ذكر الخبر في بيعته بعد وفاة أمير المؤمنين علي (ع) وتسليمه الأمر إلى معاوية والسبب في وفاته

٧٣ فقرة، ج ١ ص ٦١

الصفحة ١ من ٢

  1. حدّثني أحمد بن عيسى العجلي، قال: حدّثنا حسين بن نصر، قال:

    حدّثنا زيد بن المعذل، عن يحيى شعيب، عن أبي مخنف، قال: حدّثني أشعث بن سوار عن أبي إسحاق [السبيعي] «١» عن سعيد «٢» بن رويم، وحدّثني علي بن إسحاق المخرمي «٣» وأحمد بن الجعد، قالا: حدّثنا عبد الله بن عمر شكدانه «٤» ، قال: حدّثنا وكيع عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن حبشي، وحدّثني علي بن إسحاق، قال: حدّثنا عبد الله بن عمر، قال: حدّثنا عمران بن عيينة عن الأشعث، عن أبي إسحاق موقوفا، وحدّثني محمد بن الحسين الخثعمي، قال: حدّثنا عباد بن يعقوب، قال: حدّثنا عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن بريم، قال: قال عمرو بن ثابت:

    كنت أختلف إلى أبي إسحاق [السبيعي] «٥» سنة أسأله عن خطبة الحسن بن علي، فلا يحدّثني بها، فدخلت إليه في يوم شات وهو في الشمس وعليه برنسه كأنه غول، فقال لي: من أنت؟ فأخبرته، فبكى وقال: كيف أبوك؟ كيف أهلك؟ قلت: صالحون، قال: في أي شيء تردّد منذ سنة؟

    قلت: في خطبة الحسن بن علي بعد وفاة أبيه.

    قال: [حدّثني هبيرة بن بريم] ، وحدّثني محمد بن محمد الباغندي، ومحمد بن حمدان الصيدلاني، قالا: حدّثنا إسماعيل بن محمد العلوي، قال:

    حدّثني عمي علي بن جعفر بن محمد، عن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن زيد بن الحسن، عن أبيه، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، والمعنى قريب، قالوا:

    ج ١ ص ٦٢خطب الحسن بن علي بعد وفاة أمير المؤمنين علي عليه السلام، فقال»

    ج ١ ص ٦١
  2. :
  3. لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل، ولا يدركه الآخرون بعمل، ولقد كان يجاهد مع رسول الله (ص) فيقيه بنفسه، ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، ولقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم، ولقد توفي فيها يوشع بن نون وصي موسى، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلّا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله.

  4. ثم خنقته العبرة، فبكى وبكى الناس معه.

    ثم قال: أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد (ص) ، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله عزّ وجلّ بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول:

    ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا «٢» . فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت.

    قال أبو مخنف عن رجاله:

    ثم قام ابن عباس بين يديه، فدعا الناس إلى بيعته، فاستجابوا له، وقالوا: ما أحبه إلينا وأحقه بالخلافة فبايعوه.

  5. ثم نزل عن المنبر.

    قال: ودسّ معاوية رجلا من بني حمير إلى الكوفة، ورجلا من بني القين إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار، فدل على الحميري عند «٣» لحام جرير «٤» ودلّ على القيني بالبصرة في بني سليم، فأخذا وقتلا «٥» .

  6. وكتب الحسن إلى معاوية:
  7. أما بعد، فإنك دسست إليّ الرجال كأنك تحب اللقاء، وما أشك في ذلك، فتوقّعه إن شاء الله، وقد بلغني أنك شمت بما لا يشمت به ذوو الحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأوّل:

    وقل للذي يبغي «١» خلاف الذي مضى ... تجهز لأخرى مثلها فكأن قد

    وإنا ومن قد مات منا لكالذي ... يروح ويمسي في المبيت ليغتدي (٢٣)

  8. فأجابه معاوية:
  9. أما بعد، فقد وصل كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، ولقد علمت بما حدث فلم أفرح ولم أحزن ولم أشمت ولم آس «٢» ، وإن علي بن أبي طالب كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:

    وأنت الجواد وأنت الذي ... إذا ما القلوب ملأن الصدورا «٣»

    جدير بطعنة يوم اللقا ... ء تضرب منها النساء النحورا

    وما مزبد من خليج البحا ... ر يعلو الإكام ويعلو الجسورا «٤»

    بأجود منه بما عنده ... فيعطي الألوف ويعطى البدورا

    قال: وكتب عبد الله بن العباس من البصرة إلى معاوية «٥» :

    أما بعد، فإنك ودسّك أخا بني قين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش مثل الذي ظفرت به من يمانيتك لكما قال أمية بن الأسكر «٦» :

    لعمرك إني والخزاعيّ طارقا ... كنعجة عاد حتفها تتحفّر «٧»

    ج ١ ص ٦٤أثارت عليها شفرة بكراعها ... فظلّت بها من آخر الليل تنحر

    شمتّ بقوم من «١» صديقك أهلكوا ... أصابهم يوم من الدهر أصفر «٢»

  10. فأجابه معاوية:
  11. أما بعد، فإن الحسن بن علي قد كتب إليّ بنحو ما كتبت به، وأنبأني بما لم أجز «٣» ظنا وسوء رأي، وإنك لم تصب مثلكم ومثلي ولكن مثلنا ما قاله طارق الخزاعي يجيب أمية عن هذا الشعر «٤» :

    فو الله ما أدري وإني لصادق ... إلى أيّ من يظنّني «٥» أتعذّر

    أعنّف أن كانت زبينة أهلكت ... ونال بني لحيان شرّ فأنفروا «٦»

    قال أبو الفرج:

    وكان أوّل شيء أحدث الحسن أنه زاد المقاتلة «٧» مائة مائة، وقد كان عليّ فعل ذلك يوم الجمل، والحسن فعله على حال الاستخلاف، فتبعه الخلفاء من بعد ذلك.

  12. وكتب الحسن إلى معاوية مع جندب «٨» بن عبد الله الأزدي:

    بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك،

    ج ١ ص ٦٥فإني أحمد الله الذي لا إله إلّا هو، أما بعد: فإن الله تعالى عزّ وجلّ بعث محمدا (ص) رحمة للعالمين، ومنّة على المؤمنين، وكافة إلى الناس أجمعين لينذر من كان حيّا ويحقّ القول على الكافرين «١» فبلغ رسالات الله، وقام على أمر الله حتى توفّاه الله غير مقصر ولا وان، حتى أظهر الله به الحق، ومحق به الشرك، ونصر به المؤمنين، وأعزّ به العرب، وشرف به قريشا خاصّة، فقال تعالى: وإنّه لذكر لك ولقومك «٢» فلما توفي (ص) تنازعت سلطانه العرب فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد في الناس وحقّه، فرأت العرب أن القول كما قالت قريش، وأن الحجة لهم في ذلك على من نازعهم امر محمد (ص) فأنعمت «٣» لهم العرب وسلّمت ذلك، ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجّت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج فلما صرنا أهل بيت محمد وأوليائه إلى محاجّتهم، وطلب النّصف منهم باعدونا، واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا، والعنت منهم لنا، فالموعد الله، وهو الولي النصير.

  13. وقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا، وسلطان نبيّنا (ص) وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به من فساده، فاليوم فليعجب المتعجب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله (ص) ، ولكنّ الله خيّبك وستردّ فتعلم لمن عقبى الدار، تالله لتلقينّ عن قليل ربّك، ثم ليجزينّك بما قدمت يداك، وما الله بظلّام للعبيد.

  14. إن عليا- رضوان الله عليه- لما مضى لسبيله- رحمة الله عليه- يوم

    ج ١ ص ٦٦قبض، ويوم من الله عليه بالإسلام، ويوم يبعث حيا- ولانّي المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله أن لا يزيدنا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامته، وإنما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين الله سبحانه وتعالى في أمرك، ولك في ذلك إن فعلت الحظّ الجسيم، وللمسلمين فيه صلاح، فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله وعند كل أوّاب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتّق الله، ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فو الله ما لك من خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به، فادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحق به منك، ليطفئ الله النّائرة «١» بذلك، وتجمع الكلمة، وتصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلّا التمادي في غيك نهدت «٢» إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين «٣» .

  15. فكتب إليه معاوية:
  16. بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، أما بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت به رسول الله (ص) من الفضل، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل، كلّه، قديمه وحديثه، وصغيره وكبيره، فقد والله بلّغ فأدى، ونصح وهدى، حتى أنقذ الله به من التّهلكة، وأنار به من العمى، وهدى به من الضلالة، فجزاه الله أفضل ما جزى نبيا عن أمته، وصلوات الله عليه يوم ولد ويوم قبض ويوم يبعث حيا.

  17. وذكرت وفاة النبي (ص) ، وتنازع المسلمين من بعده، فرأيتك صرحت بتهمة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبي عبيدة الأمين، وحواري الرسول (ص) ، وصلحاء المهاجرين والأنصار، فكرهت ذلك لك، فإنك امرؤ عندنا وعند الناس غير ظنين، ولا المسيء ولا اللئيم، وأنا أحب لك القول السديد والذكر الجميل.

    ج ١ ص ٦٧
  18. إن هذه الأمة لما اختلفت بعد نبيها لم تجهل فضلكم، ولا سابقتكم ولا قرابتكم من النبي (ص) ، ولا مكانتكم في الإسلام وأهله، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيها، ورأى صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعامتهم أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاما وأعلمها بالله وأحبها له وأقواها على أمر الله، واختاروا أبا بكر، وكان ذلك رأي ذوي الحجى والدين والفضيلة والناظرين للأمة، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة، ولم يكونوا بمتهمين، ولا فيما أتوا بمخطئين، ولو رأى المسلمون فيكم من يغني غناءه أو يقوم مقامه، أو يذب عن حريم المسلمين ذبه، ما عدلوا بذلك الأمر إلى غيره رغبة عنه، ولكنهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحا للإسلام وأهله، فالله يجزيهم عن الإسلام وأهله خيرا.

  19. وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد النبي (ص) ، ولو علمت أنك أضبط مني للرعية، وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال وأكيد للعدو، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلا، ولكني قد علمت أني أطول منك ولاية، وأقدم منك لهذه الأمة تجربة، وأكثر منك سياسة، وأكبر منك سنا، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فأدخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغا ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت ولك خراج أي كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجيبها لك أمينك، ويحملها إليك في كل سنة، ولك ألا يستولى عليك بالإساءة ولا تقضي دونك الأمور، ولا تعصى في أمر أردت به طاعة الله عز وجل، أعاننا الله وإيّاك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء، والسلام.

    ج ١ ص ٦٨قال جندب:

    فلما أتيت الحسن بن علي بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل سائر إليك، فابدأ أنت بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فأما أن تقدر أنه يتناولك فلا والله حتى يرى يوما أعظم من يوم صفين، فقال: أفعل، ثم قعد عن مشورتي وتناسى قولي «١» .

    قال: وكتب معاوية إلى الحسن بن علي.

  20. بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإن الله عزّ وجلّ يفعل في عباده ما يشاء، لا معقّب لحكمه وهو سريع الحساب «٢» فاحذر أن تكون منيّتك على يد رعاع من الناس، وايئس من أن تجد فينا غميزة «٣» ، وإن أنت أعرضت عمّا أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأجزت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:

    وإن أحد أسدى إليك أمانة ... فأوف بها تدعى إذا متّ وافيا

    ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى ... ولا تجفه إن كان في المال فانيا

    ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها، والسلام.

  21. فأجابه الحسن بن علي:
  22. بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، وصل إليّ كتابك تذكر فيه ما ذكرت، فتركت جوابك خشية البغي عليك، وبالله أعوذ من ذلك، فاتبع الحق تعلم أني من أهله، وعليّ إثم أن أقول فأكذب، والسلام «٤» .

  23. فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه، ثم كتب إلى عماله على النواحي نسخة واحدة:

    بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان ومن قبله من المسلمين، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلّا هو، أما بعد، فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوكم وقتلة خليفتكم، إن الله بلطفه وحسن صنعه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلا من عباده. فاغتاله فقتله، فترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فاقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا بجندكم وجهدكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته «١» .

    قال: فاجتمعت العساكر إلى معاوية بن أبي سفيان، وسار قاصدا إلى العراق وبلغ الحسن خبر مسيره، وأنه بلغ [جسر] منبج، فتحرّك لذلك، وبعث حجر بن عديّ يأمر العمال والناس بالتهيؤ للمسير، ونادى المنادي:

    الصلاة جامعة، فأقبل الناس يثوبون ويجتمعون، فقال الحسن: إذا رضيت جماعة الناس فأعلمني، وجاء سعيد بن قيس الهمداني، فقال: اخرج، فخرج الحسن- عليه السلام- فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

    أما بعد، فإن الله كتب الجهاد على خلقه، وسمّاه كرها «٢» .

    ج ١ ص ٦٩
  24. ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين واصبروا إن الله مع الصابرين «٣» ، فلستم أيّها الناس نائلين ما تحبون، إلّا بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه، فتحرك لذلك، فأخرجوا- رحمكم الله- إلى معسكركم بالنخيلة [حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا] .

    ج ١ ص ٧٠قال: وإنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس إيّاه. قال: فسكتوا فما تكلّم منهم أحد، ولا أجاب بحرف.

  25. فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قال:
  26. أنا ابن حاتم، سبحان الله، ما أقبح هذا المقام؟ ألا تجيبون إمامكم، وابن بنت نبيكم، أين خطباء مضر؟ أين المسلمون؟ أين الخوّاضون من أهل المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق «١» في الدعة، فإذا جدّ الجدّ فروّاغون كالثعالب، أما تخافون مقت الله، ولا عيبها وعارها.

  27. ثم استقبل الحسن بوجهه فقال:

    أصاب الله بك المراشد، وجنّبك المكاره، ووفقك لما يحمد ورده وصدره، فقد سمعنا مقالتك، وانتهينا إلى أمرك، وسمعنا منك، وأطعناك فيما قلت وما رأيت، وهذا وجهي إلى معسكري، فمن أحب أن يوافيني فليوافي.

  28. ثم مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابته بالباب، فركبه ومضى إلى النّخيلة، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، وكان عدي أول الناس عسكرا.

  29. ثم قام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن صعصعة التيمي «٢» فأنّبوا الناس ولاموهم وحرضوهم، وكلموا الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة والقبول.

    فقال لهم الحسن: صدقتم- رحمكم الله- ما زلت أعرفكم بصدق النية، والوفاء بالقول والمودة الصحيحة، فجزاكم الله خيرا ثم نزل.

  30. وخرج الناس، فعسكروا، ونشطوا للخروج، وخرج الحسن إلى معسكره، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه، فجعل يستحثهم ويخرجهم، حتى التأم العسكر] «٣» .

  31. ثم إن الحسن بن علي سار في عسكر عظيم وعدة حسنة حتى أتى دير عبد الرحمن فأقام به ثلاثا حتى اجتمع الناس، ثم دعا عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فقال له:

    يابن عم، إني باعث معك اثنا عشر ألفا من فرسان العرب وقراء المصر، الرجل: منهم يزن «١» الكتيبة فسر بهم، وألن لهم جانبك، وابسط وجهك، وافرش لهم جناحك، وادنهم من مجلسك فإنهم بقية ثقة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وسرّ بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات، ثم تصير إلى مسكن، ثم امض حتى تستقبل معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني في إثرك وشيكا، وليكن «٢» خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين، يعني قيس ابن سعد، وسعيد بن قيس، فإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك، فإن فعل فقاتل، فإن أصبت فقيس بن سعد على الناس، وإن أصيب قيس فسعيد بن قيس على الناس، ثم أمره بما أراد.

    ج ١ ص ٧١
  32. وسار عبيد الله حتى انتهى إلى شينور حتى خرج إلى شاهي، ثم لزم الفرات والفالوجة حتى أتى مسكن.

  33. وأخذ الحسن على حمّام عمر، حتى أتى دير كعب، [ثم بكّر] فنزل ساباط دون القنطرة فلما أصبح نادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، وصعد المنبر، فخطبهم، فحمد الله فقال «٣» :

    الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلّا الله كلما شهد له شاهد، وأشهد أن محمدا رسول الله أرسله بالحق، وائتمنه على الوحي (ص) .

  34. أما بعد، فو الله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة ولا مريدا له سوءا ولا غائلة، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة،

    ج ١ ص ٧٢ألا وإني ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا عليّ رأيي، غفر الله لي ولكم وأرشدني وإيّاكم لما فيه المحبة والرضا.

    قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: ما ترونه، يريد [بمال قال] ؟ قالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه، فقالوا:

    كفر والله الرجل ثم شدّوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلّاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي، فنزع مطرفه عن عاتقه، فبقي جالسا متقلدا السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه، وأحدق به طوائف من خاصّته وشيعته، ومنعوا منه من أراده، ولاموه وضعّفوه لما تكلم به، فقال: ادعوا لي ربيعة وهمدان، فدعوا له، فأطافوا به، ودفعوا الناس عنه، ومعهم شوب «١» من غيرهم، فقام إليه رجل من بني أسد من بني نصر بن قعين يقال له الجراح بن سنان، فلما مرّ في مظلم ساباط قام إليه، فأخذ بلجام بلغته وبيده معول، فقال: الله أكبر يا حسن، أشركت كما أشرك أبوك [من قبل] ، ثم طعنه، فوقعت الطعنة في فخذه، فشقته حتى بلغت أربيّته «٢» فسقط الحسن إلى الأرض بعد أن ضرب الذي طعنه بسيف كان بيده وأعتنقه، وخرا جميعا إلى الأرض، فوثب عبد الله بن الخطل «٣» فنزع المعول من يد [جراح بن سنان] فخضخضه به، وأكبّ ظبيان بن عمارة عليه، فقطع أنفه ثم أخذوا الآجرّ «٤» فشدّخوا وجهه ورأسه، حتى قتلوه.

  35. وحمل الحسن على سرير إلى المدائن، وبها سعد «٥» بن مسعود الثقفي واليا عليها من قبله، وكان علي ولّاه فأقره الحسن بن علي، [فأقام عنده يعالج نفسه] «٦» .

    قال: ثم إن معاوية وافى حتى نزل قرية يقال لها الحبوبيّة «٧» بمسكن،

    ج ١ ص ٧٣فأقبل عبد الله بن العباس حتى نزل بإزائه، [فلما كان من غد وجه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيد الله بن العباس فيمن معه، فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم] «١» ، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن العباس أن الحسن قد راسلني «٢» ، في الصلح وهو مسلم الأمر إليّ، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا، وإلّا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، يعجّل [لك] في هذا الوقت النصف، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فانسلّ عبيد الله ليلا، فدخل عسكر معاوية، فوفى له بما وعده، فأصبح الناس ينتظرون أن يخرج فيصلّي بهم، فلم يخرج حتى أصبحوا، فطلبوه فلم يجدوه، فصلّى بهم قيس بن سعد [بن عبادة] ، ثم خطبهم فقال:

    أيّها الناس، لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الورع «أي الجبان» إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط، إن أباه عمّ رسول الله (ص) ، فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين، وإن أخاه ولّاه علي أمير المؤمنين على البصرة فسرق مال الله ومال المسلمين، فاشترى به الجواري، وزعم أن ذلك له حلال، وإن هذا ولّاه على اليمن، فهرب من بسر بن أرطأة وترك ولده حتى قتلوه، وصنع الآن هذا الذي صنع.

    قال فتنادى الناس: الحمد لله الذي أخرجه من بيننا، فانهض بنا إلى عدوّنا، فنهض بهم.

  36. وخرج إليهم بسر بن أرطاة في عشرين ألفا، فصاحوا بهم: هذا أميركم قد بايع، وهذا الحسن قد صالح فعلام تقتلون أنفسكم؟

    فقال لهم قيس بن سعد [بن عبادة] : اختاروا إحدى اثنتين: إما القتال مع غير إمام، أو تبايعون بيعة ضلال، فقالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردّوهم إلى مصافهم.

  37. وكتب معاوية إلى قيس يدعوه ويمنّيه، فكتب إليه قيس «١» :

    لا والله لا تلقاني أبدا إلّا وبيني وبينك الرمح.

    ج ١ ص ٧٤
  38. فكتب إليه معاوية:
  39. أما بعد، فإنما أنت يهودي ابن يهودي تشقي نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحبّ الفريقين إليك نبذك وعزلك، وإن ظهر أبغضهما إليك نكّل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه، فأكثر الحزّ وأخطأ المفصل «٢» فخذله قومه، وأدركه يومه، فمات بحوران طريدا غريبا، والسلام.

  40. فكتب إليه قيس بن سعد- رحمه الله-: