٦٢ - أحمد بن عيسى بن زيد
٣٤ فقرة، ج ١ ص ٤٩٢
- ج ١ ص ٤٩٢
قال أبو الفرج:
وممن توارى فمات في حال تواريه في تلك الأيام.
-
أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين، عليه السلام.
-
ويكنى أبا عبد الله.
-
وأمه عاتكة بنت الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث عبد المطلب.
-
وكان فاضلا عالما مقدما في أهله، معروفا فضله.
-
وقد كتب الحديث، وعمرو كتب عنه، وروى عنه الحسين بن علوان روايات كثيرة، وقد روى عنه محمد بن المنصور الراوي ونظراؤه.
-
وكان ابتداء تواريه في غير هذه الأيام، إلّا أنه توفي بعد تواريه بمدة طويلة في أيام المتوكل، فذكرنا خبره في أيامه.
-
وقد ذكرنا بعض خبره في مجيء ابن علاق الصيرفي وصباح الزعفراني إلى المهدي بعد موت أبيه وإجرائه عليه الرزق ورده إلى الحجاز إلى أيام هارون الرشيد.
-
فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني علي بن محمد النوفلي، عن أبيه، قال: ونسخت من كتاب هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال:
وحدثني هاشم بن أحمد البغوي، عن جعفر بن محمد بن إسماعيل:
أنه وشى إلى هارون بأحمد بن عيسى، والقاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين وأمه أم ولد، فأمر بإشخاصهما إليه من الحجاز، فلما وصلا إليه أمر بحبسهما، فحبسا في سعة عند الفضل بن الربيع «١» فكانا عنده. قال: فاحتال
ج ١ ص ٤٩٣بعض الزيدية فدس إليهما فالوذجا في جامات أحدهما مبنّج، فأطعما المبنّج الموكلين، فلما علما أن ذلك قد بلغ فيهم خرج.
-
هكذا قال النوفلي.
-
وقال هاشم بن أحمد، عن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن رياح:
أن أحمد بن عيسى كان قد خرج يوما لبعض حاجته، فرأى الموكلين به نياما فأخذ كوزا فشرب فيه، ثم رمى به من يده ليعلم أنهم نيام أم متيقظون، فلم يتحرك منهم أحد، فرجع إلى القاسم فأخبره، فقال له: ويحك، لا تحدث نفسك بالخروج فأنا في دعة وعافية مما فيه أهل الحبوس.
فقال له: لست والله براجع، فإن شئت أن تخرج معي فافعل، فإني سأستظهر لك بشيء أفعله تطيب نفسك به، فاخرج فاتبعني فإنك إن لم تفعل لم تبق بعدي سليما.
-
ثم خرج أحمد بن عيسى فأخذ جرة فشالها ليشرب منها، ثم رمى بها من قامته فما تحركوا، وخرج لوجهه.
-
وتبعه القاسم، فلما صار خارج الدار خالف كل واحد منهما طريق صاحبه، وافترقا واتعدا لموضع يلتقيان فيه.
-
فلقي أحمد بن عيسى مولى للفضل بن الربيع، فدنا يتعرفه «١» ، فعارضه في الطريق. فصاح به: تنح يا ماص كذا وكذا «٢» ، فخافه فتنحى وظن أنه أطلق، وجاء إلى الدار التي كان فيها محبوسا فنظر إلى الحرس وهم نيام فأنبهم وسألهم عن الخبر، فأيقنوا بالشر، ومضوا في طلب الرجلين، ففاتاهم فلم يقدروا عليهما.
-
ومضى أحمد بن عيسى حتى أتى منزل محمد بن إبراهيم الذي يقال له:
إبراهيم الإمام، فقال لغلامه: قل له أحمد بن عيسى بن زيد. فدخل الغلام فأخبره، [وعرف مولاه الخبر] فقال له: ويحك هل رآه أحد؟ قال: لا، قال:
أدخله، فدخل فسلّم عليه وعرّفه الخبر وقال له: لقد رأيتك موضعا لدمي، فاتق الله في. فأدخله منزله وستره.
-
ولم يزل مدة ببغداد مستترا، وقد بلغ الرشيد خبره، فوضع الرصد في كل
ج ١ ص ٤٩٤موضع، وأمر بتفتيش كل دار يتهم صاحبها بالتشيع وطلب أحمد فيها، فلم يزل ذلك [دأبه] حتى أمكنه التخلص، فمضى إلى البصرة فأقام بها.
-
وقد اختلف أيضا في تخلصه كيف كان، فلم نذكره كراهة الإطالة، إلّا أن أقرب ذلك إلى الحق ما ذكره النوفلي من أن محمد بن إبراهيم كان له ابن منهوم بالصيد، فدفع إليه أحمد بن عيسى، وأقسم عليه أن يخرجه في جملة غلمانه متلثما متنكرا، ولا يسأله عن شيء حتى يوافي به المدائن، ويخرجه عنها إلى نحو فرسخ من خارجها، وينتظر حتى يمرّ به زورق منحدر فيقعده فيه ويحدره إلى البصرة، ففعل ذلك، ونجا أحمد فمضى إلى البصرة.
-
رجع الحديث إلى حكاية هارون بن محمد:
قال:
ثم إن الرشيد دعا برجل من أصحابه يقال له: ابن الكردية، واسمه يحيى بن خالد فقال له: قد وليتك الضياع بالكوفة، فامض إليها وتول العمل بها، وأظهر أنك تتشيع، وفرّق الأموال في الشيعة حتى تقف على خبر أحمد بن عيسى.
-
فمضى ابن الكردية هذا ففعل ما أمر به، وجعل يفيض الأموال في الشيعة ويفرقها عليهم ولا يسألهم عن شيء حتى ذكروا له رجلا منهم يقال له: أبو غسان الخزاعي، فأطنبوا في وصفه، وأعرض عنهم ولم يكشفهم عنه إلى أن [ذكروه مرة أخرى فقال: وما فعل هذا الرجل؟ إنا إليه لمشتاقون] «١» ، قالوا: هو مع أحمد بن عيسى بالبصرة، فكتب بذلك إلى الرشيد، فأمره بالرجوع إلى بغداد، ثم ولّاه البصرة مثل ما كان ولّاه بالكوفة، فمضى إليها.
-
وكان [مع] أحمد بن عيسى بن زيد رجل من أصحاب يحيى بن عبد الله يقال له: حاضر، وكان ينقله من موضع إلى موضع، حتى أنزله في دار يقال لها: دار عاقب في العتيك، وكان لا يظهره لأحد، ويقول: إنما نزل في تلك الناحية هربا من دين عليه. قال: فحدثني يزيد بن عيينة أنه كان يخرج إليهم فيقول لهم: [عليّ دين] ويسألهم. قال: فيقولون له: لو طلبك السلطان لم يقدر عليك فكيف لمن له عليك دين.
ج ١ ص ٤٩٥قال: وجاء ابن الكردية هذا إلى البصرة ففعل ما فعله بالكوفة، وجعل يفرق الأموال في الشيعة حتى ذكروا له حاضرا وأحمد بن عيسى، فتغافل عنهم، ثم أعادوا ذكره بعد ذلك فتعرض لهم بذكره ولم يستقصه، ثم عاودوه فقال لهم: إني أحب أن ألقى هذا الرجل، فقالوا له: لا سبيل إلى ذلك. قال: فاحملوا إليه مالا يستعين به، وأعلموه أني لو قدرت على أن أعطيه جميع مال السلطان لفعلت، فأخذوا المال وحملوه إلى حاضر فقبله، وجعل ابن الكردية يتابع الأموال إلى حاضر بعضها ببعض حتى أنسوا به واطمأنوا إليه، فقال لهم يوما: ألا يجيئنا هذا الشيخ؟
فقالوا له: لا يمكن ذلك. قال: فليأذن لنا نأته نحن. قالوا: نسأله ذلك، فأتوه وسألوه إيّاه فقال: لا والله لا آذن له أبدا، ويحكم ألا تنتهون؟ هذا والله محتال:
فقالوا له: لا والله ما هو بمحتال. فلم يزالوا به حتى أجابهم إلى أن تلقاه، فلما كان الليل قال لأحمد بن عيسى: قم فاخرج إلى موضع آخر، فإن ابتليت سلمت أنت، فخرج أحمد، وبعث ابن الكردية إلى أحمد بن الحرث الهلالي «١» ، وكان أمير البصرة يأمره أن يبعث بالرجال إليه ليهجموا عليه حيث يدخل، ومضى هو حتى أتى الدار، وبعث بغلامه حتى جاء معه بالرجال فهجموا على حاضر، فقال لابن الكردية:
ويلك غررتني بالله. قال: ما فعلت، ولعلّ السلطان أن يكون قد بلغه خبرك.
-
فأخذ فأتى به محمد بن الحارث فحبسه ليلته، فلما كان من غد اجتمع الناس إليه، وأمر من أتاه بحاضر فجيء به فقال له: اتق الله في دمي، فو الله ما قتلت نفسا، ولا أخفت السبيل، فسمعته يقول: جاءوا بحاضر ولا أعلمه صاحبي الذي كان يجالسني، ويذكر أنه مستتر من غرمائه، فأدخل عليه، فخشيت أن يلحقني ما لا أحب، فنظر إليّ نظرة فتوقعت أن يكلمني أو يستشهدني كما يفعل المستغيث فما فعل من ذلك شيئا، إنما لحظني لحظة ثم حول وجهه عني كأنه لم يعرفني قط، فقال له محمد بن الحرث: إن أمير المؤمنين غير متهم عليك، فحمله إليه. فأتى به هارون الرشيد وهو في الشماسية، فأحضره وأحضر الحازمي رجلا من ولد عبد الله بن حازم، وكان قد أخذ له بيعة ببغداد فوقعت في يد الرشيد فبدأ به، ثم قال: جئت من خراسان إلى دار مملكتي تفسد عليّ أمري وتأخذ بيعة؟.
قال: ما فعلت يا أمير المؤمنين.
ج ١ ص ٤٩٦قال: بلى والله قد فعلت، وهذه بيعتك عندي، والله لا تبايع أحدا بعدها.
-
ثم أمر به فأعقد في النطع وضرب عنقه.
-
ثم أقبل على حاضر فقال: هيه صاحب يحيى بن عبد الله بالحيل، عفوت عنك وأمنتك، ثم صرت تسعى عليّ مع أحمد بن عيسى تنقله من مصر إلى مصر، ومن دار إلى دار كما تنقل السنور أولادها، والله لتجيئني به أو لأقتلنك.
-
قال يا أمير المؤمنين، بلغك عني غير الحق.
قال: والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك.
قال: إذا أخاصمك بين يدي الله.
قال: والله لتجيئني به أو لأقتلنك وإلّا فأنا نفي من المهدي.
قال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها لك عنه، وأنا أجيئك بابن رسول الله (ص) حتى تقتله؟ افعل ما بدا لك.
-
فأمر هرثمة فضربت عنقه، وصلب مع الحازمي ببغداد.
-
هذه رواية النوفلي.
-
والصحيح الذي ذكرته متقدما أن المهدي قتله لأنه طالبه بعيسى بن زيد فقتله ولكن ذكرت كل ما روى في ذلك.
-
وأخبرني علي بن الحسين بن علي بن حمزة «١» العلوي، عن عمه محمد بن علي بن حمزة، عن المدائني، عن الهيثم، ويونس بن مرزوق:
أن رجلا رفع إلى صاحب البريد بأصبهان، أن أحمد بن عيسى وحاضرا بالبصرة وكور الأهواز يترددان، فكتب الرشيد في حملهما والقدوم بهما عليه، وكتب إلى أبي الساج وهو على البحرين، وإلى خالد بن الأزهر، وهو على الأهواز، وإلى خالد طرشت «٢» وكان على بريد طريق السند، بالسمع والطاعة لصاحب بريد أصبهان، وأمر له بثلاثين ألف، وأمره بالمصير إلى هذه النواحي، وطلب أحمد بن عيسي.
-
فورد الأهواز، وأظهر أنه يطلب الزنادقة، وكان الذي أتاه بالخبر رجل
ج ١ ص ٤٩٧بربري كان أحمد بن عيسى يأنس به، فلما قدم هذا الرجل وكان يعرف بعيسى الرواوزدي، أتى ذلك البربري أحمد بن عيسى كما كان يأتيه، فوصف له عيسى هذا وقال له: إنه من شيعتك ومن حاله ومن قصته، فأذن له فدخل إليه وهو جالس، ومعه ابن إدريس بن عبد الله، وكاتب كان لإبراهيم بن عبد الله، فبدأ بأحمد بن عيسى وابن إدريس فقبل أيديهما، وجلس معهما وآنسهما، وجعل يرسل إليهما بالهدايا والكسوة، واشترى لهما وصيفتين، فاطمأنا إليه وأكلا من طعامه وشربا من شرابه، فلما وقعت الثقة قال له: هذا بلد ضيّق ولا خير فيه، فهلما معي حتى أوافي بكما مصر وإفريقية فإن أهلهما يخفون معي ويطيعونني. قالوا: وكيف تأخذ بنا؟
قال: أجلسكم الماء إلى واسط، ثم آخذ بكم على طريق الكوفة، ثم على الفرات إلى الشام. فأجابوه فأجلسهم في السفينة، وصيّر معهم أعوان أبي الساج أمناء عليهم ومضوا.
-
ولما كان في بعض الطريق قال لهم: أتقدمكم إلى واسط لإصلاح بعض ما نحتاج إليه من سفرنا من كراء أو غيره، ومضى هو والبربري فركبا دواب البريد وأوصى الموكلين بهما ألّا يعلمونهم بشيء ولا يوهمونهم أنهم من أصحاب السلطان، وأن يحتاطوا عليهم ما قدروا، ففعلوا ذلك ومضوا.
-
فلما كانوا ببعض الطريق حبسهم أصحاب الصدقة وقالوا: لا تجوزوا، فصاح بهم الموكلون: نحن من أصحاب أبي الساج وأعوانه جئنا في أمر مهم، فخلوا عنهم، وانتبه أحمد بن عيسى وأصحابه لذلك، فلما جاوزوا قليلا قال لهم أحمد بن عيسى: أقدموا إلى الشط «١» لنصلي. فقدم الملاحون، وخرجوا، فتفرقوا بين النخل وتستروا بها وأبعدوا عن أعين الموكلين، والموكلون في الزورق لا يوهمونهم أنهم معهم، فلما بعدوا عن أعينهم جعلوا يحضرون على أقدامهم حتى فاتوهم هربا وبعدوا عنهم. وطال انتظار الموكلين بهم، فلم يعرفوا خبرهم وما الذي أبطأ بهم، فخرجوا يطلبونهم، فلم يجدوهم، وتتبعوا آثارهم وجدّوا في أمرهم، فلم يقدروا عليهم، فرجعوا إلى الزورق خائبين حتى أتوا واسط، وقد قدمها عيسى صاحب بريد أصبهان الذي دبّر على القوم ما دبر، وقد وجّه معه الرشيد ثلاثين رجلا ليتسلم
ج ١ ص ٤٩٨أحمد، فأخبروه ما كان، فقال: لا والله ولكن ارتشيتم وصانعتم وداهنتم، وقدم بهم على الرشيد فضربهم بالسياط ضربا مبرحا، وحبسهم جميعا في المطبق، وغضب على أبي الساج دهرا حتى سأله فيه أخوه الرشيد، فرضي عنه بعد أن كان قد همّ بقتله.
-
ومضى أحمد بن عيسى وأصحابه فرجعوا إلى البصرة، فلم يزالوا مقيمين حتى مات أحمد بن عيسى، وذلك في سنة سبع وأربعين ومائتين.
-
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: حدثني علي بن أحمد بن عيسى:
ان أباه توفي في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان سنة سبع وأربعين ومائتين.
-
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال:
سألت أحمد بن عيسى: كم تعد من السنين؟.
قال: ولدت يوم الثاني من المحرم سنة سبع وخمسين ومائة.