٦٣ - عبد الله بن موسى

٢٢ فقرة، ج ١ ص ٤٩٨

  1. وعبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام وأمه أم سلمة بنت محمد بن طلحة «١» بن عبد الرحمن بن أبي بكر، ولها يقول وحشي الرياحي:

    يعجبني من فعل كل مسلمه ... مثل الذي تفعل أم سلمه

    إقصاؤها عن بيتها كل أمه ... وأنها قدما تساوي المكرمه

    وكان عبد الله توارى في أيام المأمون، فكتب إليه بعد وفاة الرضا يدعوه إلى الظهور ليجعله مكانه ويبايع له، واعتد عليه بعفوه عمن عفا من أهله، وما أشبه هذا من القول:

    ج ١ ص ٤٩٨
  2. فأجابه عبد الله برسالة طويلة يقول فيها:
  3. فبأي شيء تغرني «١» ؟ ما فعلته بأبي الحسن- صلوات الله عليه- بالعنب الذي أطعمته إيّاه فقتلته.

    ج ١ ص ٤٩٩
  4. والله ما يقعدني عن ذلك خوف من الموت ولا كراهة له، ولكن لا أجد لي فسحة «٢» في تسليطك على نفسي، ولولا ذلك لأتيتك حتى تريحني من هذه الدنيا الكدرة.

  5. ويقول فيها:

    هبني لا ثأر لي عندك وعند آبائك المستحلين لدمائنا، الآخذين حقنا، الذين جاهروا «٣» في أمرنا فحذرناهم، وكنت ألطف حيلة منهم بما استعملته من الرضى بنا والتستر لمحننا، تختل واحدا فواحدا منا، ولكني كنت امرأ حبب إليّ الجهاد، كما حبب إلى كل امرئ بغيته «٤» ، فشحذت سيفي، وركبت سناني على رمحي، واستقرهت فرسي، لم أدر أيّ العدوّ أشد ضررا على الإسلام، فعلمت أن كتاب الله يجمع كل شيء، فقرأته فإذا فيه: يأيّها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفّار وليجدوا فيكم غلظة «٥» .

  6. فما أدري من يلينا منهم، فأعدت النظر، فوجدته يقول: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم «٦» فعلمت أنّ عليّ أن أبدأ بما قرب مني.

  7. وتدبرت فإذا أنت أضر على الإسلام والمسلمين من كل عدو لهم، لأن الكفار خرجوا منه وخالفوه فحذرهم الناس وقاتلوهم، وأنت دخلت فيه ظاهرا فأمسك الناس وطفقت تنقض عراه عروة عروة، فأنت أشد أعداء الإسلام ضررا عليه.

  8. وهي رسالة طويلة قد أتينا بها في الكتاب الكبير.

  9. وأخبرني «١» جعفر بن محمد الوراق الكوفي، قال: حدثني عبد الله بن علي بن عبيد الله العلوي الحسيني، عن أبيه، قال:

    كتب المأمون إلى عبد الله بن موسى وهو متوار منه يعطيه الأمان، ويضمن له أن يوليه العهد بعده، كما فعل بعلي بن موسى، ويقول: ما ظننت أن أحدا من آل أبي طالب يخافني بعد ما عملته بالرضا، وبعث الكتاب إليه.

    ج ١ ص ٥٠٠
  10. فكتب إليه عبد الله بن موسى:
  11. وصل كتابك وفهمته، تختلني فيه عن نفسي ختل القانص، وتحتال على حيلة المغتال القاصد لسفك دمي.

  12. وعجبت من بذلك العهد وولايته لي بعدك، كأنك تظن أنه لم يبلغني ما فعلته بالرضا، ففي أي شيء ظننت أني أرغب من ذلك؟.

  13. أفي الملك الذي قد غرتك نضرته وحلاوته؟ فو الله لأن أقذف وأنا حيّ في نار تتأجج أحب إليّ من أن ألي أمرا بين المسلمين أو أشرب شربة من غير حلها مع عطش شديد قاتل.

  14. أم في العنب المسموم الذي قتلت به الرضا؟

  15. أم ظننت أن الاستتار قد أملّني وضاق به صدري، فو الله إني لدلك، ولقد مللت الحياة وأبغضت الدنيا، ولو وسعني في ديني أن أضع يدي في يدك حتى تبلغ من قبلي مرادك لفعلت ذلك، ولكن الله قد حظر على المخاطرة بدمي، وليتك قدرت عليّ من غير أن أبذل نفسي لك فقتلتني، ولقيت الله- عزّ وجلّ- بدمي، ولقيته قتيلا مظلوما، فاسترحت من هذه الدنيا.

  16. واعلم أني رجل طالب النجاة لنفسي، واجتهدت فيما يرضى الله عزّ وجلّ عني، وفي عمل أتقرب به إليه، فلم أجد رأيا يهدي إلى شيء من ذلك، فرجعت إلى القرآن الذي فيه الهدى والشفاء، فتصفحته سورة سورة، وآية آية، فلم أجد شيئا أزلف للمرء عند ربه جل وعز من الشهادة في طلب مرضاته.

  17. ثم تتبعته ثانية أتأمل الجهاد أيه أفضل، ولأي صنف، فوجدته جل وعلا

    ج ١ ص ٥٠١يقول: قاتلوا الذين يلونكم من الكفّار وليجدوا فيكم غلظة «١» فطلبت أيّ الكفّار أضرّ على الإسلام، وأقرب من موضعي، فلم أجد أضر على الإسلام منك، لأن الكفار أظهروا كفرهم، فاستبصر الناس في أمرهم، وعرفوهم فخافوهم.

  18. وأنت ختلت المسلمين بالإسلام، وأسررت الكفر، فقتلت بالظنّة، وعاقبت بالتهمة، وأخذت المال من غير حله فأنفقته في غير حله، وشربت الخمر المحرمة صراحا، وأنفقت مال الله على الملهّين وأعطيته المغنين، ومنعته من حقوق المسلمين، فغششت بالإسلام، وأحطت بأقطاره إحاطة أهله، وحكمت فيه للمشرك، وخالفت الله ورسوله في ذلك خلافة المضاد المعاند، فإن يسعدني الدهر، ويعني الله عليك بأنصار الحق، أبذل نفسي في جهادك بذلا يرضيه مني، وإن يمهلك ويؤخرك ليجزيك بما تستحقه في منقلبك، أو تخرتمني الأيام قبل ذلك فحسبي من سعي ما يعلمه الله عزّ وجلّ من نيتي، والسلام.

  19. ولم يزل عبد الله متواريا إلى أن مات في أيام المتوكل.

  20. فحدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن، قال: حدثنا اسماعيل بن يعقوب، قال: سمعت محمد بن سليمان الزينبي «٢» يقول:

    نعى عبد الله بن موسى إلى المتوكل صبح أربع عشرة ليلة من يوم مات، ونعى له أحمد بن عيسى فاغتبط بوفاتهما وسر، وكان يخافهما خوفا شديدا ويحذر حركتهما، لما يعلمه من فضلهما، واستنصار الشيعة الزيدية بهما وطاعتها لهما لو أرادوا الخروج عليه، فلما ماتا أمن واطمأن، فما لبث بعدهما إلّا أسبوعا حتى قتل.

  21. وكان عبد الله بن موسى يقول شيئا من الشعر.

  22. أنشدني أحمد بن سعيد، قال: أنشدنا يحيى بن الحسن، قال: أنشدني إسماعيل بن يعقوب لعبد الله بن موسى:

    وإني لمرتاد جوادي وقاذف ... به وبنفسي العام إحدى المقاذف

    «٣»

    ج ١ ص ٥٠٢مخافة دنيا رثّة أن تميلني ... كما مال فيها الهالك المتجانف «١»

    فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن ... على شرجع يعلى بخضر المطارف «٢»

    ولكن قتيلا شاهدا لعصابة ... يصابون في فج من الأرض خائف «٣»

    إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى ... وصاروا إلى ميعاد ما في المصاحف «٤»

    قال أبو الفرج: هكذا ذكر اسماعيل بن يعقوب، وهذا الشعر للطرماح بن حكيم الطائي «٥» ، وكان يذهب مذهب الشّراة «٦» ، ولعل عبد الله بن موسى كان ينشده متمثلا.