عياش بن أبى ربيعة بن المغيرة،
١١ فقرة، ج ٢ ص ٢٠٨
- ج ٢ ص ٢٠٨
هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية ومعه امرأته ابنة سلمة بن مخربة بن جندل بن أبير بن نهشل بن دارم. فولدت له بأرض الحبشة عبد الله بن عياش. ثم قدم مكة وهاجر إلى المدينة. وكان قد صاحب في هجرته إلى المدينة عمر بن الخطاب. فلما شارفا المدينة، لحقهما أبو جهل والحارث ابنا هشام بن المغيرة، ومعهما الحارث بن يزيد بن أبي نبيشة العامري. فقالوا: يا عياش، إن أمك مريضة، وقد نذرت أن لا تستظل من شمس ولا يمس رأسها دهن ولا تطعم إلا بلغة من الخبز القفار (٢) حتى تراك.
-
فرق لها. فقال له عمر: «ما يريدون إلا خديعتك عن دينك. والله لئن آذى أمك القمل، لتدهنن، ولتمشطن، ولئن آذاها حر مكة، لتستظلن» .
فقال: أبر قسم أمي، ولي هناك مال. فخرج معهما. فلما صار ببعض الطريق، شداه وثاقا، وأدخلاه مكة. وقالا: هكذا فافعلوا بسفهائكم.
-
ويقال: إنه قدم المدينة ونزل بفناء، فمنها رجع. وكان الحارث بن يزيد بن أبي نبيشة قد أعانهما على ربطه. فحلف عياش: لئن أمكنته منه فرصة، ليقتلنه. فلما تخلص عياش، وذلك بعد أحد، أتى المدينة، فإذا هو بالحارث ابن يزيد قائما بالبقيع، فقتله وهو يظن أنه كافر. فنزلت فيه: «وما كان
ج ٢ ص ٢٠٩لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ»، الآية (١) .
-
وحدثني عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه أن الحارث بن يزيد كان شديدا على النبي ﷺ . فجاء وهو يريد الإسلام. فلقيه عياش بن أبي ربيعة- وعياش لا يدري- فحمل عليه فقتله. فأنزل عز وجل : «وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ» الآية.
-
ولم يزل عياش بالمدينة إلى أن قبض رسول الله ﷺ ، ثم خرج إلى الشام فجاهد. ورجع إلى مكة فأقام بها حتى مات. ولم يبرح ابنه عبد الله من المدينة.
- وحدثني علي الأثرم، عن أبي عبيدة قال:
-
نزل هشام بن المغيرة نجران (٢) ، وبها أسماء بنت مخربة- ويقال: بنت عمرو بن مخربة- وقد هلك عنها زوج لها. وكانت أم أسماء: عناق بنت الجان، من تغلب بن وائل. وأمها الشموس بنت وائل بن عطية، من أهل فدك.
-
فتزوجها هشام بن المغيرة وحملها إلى مكة. فولدت له أبا جهل بن هشام، والحارث بن هشام. ثم خلف عليها أبو ربيعة بن المغيرة، فولدت له عياش ابن أبي ربيعة. وكان عياش أخا أبي جهل والحارث ابني هشام لأمهما أسماء بنت مخربة بن جندل بن أبير بن نهشل بن دارم. وقال ابن سعد. ماتت أسماء قبل رجوع عياش إليها. ويقال (٣) إنه لم يمكنه التخلص حتى ماتت. ويقال إنها أدركت خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وذلك أثبت. وقال الواقدي وغيره: لم يزل الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم على دين قومه حتى أسر يوم بدر. فافتدي بأربعة آلاف درهم. ويقال بسكة (٤) أبيه الوليد- لأن النبي ﷺ لم يقبل غيرها، وكانت درعا
ج ٢ ص ٢١٠فضفاضة (١) - وسيفا، وبيضة. وكان اللذان خرجا في فدائه أخاه خالد ابن الوليد، وأخاه هشام بن الوليد. فلما افتدي وتخلص، أسلم ورجع إلى مكة، وقال: ما منعني من الإسلام حين أسرت، وقد تبينت الحق، إلا أن يقال «أسلم الوليد فرارا من الفداء» . ثم إن أخويه حبساه بمكة مع عياش ابن أبي ربيعة وسلمة بن هشام. فلم يزل يحتال حتى أفلت من وثاقه، وخرج حتى أتى المدينة. وقد طلب، فلم يلحق، وستر الله عليه فلم يعرف أخواه له أثرا. فسأله رسول الله ﷺ عن سلمة وعياش. فقال: تركتهما في ضيق. وكان رسول الله ﷺ يدعو لهما ولضعفة المسلمين قبل إسلام الوليد. ثم دعا للوليد أيضا. فقال رسول الله ﷺ : انطلق يا وليد حتى تنزل فلان القين فإنه قد أسلم وأخلص، فتستخفي عنده وتلطف لأخبار عياش وسلمة وتعلمهما أنك رسولي وأنى آمرهما بالتلطف للخروج إلي، فإن الله سيعينهما وييسر ذلك لهما، فقد أذن في خلاصهما. قال الوليد: ففعلت. وسهل الله أمرهما حتى خرجا. وكانا جميعا موثقين، رجل هذا مع رجل صاحبه في قيد واحد. وخرجت أسوق بهما مخافة الطلب والفتنة، حتى انتهيت إلى ظهر حرة المدينة. فعثرت، فانقطعت أصبعي.
فقلت (٢) :
هل أنت إلا إصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت
ثم مات بالمدينة بعد قليل. فقالت أم سلمة بنت أمية زوج رسول الله ﷺ (٣) :
يا عين فابكي للولي … د ابن الوليد بن المغيرة
مثل الوليد بن الولي … د أبى الوليد فتى العشيرة
ج ٢ ص ٢١١فقال رسول الله ﷺ : لا تقولي هذا يا أم سلمة، ولكن قولي: «وجاءت سكرة الموت بالحق (١) ». ويقال إن أم سلمة استأذنت رسول الله ﷺ في البكاء على الوليد، وقالت: غريب توفي في بلاد غربة. فأذن لها. فصنعت طعاما وجمعت النساء. وقال الواقدي: وقوم يزعمون أن الوليد بن الوليد تخلص حين تخلص، فكان مع أبي بصير عتبة بن أسيد الثقفي حليف قريش. وذلك غير ثبت. وكان أبو بصير أسلم وأفلت من قومه، فأتى النبي ﷺ بعد قدومه المدينة من الحديبية. فكتب الأخنس بن شريق وغيره إلى النبي ﷺ في رده، لما كان قاضاهم عليه من رد من صار إليه. فرده رسول الله ﷺ إليهم مع رسولين لهم. فشد أبو بصير في طريقه على أحد الرسولين، فقتله. وكان من بنى عامر ابن لؤي. يقال له خنيس بن جابر. وأفلت فأتى النبي ﷺ فقال له: وفيت بذمتك وامتنعت بديني أن أفتن. فقال رسول الله ﷺ :
ويل أمه من محش حرب لو كان معه رجال. وكان مع أبي بصير سلب العامري، فلم يخمسه رسول الله ﷺ ، وقال له هنيئا لك (٢) بسلب صاحبك.
ثم قال: يا أبا بصير، اذهب حيث شئت. فخرج أبو بصير إلى قرب الساحل. وألحق به قوم من المسلمين ممن كان يؤذي ويفتن وغيرهم. فتتاموا سبعين، فضيقوا على قريش وجعلوا يقتلون من ظفروا به، ويأخذون ما معه.
-
فكتبت قريش إلى النبي ﷺ تسأله أن يدخل أبا بصير إليه.
-
فكتب إلى أبي بصير في القدوم عليه. فأتاه رسوله بكتابه وأبو بصير يجود بنفسه.
-
فلم يلبث أن مات. فمن الرواة من يزعم أن الوليد كان معه. وذلك باطل.