(فصل) وأما الضرب الثالث فهو ما تختلف الحالات في التمدح
فقرتان، ج ١ ص ٩٢
- ج ١ ص ٩٣
به والتفاخر بسببه وَالتَّفْضِيلِ لِأَجْلِهِ كَكَثْرَةِ الْمَالِ فَصَاحِبُهُ عَلَى الْجُمْلَةِ مُعَظَّمٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ لاعْتِقَادِهَا تَوَصُّلَهُ بِهِ إِلَى حَاجَاتِهِ وَتَمَكُّنَ أعْرَاضِهِ بِسَبَبِهِ وَإلَّا فَلَيْسَ فَضِيلَةً فِي نَفْسِهِ، فَمَتَى كَانَ الْمَالُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ وَصَاحِبُهُ مُنْفِقًا لَهُ فِي مُهَمَّاتِهِ وَمُهِمَّاتِ مَنِ اعْتَرَاهُ وَأَمَّلَهُ وَتَصْرِيفِهِ فِي مَوَاضِعِهِ مُشْتَرِيًا بِهِ الْمَعَالِيَ وَالثَّنَاءَ الْحَسَنَ وَالْمَنْزِلَةَ مِنَ الْقُلُوبِ كَانَ فَضِيلَةً فِي صَاحِبِهِ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَإِذَا صَرَفَهُ فِي وُجُوهِ البِرِّ وَأَنْفَقَهُ فِي سُبُلِ الْخَيْرِ وَقَصَدَ بِذَلِكَ اللَّهَ وَالدَّارَ الآخِرَةَ كَانَ فَضِيلَةً عِنْدَ الْكُلِّ بِكُلِّ حَالٍ، وَمَتَى كَانَ صَاحِبُهُ مُمْسِكًا لَهُ غَيْرَ مُوَجِّهِهِ وُجُوهَهُ حَرِيصًا عَلَى جَمْعِهِ عَادَ كُثْرُهُ كَالْعَدَمِ وَكَانَ مَنْقَصَةً فِي صَاحِبِهِ وَلَمْ يَقَفْ بِهِ عَلَى جُدَدِ السَّلَامَةِ بل أوقعه في هوة رذيلة البخل ومذمة النذالة، فإذا التَّمَدُّحُ بِالْمَالِ وَفَضِيلَتِهِ عِنْدَ مفضله ليس لِنَفْسِهِ وَإنَّمَا هُوَ لِلتَّوَصُّلِ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَتَصْرِيفهِ فِي مُتَصَرَّفَاتِهِ، فَجَامِعُهِ إذَا لَمْ يَضَعْهُ مَوَاضِعَهُ ولا وجه وجوهه غير ملئ بِالْحَقِيقَةِ وَلَا غَنِيٍّ بِالْمَعْنَى وَلَا مُمْتَدَحٍ
ج ١ ص ٩٤عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ بَلْ هُوَ فَقِيرٌ أَبَدًا غَيْرُ وَاصِلٍ إِلَى غَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِهِ، إذْ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ الْمُوَصِّلِ لَهَا لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ خَازِنَ مَالِ غَيْرِهِ وَلَا مَالَ لَهُ فَكَأنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِهِ منه شئ، وَالْمُنْفِقُ مَلِيٌّ غَنِيٌّ بِتَحْصِيلِهِ فَوَائِدَ الْمَالِ وإن لم يبق في يده من المال شئ.
- (قوله توصله) بفتح أوله وثانيه وتشديد الضاد المهملة المضمومة (قوله من اعتراء يقال عراء هذا الأمر واعتراه أي عشيه (قوله عاد كثره) الكثر بضم الكاف: المال الكثير يقال ماله قل ولا كثر (قوله وكان منقصة) بفتح القاف وكسرها (قوله عَلَى جُدَدِ السَّلَامَةِ) الجدد بفتح الجيم وبدالين مهملتين أولهما مفتوحة: الأرض الصلبة، وفى البيان: الجدد المستوى من الأرض (قوله في هوة) الهوة بضم الهاء وتشديد الواو المفتوحة: الوهدة العميقة (قوله غير ملئ) بالهمزة في آخره، في الصحاح يقال ملؤ الرجل صار مليا أي ثقة فهو غنى ملى بين الملاء والملاءة ممدودان (*)
-
فانظر سيرة نبينا صلى اللَّه عليه وسلم وخلقه في المال تَجِدْهُ قَدْ أُوتِيَ خَزَائِنَ الْأَرْضِ وَمَفَاتِيحَ الْبِلَادِ وَأُحِلَّتْ لَهُ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِنَبِيٍّ قَبْلَهُ وَفُتِحَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَادُ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَجَمِيعُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَمَا دابى ذَلِكَ مِنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَجُلِبَتْ إليْهِ مِنْ أَخْمَاسِهَا وَجِزْيَتِهَا وصدقاتها مَا لَا يُجْبَى لِلْمُلُوكِ إِلَّا بَعْضُهُ، وَهَادَتْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ مُلُوكِ الْأَقَالِيمِ فما استأثر بشئ مِنْهُ وَلَا أَمْسَكَ مِنْهُ دِرْهَمًا بَلْ صَرَفَهُ مَصَارِفَهُ وَأَغْنَى بِهِ غَيْرَهُ وَقَوَّى بِهِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ (مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لي أُحُدًا ذَهَبًا يَبِيتُ عِندِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلَّا دِينَارٌ أرْصُدُهُ لِدَينٍ) وَأَتَتْهُ دَنَانِيرُ مَرَّةً فَقَسَمَهَا وبقيت
ج ١ ص ٩٥مِنْهَا سِتَّةٌ فَدَفَعَهَا لِبَعْضِ نِسَائِهِ فَلَمْ يَأْخُذْهُ نَوْمٌ حَتَّى قَامَ وَقَسَمَهَا وَقَالَ: (الآنَ اسْتَرَحْتُ) وَمَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ فِي نَفَقَةِ عِيَالِهِ وَاقْتَصَرَ مِنْ نَفَقَتِهِ وَمَلْبَسِهِ وَمَسْكَنِهِ عَلَى مَا تَدْعُوهُ ضَرُورَتُهُ إليْهِ وزهد فيما سِوَاهُ، فَكَانَ يَلْبَسُ مَا وَجَدَهُ فَيَلْبَسُ فِي الْغَالِبِ الشَّمْلَةَ وَالْكِسَاءَ الْخَشِنَ وَالْبُرْدَ الْغَلِيظَ وَيَقْسِمُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ أَقْبِيَةَ الديباج المخوصة بِالذَّهَبِ وَيَرْفَعُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ، إذِ الْمُبَاهَاةُ فِي الْمَلابِسِ وَالتَّزَيُّنُ بِهَا لَيْسَتْ مِنْ خِصَالِ الشَّرَفِ وَالْجلَالَةِ وَهِيَ مِنْ سِمَاتِ النِّسَاءِ، وَالْمَحْمُودُ مِنْهَا نَقَاوَةُ الثَّوْبِ وَالتَّوَسُّطُ فِي جِنْسِهِ وَكَوْنُهُ لُبْسَ مِثْلِهِ غَيْرُ مُسْقِطٍ لِمُرُوءَةِ جِنْسِهِ مِمَّا لَا يُؤَدِّي إِلَى الشُّهْرَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ وَقَدْ ذَمَّ الشَّرْعُ ذَلِكَ، وَغَايَةُ الْفَخْرِ فِيهِ فِي الْعَادَةِ عِنْدَ النَّاسِ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى الفَخْرِ بِكَثْرَةِ الْمَوْجُودِ وَوُفُورِ الْحَالِ وَكَذَلِكَ التَّبَاهِي بِجَوْدَةِ الْمَسْكَنِ وَسَعَةِ الْمَنْزِلِ وَتكْثِيرِ آلاتِهِ وَخَدَمِهِ
- (قوله وَجَمِيعُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) قال الأصمعى هو ما بين أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام في العرض، وقال أبو عبيدة هو ما بين حفر أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ إلى أقصى اليمن في الطول وما بين رمل سر من رأى إلى منقطع السماوة في العرض (قوله من الشأم) بهمزة ساكنة وقد تخفف وتذكر وتؤنث ويقال أيضا شآم بفتح الأول والثانى على وزن فعال والمشهور أن حده من العريش إلى الفرات طولا وقيل إلى نابلس ومن جبل طيئ من نحو القبلة إلى نحو الروم وما يسامت ذلك من البلاد. قال ابن عساكر في تاريخه دخول الشام عشرة آلاف عين رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم (قوله لو أن لى أحد) بضم همزة والمهملة جبل معروف بالمدينة. (*)
- (قوله ودرعه مرهونة) الدرع بكسر الدال المهملة وسكون الراء: الزردية، مؤنثة، والجمع القليل أدرع وأدراع، فإذا كثرت فهى الدروع وتصغيرها دريع على غير قياسه لأن قياسه بالهاء، وحكى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ الدرع يذكر ويؤنث، وأما درع المرأة - وهو قميصها - فمذكر والجمع أدراع، وكان له صلى الله عليه وسلم سبع أدراع: ذات الفضول سميت بذلك لطولها أرسلها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وفى الهدى لابن قيم الجوزية إنها التى رهنها صلى الله عليه وسلم وذات الوشاح وذات الحواشى والسعدية والفضة أصابها من بنى قينقاع، ويقال السعدية كانت درع داود التى لبسها لقتال جالوت البتراء والجونق (قوله المخوصة) بضم الميم فمعجمة مفتوحة فواو مشددة مفتوحة: أي المنسوجة بالذهب كخوص النخل قاله ابن الأثير (قوله نقاوة الثوب) النقاوة - بفتح النون - النظافة، وبضمها. الخيار (قوله وسعة المنزل) بفتح السين المهملة (*)