زينب بنت رسول الله.
١٢ فقرة، ج ٢ ص ٣٩٧
- ج ٢ ص ٣٩٧
وهي أكبر بنات رسول الله ﷺ ، تزوجها أبو العاص بن الربيع وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد ابن أسد. وكان أبو العاص يلقب جرو البطحاء، أي ابن البطحاء. وبعضهم يقول: اسمه القاسم، والثبت أن اسمه لقيط. وكان تزوجه إياها قبل الإسلام.
-
فلما أكرم الله نبيه بالرسالة، آمنت به خديجة وبناته وصدقنه (١) . وثبت أبو العاص على دين قريش. وكان من معدودي رجال مكة مالا، وأمانة، وتجارة. فمشت إليه وجوه قريش، فقالوا: اردد على محمد ابنته، ونحن نزوجك أية امرأة أحببت من قريش. فقال: لا، ها الله، إذا لا أفارق صاحبتي، فإنها خير صاحبة. ولما سارت قريش إلى بدر، كان معهم. فأسر في المعركة.
-
فلما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم، بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال.
-
وبعثت معه بقلادة لها كانت خديجة رضي الله تعالى عنها وهبتها لها حين أدخلتها على أبي العاص. فلما رآها رسول الله ﷺ ، عرفها، فرق لها رقة شديدة وقال للمسلمين: إن رأيتم أن تردوا قلادة زينب ومالها عليها وتطلقوا أسيرها، فافعلوا. فقالوا: نعم، ونعمة عين يا رسول الله. فأطلقه رسول الله ﷺ بعد أن اشترط عليه أن يبعث بزينب إليه. وتوثق منه، ووجه زيد بن حارثة الكلبي مولاه في عدة من الأنصار إلى بطن يأجج، وأمرهم بالمقام هناك إلى أن توافيهم زينب فيصاحبونها حتى يقدموا بها المدينة. وذلك بعد بدر بشهر. وأمر أبو العاص زينب بالتهيؤ. فلما تجهزت، بعث بها مع كنانة ابن عدي بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، وهو ابن عمه.
-
ويقال: بل بعث بها مع عدي بن ربيعة. فاعترضها رجال من قريش بذي طوي. فبدر إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، ونافع ابن عبد قيس بن لقيط بن عامر الفهري، وهو أبو «عقبة بن نافع» ، صاحب المغرب. فأهوى إليها هبار بالرمح، فأفزعها، وكانت حاملا فألقت ما في بطنها بعد أيام. وفوق كنانة، أو عدي، سهما وكان راميا. فقال له أبو سفيان ابن حرب، وكان في القوم: اكفف بذلك عنا، فإنا والله ما نمنعها من المسير
ج ٢ ص ٣٩٨إلى أبيها وإنما أنكرنا خروجكم بها نهارا، ورأينا علينا في ذلك غضاضة، فردها إلى مكة، فإذا غشينا الليل، وهدأت الزجل (١) فأسر بها. ففعل، وأخرجها ليلا حتى أتى بها زيدا ومن معه فسلمها إليهم. ويقال إن هبارا أنفر بها البعير حتى سقطت، وانكسرت ضلع من أضلاعها. وفي أمر زينب يقول عدي أو كنانة بن عدي (٢) :
عجبت لهبار وأوباش قومه … يريدون إخفاري ببنت محمد
فإن أنا لم أمنع من القوم كنتي … فلا عشت إلا كالخليع المطرد
ووجه رسول الله ﷺ سرية، وقال: إن لقيتم هبارا، فأحرقوه (٣) . ثم قال: سبحان الله، لا يعذب بالنار إلا خالقها، اقطعوا يده ورجله. فلم تلقه السرية. وقدم على رسول الله ﷺ ، حين فتح مكة، مسلما. فقبل إسلامه، وأمر أن لا يعرض (٤) له. وقال له: لا تسب إلا من يسبك. وكان سبابا للناس. وكان يكنى أبا سعد. وخرجت سلمى مولاة رسول الله ﷺ ، فقالت: لا أنعم الله بك عينا. فقال رسول الله ﷺ : مهلا، فقد محا الإسلام ما كان قبله.
-
وحدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن معروف بن خربوذ المكي أنه أنشده لأبي العاص في زينب رضي الله تعالى عنها (٥) :
ذكرت زينب لما جاوزت إرما … فقلت سقيا لشخص يسكن الحرما
بنت الأمين جزاها الله صالحة … وكل بعل سيثني بالذي علما
وقال أبو العاص هذا الشعر، وقد خرج في سفر له. وخرج أبو العاص ابن الربيع في سنة ست إلى الشام في تجارة له. فلما انصرف، بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة مولاه في كثف من المسلمين لاعتراض العير
ج ٢ ص ٣٩٩التي أقبل فيها أبو العاص، فاستاقها وأسره، فأتى به إلى رسول الله ﷺ . فبعث إلى زينب يستجير بها. ويقال: بل حاص حيصة حتى أتى زينب، فاستجار بها. فأجارته. فلما صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، قالت، وهي في صفة النساء: أيها الناس إنى قد أجرت أبا العاص ابن الربيع. فقال رسول الله ﷺ : أيها الناس، أسمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال: فو الذى نفسي بيده، ما علمت بما كان حتى سمعت ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم. ثم دخل رسول الله ﷺ عند انصرافهم من المسجد، فقال: يا بنية: أكرمى مثواه، ولا يخلصن إليك. وبعث إلى المسلمين ممن كان في السرية: إنكم قد عرفتم مكان هذا الرجل منا، فإن تردوا عليه ماله فإنا نحب ذلك، وإلا تردوه فأنتم أملك بفيئكم الذى جعله الله لكم.
فقالوا: بل نرده يا رسول الله. فردوا عليه ماله وجميع ما كان معه. وأسلم أبو العاص، فرد رسول الله ﷺ إليه زينب بنكاح جديد. ويقال:
بل ردها بالنكاح الأول.
-
حدثنى خلف بن هشام البزاز، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ رد زينب بنت رسول الله على أبى العاص بنكاح جديد ومهر جديد.
-
حدثنا بكر بن الهيثم، ثنا عبد الله بن صالح، عن ابن لهيعة، عن موسى، عن عراك، عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أم سلمة أن زينب استأذنت أبا العاص في إتيان أبيها عليه السلام ، حين هاجر. فأذن لها في ذلك. فقدمت المدينة. ثم إن أبا العاص لحقها، فاستجار بها، وقال: خذي لي أمانا. فخرجت، فأطلعت رأسها من باب حجرتها حين قضى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فقالت: أنا زينب بنت رسول الله، وقد أجرت أبا العاص بن الربيع. فقال رسول الله ﷺ :
أسمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال: فو الله ما علمت، والمسلمون يجير عليهم
ج ٢ ص ٤٠٠أدناهم. فأمضى رسول الله ﷺ جوار زينب. وأسلم أبو العاص، فأقرهما رسول الله ﷺ على النكاح الأول. وقال الواقدى: ردها في المحرم سنة سبع.
-
حدثنى روح بن عبد المؤمن، ثنا بشر بن المفضل، عن داود بن أبى الهند، عن الشعبى أن رسول الله ﷺ رد زينب على أبى العاص بالنكاح الأول. وقال الواقدى: لما أسلم أبو العاص، أتى مكة ثم رجع إلى المدينة. فكان بها. فلما فتحت مكة، أقام بها. ولم يقاتل مع رسول الله ﷺ . وتوفى في سنة اثنتى عشرة. وأوصى إلى الزبير بن العوام، وهو ابن خاله. وكان لأبى العاص من زينب: على، وأمامة. فأما على، فمات وهو غلام، ولم يعقب. وأما أمامة، فتزوجها على بن أبى طالب بعد وفاة فاطمة عليها السلام ، فولدت له محمدا الأوسط. وقتل على، وهي عنده.
-
فحملها عمها عبد الرحمن بن محرز بن حارثة بن ربيعة إلى المدينة. ثم إن معاوية بن أبى سفيان كتب إلى مروان بن الحكم يأمره أن يخطبها عليه، ففعل.
-
فجعلت أمرها إلى المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وهو الذى كان الحسن بن على عليهما السلام استخلفه على الكوفة حين سار إلى المدائن. فأشهد المغيرة عليها برضاها بكل ما يصنع. فلما استوثق منها، قال: قد تزوجتها، وأصدقتها أربع مائة دينار. فكتب مروان بذلك إلى معاوية. فكتب إليه: هي أملك بنفسها، فدعها وما اختارت ثم إنه بعد ذلك سير المغيرة إلى الصفراء، فمات. وماتت بالصفراء. وولدت من المغيرة: يحيى بن المغيرة، وبه يكنى. وتوفيت زينب بنت رسول الله ﷺ في سنة ثمان من الهجرة بالمدينة. فغسلتها أم أيمن، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة. وصلى عليها رسول الله ﷺ ، ونزل في قبرها، ومعه أبو العاص. وجعل لها نعش. فكانت أول من اتخذ لها ذلك. والذى أشارت باتخاذه أسماء بنت عميس، رأته بالحبشة، وهي مع زوجها جعفر بن أبى طالب. ويقال إن عليا خاف أن يتزوج معاوية أمامة، فأوصاها أن تتزوج المغيرة. وكانت أمامة عنده بضعا وعشرين سنة.
- ج ٢ ص ٤٠١
٨٦٣ - وولدت خديجة لرسول الله ﷺ