٧٤٠ - ثم غزاة فتح مكة
٨ فقرات، ج ٢ ص ٣٥٣
- ج ٢ ص ٣٥٣
لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ثمان.
-
وكان سببها أن رسول الله ﷺ قاضي قريشا عام الحديبية على ما قاضاهم عليه. فسمع رجل من خزاعة، وكانوا مع رسول الله ﷺ في عهده وعقده، رجلا من كنانة، وكانوا في عهد قريش وذمتها، يهجو رسول الله ﷺ . فوثب عليه وشجه، فاقتتلت خزاعة وكنانة. وأعانت قريش بني كنانة، وخرج وجوههم يقاتلون متنكرين. فقدم على رسول الله ﷺ عمرو بن سالم بن حصيرة الخزاعي في عدة من قومه يستنفر رسول الله ﷺ ويذكره الحلف بين عبد المطلب وبينهم، فقال (٣) :
لا هم إني ناشد محمدا … حلف أبينا وأبيه الأتلدا
ج ٢ ص ٣٥٤إن قريشا أخلفوك الموعدا … ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وزعموا أن لست تدعو أحدا … وهم أذل وأقل عددا
فانصر هداك الله نصرا أيدا … وادع عباد الله يأتوا مددا
فحدثني عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة أن خزاعة نادوا النبي ﷺ وهو يغتسل، فقال: لبيكم. واستعد رسول الله ﷺ لغزو أهل مكة إذ نقضوا العهد ونكثوه. فكتب حاطب ابن أبي بلتعة اللخمي، حليف الزبير، إلى صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو يعلمهم غزو رسول الله ﷺ إياهم، وبعث بكتابه مع امرأة من مزينة يقال لها كنود. ويقال مع سارة، مولاة عمرو بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها. فوجه رسول الله ﷺ إليها علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وأبا مرثد الغنوي، وكلهم فارس. فلحقوها بروضة خاخ. فأناخوا بعيرها، ثم فتشوها. فلما رأت الجد، أخرجت الكتاب من عقصتها. وقال بعضهم: لم تجعل الكتاب في رأسها، ولكنها جعلته في حجزتها. وقيل إنها جعلته في رأسها حتى أمنت، ثم جعلته في حجزتها. فقال رسول الله ﷺ لحاطب: ما حملك على ما صنعت؟
فقال: يا رسول الله، إني صانعت القوم على مالي وأهلي قبلهم، ولست لهم بقرابة ولا فيهم من يذب عني. فقبل رسول الله ﷺ عذره. فقال له عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ائذن لي يا رسول الله اضرب عنقه فقد خان الله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ : أو ليس هو من أهل بدر؟ ما ندري لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد أوجبت لكم الجنة. فأنزل الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) (١) . ومضت سارة إلى مكة. وكانت، فيها يزعمون، مغنية. فأقبلت تتغنى بهجاء رسول الله ﷺ والمسلمين.
-
ولما وافى رسول الله ﷺ مكة، تسلح قوم معهم وقالوا: لا يدخلها محمد عنوة. فقاتلهم خالد بن الوليد، وكان أول من أمره رسول الله صلى الله
ج ٢ ص ٣٥٥عليه وسلم بالقتال. وبعث رسول الله ﷺ الزبير في كتيبة، سوى كتيبة خالد. وجعل أبا عبيدة بن الجراح على الحسر، فأوقعوا بالمشركين.
-
وكان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله ﷺ بذي الحليفة، وهو يريد مكة وقد أظهر إسلامه. فأمره أن يمضي نقله إلى المدينة وقال: هجرتك، يا عم، آخر هجرة كما أن نبوتي آخر نبوة. وكانت قريش لما جنت ما جنت، خافت رسول الله ﷺ ، فبعثت أبا سفيان يجدد الحلف ويصلح بين الناس. فقال له علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنت سيد قريش، فاضرب يدا على يد، وأجد الحلف وأصلح بين الناس. فانصرف وهو يرى أنه قد صنع شيئا. ثم رجع وأقام بمر الظهران حتى وجدته خيل رسول الله ﷺ فأتته به. فمنعه العباس واستأمن له.
-
فدخل مكة مع رسول الله ﷺ . فلما رأى كثرة المسلمين وإيقاعهم بمن أوقعوا به من المشركين، قال: أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان يحب الفخر على قريش، فاجعل له شيئا يعرف به. فقال ﷺ : من أغلق بابه فهو آمن، ومن وضع سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. وأمر أن لا يجهز على جريح، ولا يتبع مدبر. وأراد أبو سفيان دخول داره، فقالت له هند: وراءك، قبحك الله فإنك شر وافد. وقتل من قريش أربعة وعشرون، ومن هذيل أربعة نفر. ويقال إنه قتل من قريش ثلاثة وعشرون، وهرب أكثرهم واعتصموا برءوس الجبال وتوقلوا (١) فيها. ويقال أنه استشهد من المسلمين كرز بن جابر الفهري، وخالد الأشعر الكعبي. وقال الكلبي: هو حبيش الأشعر بن خالد الكعبي، من خزاعة.
-
٧٤١ - ودخل رسول الله ﷺ مكة، وعليه عمامة سوداء، ولواؤه أسود. وأمر رسول الله ﷺ بالأصنام فهدمت، وبالصور التي كانت في الكعبة فمحيت. وأمر بلالا، حين جاءت الظهر، فأذن على ظهر الكعبة، وقريش فوق الجبال: منهم من يطلب الأمان، ومنهم من قد أومن.
- ج ٢ ص ٣٥٦
فلما قال: «أشهد أن محمدا رسول الله» ، قالت جويرية (١) بنت أبي جهل:
لقد أكرم الله أبا الحكم حين لم يسمع نهيق ابن أم بلال فوق الكعبة. ويقال إنها قالت: لقد رفع الله ذكر محمد، وأما نحن فنصلى، ولكنا لا نحب والله من قتل الأحبة أبدا. وقال خالد بن أسيد بن أبي العيص: الحمد لله الذي أكرم أبي فلم ير هذا اليوم ولم يسمع هذا الصوت. وقال الحارث بن هشام:
واثكلاه، ليتى مت ولم أسمع نهيق ابن أم بلال على الكعبة. وهذا أثبت مما روى عن جويرية. ويقال إن عكرمة بن أبي جهل قال: لقد أكرم الله أبا الحكم حين لم يسمع نهيق ابن أم بلال على الكعبة.
-
٧٤٢ - وقيل لرسول الله ﷺ : ألا تنزل منزلك من الشعب؟ فقال ﷺ : وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ وكان عقيل باع منزل رسول الله ﷺ ومنازل إخوته من الرجال والنساء. ونظر رسول الله ﷺ ، وأبو بكر يسايره، إلى بنات أبي أحيحة سعيد بن العاص ابن أمية يلطمن وجوه الخيل بالخمر وقد نشرن شعورهن، فتبسم وقال: يا با بكر كيف قال حسان بن ثابت؟ فأنشده (٢) :
تظل جيادنا متمطرات … تلطمهن بالخمر النساء
وكان حماس (بن قيس) (٣) بن خالد الدئلى قال لامرأته حين أظلهم رسول الله ﷺ : لآتينك بخادم منهم. فلما جاء منهزما، قالت هازئة به: أين الخادم الذي وعدتني فإني لم أزل منتظرة له؟ فقال (٤) :
وأنت لو شهدتنا بالخندمة … إذ فر صفوان وفر عكرمة
أبو يزيد كالعجوز المؤتمة … لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة