لأصحابه: لا يعلم بموته أحد فيبلغ السلطان فيسره ذلك، ولكن دعوه بخوفه ووجله منه وأسفه عليه حتى يموت، ولا تسروه بوفاته فيأمن مكروهه.

  14. فلم يزل ذلك مكتوما حتى مات الحسن بن صالح رحمه الله، فصار إلى المهدي رجل يقال له ابن علّاق الصيرفي، وكان اسمه قد وقع إليه وبلغه أنه من أصحاب عيسى، فلما وقف ببابه واستأذن له الحاجب أمر بإدخاله إليه، فأدخل فسلم على المهدي بالخلافة وقال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك عيسى.

    فقال له: ويحك ما تقول؟.

    قال: الحق والله أقول. فقال: ومتى مات؟ فعرفه فقال: ما منعك أن تعرفني قبل هذا؟ قال: منعني الحسن بن صالح. وصدقه عن قوله فيه فقال له: لئن كنت صادقا لأحسنن صلتك، ولأوطئن الرجال عقبك.

    قال: ليس لهذا قصدت، إنما علمت أنك في شك من أمره، ولم آمن أن يتشوف به الناس عندك، فأحببت أن تقف على خبره فتستريح وتريح.

    قال: أما إنك جئتني ببشارتين يجل خطرهما موت عيسى والحسن بن صالح، وما أدّى بأيّهما أنا أشدّ فرحا، فسلني حاجتك.

    ج ١ ص ٣٥٩قال: ولده تحفظهم، فو الله ما لهم من قليل ولا كثير. وكان الحسن بن عيسى بن زيد قد مات في حياة أبيه، وكان الحسين متزوجا ببنت الحسن بن صالح، فأتاه أحمد وزيد ابنا عيسى فنظر إليهما وأجرى لهما أرزاقا، ومضيا بإذنه إلى المدينة، فمات زيد بها، وبقي أحمد إلى خلافة الرشيد وصدرا من خلافته وهو ظاهر، ثم بلغ الرشيد بعد ذلك أنه يتنسك ويطلب الحديث وتجتمع إليه الزيدية، فبعث فأخذه وحبسه مدة إلى أن أمكنه التخلّص من الحبس، وخبره في ذلك يذكر مشروحا إذا انتهى الكتاب إلى أخباره، إن شاء الله تعالى.

  15. حدثني عمي الحسن بن محمد، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه. قال: حدثنا محمد بن أبي العتاهية، قال: حدثني أبي «١» :

    لما امتنعت من قول الشعر وتركته أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم، فأخرجت من بين يديه إلى الحبس، فلما أدخلته دهشت وذهل عقلي، ورأيت منظرا هالني، فرميت بطرفي أطلب موضعا آوي إليه أو رجلا آنس بمجالسته، فإذا أنا بكهل حسن السمت، نظيف الثوب، يبين عليه سيماء الخير فقصدته فجلست إليه من غير أن أسلم عليه أو أسأله عن شيء من أمره لما أنا فيه من الجزع والحيرة، فمكثت كذلك مليا وأنا مطرق مفكر في حالي، فأنشد هذا الرجل هذين البيتين. فقال:

    تعوّدت مسّ الضرّ حتى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر

    وصيّرني يأسي من الناس واثقا «٢» ... بحسن صنيع الله من حيث لا أدري

    فاستحسنت البيتين وتبركت بهما وثاب إلى عقلي، فأقبلت على الرجل فقلت له: تفضل أعزّك الله بإعادة هذين البيتين.

    فقال لي: ويحك يا إسماعيل، ولم يكنني، ما أسوأ أدبك، وأقل عقلك ومروءتك، دخلت إليّ ولم تسلم عليّ بتسليم المسلم على المسلم، ولا توجعت لي توجع المبتلي للمبتلى، ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم حتى إذا سمعت من

    ج ١ ص ٣٦٠ببيتين من الشعر الذي لم يجعل الله فيك خيرا ولا أدبا «١» ولا جعل لك معاشا غيره، لم تتذكر ما سلف منك فتتلافاه، ولا اعتذرت مما قدمته وفرّطت فيه من الحق حتى استنشدتني مبتديا، كأن بيننا أنسا قديما، ومعرفة شافية، وصحبة تبسط المنقبض! فقلت له: اعذرني متفضلا فإن دون ما أنا فيه يدهش.

    قال: وفي أي شيء أنت، إنما تركت قول الشعر الذي كان جاهك عندهم وسبيلك إليهم، فحبسوك حتى تقوله، وأنت لا بد من أن تقوله، فتطلق، وأنا يدعى بي الساعة فأطالب بإحضار عيسى بن زيد بن رسول الله (ص) ، فإن دللت عليه فقتل لقيت الله بدمه، وكان رسول الله (ص) خصمي فيه، وإلّا قتلت، فأنا أولى بالحيرة منك، وأنت ترى احتسابي وصبري.

    فقلت: يكفيك الله وأطرقت خجلا منه «٢» .

    فقال لي: لا أجمع عليك التوبيخ والمنع، اسمع البيتين واحفظهما.

  16. فأعادهما عليّ مرارا حتى حفظتهما، ثم دعى به وبي فلما قمنا قلت: من أنت أعزك الله؟.

    قال: أنا حاضر «٣» صاحب عيسى بن زيد. فأدخلنا على المهدي، فلما وقف بين يديه قال له: أين عيسى بن زيد؟.

    ج ١ ص ٣٦١قال: ما يدريني أين عيسى، طلبته وأخفته «١» فهرب منك في البلاد، وأخذتني فحبستني، فمن أين أقف على موضع هارب منك وأنا محبوس؟.

    فقال له: فأين كان متواريا؟ ومتى آخر عهدك به؟ وعند من لقيته؟.

    فقال: ما لقيته منذ توارى، ولا أعرف له خبرا.

    قال: والله لتدلني عليه، أو لأضربن عنقك الساعة.

    قال: اصنع ما بدا لك، أنا أدلك على ابن رسول الله (ص) لتقتله، فألقى الله ورسوله وهما يطالباني بدمه، والله لو كان بين ثوبي وجلدي ما كشفت عنه.

    قال: اضربوا عنقه. فقدم فضرب عنقه.

  17. ثم دعاني فقال: أتقول الشعر أو ألحقك به.

    فقلت: بل أقول الشعر، فقال: أطلقوه.

  18. قال محمد بن القاسم بن مهرويه، والبيتان اللذان سمعهما من حاضر في شعره الآن.

    قال أبو الفرج:

    وقد روى هذا الخبر غير ابن مهرويه بغير هذا الإسناد، فذكر أن حاضرا كان داعية لأحمد بن عيسى بن زيد، وان قصته مع أبي العتاهية كانت في أيام الرشيد، وأن الرشيد قتله بسبب أحمد بن عيسى بن زيد ومطالبته إيّاه بإحضاره أو الدلالة عليه.

  19. والأول عندي أصح.