[محمد ﷺ ينذر عشيرته]
٢٠ فقرة، ج ٢ ص ١١٧
- ج ٢ ص ١١٧
وأسلم حين بعث رسول الله ﷺ . وكان أبوه قد أخرجته قريش من مكة، فكان يستقبل البيت ثم يقول: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، البر أرجو لا الخال، هل مهجر كمن قال؟
عذت بما عاذ به أبرهم … مستقبل الكعبة وهو قائم
يقول أنفي لك عان راغم … مهما تجشمني فإني جاشم
ثم يخر ساجدا
٢٣٢ - حدثني محمد بن سعد والوليد، عن الواقدي، عن سلمة بن بخت، عن عميرة بنت عبيد الله بن كعب بن مالك، عن عزيزة بنت أبي تجراة قالت:
كانت قريش لا تنكر غيرها (١) . وكان النبي ﷺ وأصحابه إذا جاء وقت العصر، تفرقوا في الشعاب فصلوا، فرادى ومثنى. فبينا طيلب بن عمير وحاطب بن عمرو يصليان في شعب بأجياد الأصغر إذ هجم عليهما ابن الأصداء وابن الغيطلة، وكانا فاحشين، فباطشوهما ورموهما بالحجارة ساعة حتى خرجا فانصرفا.
-
٢٣٣ - قال الواقدي: كانوا يصلون الضحى والعصر، ثم نزلت (٢) الصلوات الخمس قبل الهجرة. وكانت الصلاة ركعتين ركعتين، ثم نزل إتمامها بالمدينة للمقيم، وبقيت صلاة المسافر ركعتين ركعتين.
-
٢٣٤ - وحدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي عن أسامة بن زيد الليثي، عن مكحول، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن عياض بن حمار المجاشعي قال:
لما دعا رسول الله ﷺ قومه، وصدع بما أمره الله به،
ج ٢ ص ١١٨واجتمعت قريش على عداوته وخلافه، وحدب عليه أبو طالب وقام دونه، ومضى رسول الله ﷺ مظهرا لأمره لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من عيب آلهتهم، اشتدوا على المسلمين.
-
٢٣٥ - وحدثني محمد بن سعد والوليد بن صالح، عن محمد بن عمر الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن عمر ابن عبد الله، عن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم قال:
لما نزلت على النبي ﷺ «وأنذر عشيرتك الأقربين (١) ، اشتد ذلك عليه وضاق به ذرعا. فمكث شهرا أو نحوه جالسا في بيته، حتى ظن عماته أنه شاك، فدخلن عليه عائدات، فقال: ما اشتكيت شيئا، ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فأردت جمع بني عبد المطلب لأدعوهم إلى الله. قلن: فادعوهم، ولا تجعل عبد العزى فيهم- يعنين أبا لهب- فإنه غير مجيبك إلى ما تدعوه إليه. وخرجن من عنده، وهن يقلن: إنما نحن نساء.
-
فلما أصبح رسول الله ﷺ ، بعث إلى بني عبد المطلب. فحضروا ومعهم عدة من بني عبد مناف، وجميعهم خمسة وأربعون رجلا. وسارع إليه أبو لهب، وهو يظن أنه يريد أن ينزع عما يكرهون إلى ما يحبون. فلما اجتمعوا، قال أبو لهب: «هؤلاء عمومتك وبنو عمك، فتكلم لما تريد، ودع الصلاة، واعلم أنه ليست لقومك بالعرب قاطبة طاقة. وأن أحق من أخذك فحبسك أسرتك وبنو أبيك إن أقمت على أمرك، فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدها العرب فما رأيت، يابن أخي، أحدا قط جاء بني أبيه بشر مما جئتهم به» . وأسكت رسول الله ﷺ ، فلم يتكلم في ذلك المجلس، ومكث أياما. وكبر عليه كلام أبي لهب. فنزل جبريل، فأمره بإمضاء ما أمره الله به، وشجعه عليه. فجمعهم رسول الله ﷺ ثانية، فقال: «الحمد لله أحمده، وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» . ثم قال: «: إن الرائد لا يكذب أهله.
-
والله لو كذبت الناس جميعا، ما كذبتكم. ولو غررت الناس، ما غررتكم
ج ٢ ص ١١٩والله الذي لا إله إلا هو، إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة.
-
والله، لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سواء. وإنها للجنة أبدا، والنار أبدا. وأنتم لأول من أنذر». فقال أبو طالب: «ما أحب إلينا معاونتك ومرافدتك، وأقبلنا (١) لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك. وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون.
-
وإنما أنا أحدهم، غير أني والله أسرعهم إلى ما تحب. فامض لما أمرت به.
-
فو الله، لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أني لا أجد نفسي تطوع لي فراق دين عبد المطلب حتى أموت على ما مات عليه.» وتكلم القوم كلاما لينا، غير أبي لهب فإنه قال: «يا بني عبد المطلب، هذه والله السوءة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ على يده غيركم. فإن اسلمتوه حينئذ، ذللتم. وإن منعتموه قتلتم.» فقال أبو طالب: «والله، لنمنعه ما بقينا» .
-
٢٣٦ - وروى الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن موسى بن ميسرة، عن هند بنت الحارث:
أن صفية بنت عبد المطلب قالت لأبى لهب: «أى أخى، أحسن بك خذلان ابن أخيك وإسلامه. فو الله ما زال العلماء يخبرون أنه يخرج من ضئضئي عبد المطلب نبي. فهو هو» . فقال: هذا والله الباطل، والأماني، وكلام النساء في الحجال. إذا قامت بطون قريش كلها، وقامت معها العرب، فما قوتنا بهم. والله، ما نحن عندهم إلا أكلة رأس».
-
٢٣٧ - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:
لما أمر الله نبيه أن ينذر عشيرته الأقربين، جلس على الصفا فقال: «يا آل فهر» . فجاءه من سمع كلامه ممن كان بمكة من بني فهر. فقال له أبو لهب: هذه فهر عندك. فقال: «يا آل غالب» . فرجع بنو محارب والحارث ابنا فهر. فقال: «يا آل لؤي بن غالب» . فرجع بنو تيم بن غالب، وهو الأدرم (٢) .
ج ٢ ص ١٢٠فقال: «يا آل كعب» ، فرجع بنو عامر بن لؤي. فقال: «يا آل مرة بن كعب» ، فرجع بنو عدي وسهم وجمح. فقال: «يا آل كلاب» ، فرجعت بنو مخزوم وبنو تيم بن مرة. فقال: «يا آل قصي» ، فرجعت بنو زهرة.
فقال: «يا آل عبد مناف» فرجع بنو عبد الدار وبنو أسد بن عبد العزى.
فقال له أبو لهب: هذه عبد مناف. فقال ﷺ :
أدعوكم إلى أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني عبده ورسوله، أضمن لكم الجنة». فقال أبو لهب: «ألهذا دعوتنا؟ تبا لك» . فأنزل الله عز وجل : «تبت يدا أبي لهب وتب، (١) » السورة.
-
٢٣٨ - وحدثني محمد بن سعد، (٢) عن الواقدي، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال:
لما نزلت «وأنذر عشيرتك الأقربين» (٣) ، صعد رسول الله ﷺ على الصفا، فنادى: «يا معشر قريش» . فقالت قريش: محمد على الصفا يهتف. فأقبلوا واجتمعوا، فقالوا: ما لك يا محمد؟ قال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا أسفح هذا الجبل، أكنتم تصدقونني؟» قالوا: «نعم، أنت عندنا غير متهم، وما جرينا عليك كذبا قط» . قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد (٤) . يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني زهرة، - حتى عد الأفخاذ من قريش- إن الله أمرنى أن أنذر عشيرتك الأقربين.
-
وأني لا أملك لكم من الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله». قال أبو لهب: «تبا لك، سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟» فأنزل الله عز وجل فيه: «تبت يدا أبي لهب (٥) ».
- ج ٢ ص ١٢١
٢٣٩ - حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون المروزي وعمرو بن محمد الناقد، قالا ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
صعد رسول الله ﷺ ذات يوم الصفا، فقال: يا صباحاه.
-
فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى. قال: وإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله عز وجل : «تبت يدا أبي لهب» إلى آخرها.
-
٢٤٠ - وقد روي أن أبا طالب لما مات، اجتمع بنات عبد المطلب إلى أبي لهب، فقلن له: محمد ابن أخيك، فلو عضدته ومنعته، كنت أولى (١) الناس بذلك.
-
فلقي النبي ﷺ وهو عازم على معاضدته. فسأله عن عبد المطلب وغيره من آبائه، فقال: إنهم كانوا على غير هدى ولا دين. فقال: تبا لك.
-
فنزلت: «تبت يدا (٢) «أبي لهب» .
-
٢٤١ - وروى أن أفلح بن النصر السلمي كان سادن العزى. فدخل عليه أبو لهب يعوده وقد احتضر. فقال له: يا با عتبة (٣) ، أظن العزى ستضيع بعدي.
فقال أبو لهب: كلا، أنا أقوم عليها، فإن يظهر محمد ولن يظهر (٤) ، فهو ابن أخي، وإن تظهر العزى، فهى (٥) الظاهرة، ليت قد اتخذت عندها يدا. فنزلت: «تبت يدا أبي لهب وتب» . وقال الكلبي: اسم سادن العزى: دبية بن حرمي السلمي.
-
٢٤٢ - وروي أن أبا لهب قال: يعدنا محمد عدان (٦) بعد الموت، ليس في أيدينا منها شيء فنزلت: «تبت يدا أبي لهب» .