فصل ومن إعظامه وإكباره إعظام جميع أسبابه وإكرام مشاهده وأمكنته من مكة والمدينة ومعاهده وما لمسه صلى الله عليه وسلم أو عرف به
فقرتان، ج ٢ ص ٥٦
- ج ٢ ص ٥٦
أَصْحَابِي وَرَدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْنِي فِي أَصْحَابِي لَمْ يَرِدْ عَلَيَّ الْحَوْضَ وَلَمْ يَرَنِي إِلَّا مِنْ بَعِيدٍ) قَال مَالِك رَحِمَه اللَّه هَذَا النَّبِيّ مؤدّب الْخَلْق الَّذِي هَدَانَا اللَّه بِه وَجَعَله رَحمَة لِلْعَالَمِين يَخْرُج فِي جَوْف اللَّيْل إِلَى الْبَقيع فَيَدْعُو لَهُم وَيَسْتَغْفِر كَالْمُوَدّع لَهُم وَبِذَلِك أمَرَه اللَّه وَأَمَر النبي بِحُبّهِم وَمُوَالاتِهِم وَمُعَادَاة من عَادَاهُم، وَرُوي عَن كَعْب لَيْس أحَد من أصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم إلَّا لَه شَفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة، وَطَلَب مِن الْمُغيرَة بن نَوْفَل أَن يَشْفَع لَه يَوْم الْقِيَامَة قَال سَهْل بن عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ: لَم يُؤْمِن بِالرَّسُول من لَم يُوقّر أصْحَابَه وَلَم يُعِزّ أوَامِرَه
فصل وَمِن إعْظَامِه وَإِكْبَارِه إِعْظَام جَمِيع أسْبَابِه وَإكْرَام مَشَاهِدِه وَأمْكِنَتِه من مَكَّة وَالْمَدِينَة وَمَعَاهِدِه وَمَا لَمَسَه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أَو عُرِف بِه وَرُوي عَن صَفِيَّة بِنْت نَجْدَة قَالَت كَان لأبي مَحْذُورَة قِصَّة فِي مُقَدَّم رَأْسِه إذَا قَعَد وَأرْسَلَهَا أَصَابَت الْأَرْض فَقِيل لَه ألا تَحِْلقُهَا فَقَال لَم أكُن بالَّذِي أحْلِقُهَا وَقَد مَسَّهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بِيَدِه، وكانت قَلَنْسُوَة خَالِد بن الْوَلِيد شَعَرَات من شَعَرِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فَسَقَطَت قَلَنْسُوتُه فِي بَعْض حُرُوبِه فَشَدّ عَلَيْهَا شَدَّة أنْكَر عَلَيْه أصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم كَثْرَة من قُتِل فِيهَا فَقَال لَم أَفْعَلْهَا بِسَبَب الْقَلَنْسُوَة بَل لِمَا تَضَمَّنَتْه
ج ٢ ص ٥٧من شَعَرِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لِئَلَّا أُسْلَب بَرَكَتَهَا وَتَقَع فِي أيْدِي المشركين، ورؤى ابن عُمَر وَاضِعًا يَدَه عَلَى مَقْعَد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وَضَعَهَا عَلَى وَجْهِه، ولهذا كَان مَالِك رَحِمَه اللَّه لَا يَرْكَب بِالْمَدِينَة دَابَّة
وَكَان يَقُول أسْتَحْيي مِن اللَّه أن أطَأ تُرْبَة فِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بِحَافِر دَابّة، وَرُوي عَنْه أنَّه وَهَب لِلشَّافِعِيّ كُرَاعًا كَثِيرًا كَان عِنْدَه فَقَال الشَّافِعِيّ أمْسِك مِنْهَا دَابَّة فَأَجَابَه بِمِثْل هَذَا الْجَوَاب وَقَد حَكَى أَبُو عَبْد الرَّحْمن السُّلَمِيّ عَن أَحْمَد بن فَضْلُوَيْه الزّاهِد وكان من العزاة الرُّمَاة أنَّه قَال: مَا مَسسْت الْقَوْس بِيَدِي إلَّا عَلَى طَهَارة مُنْذ بَلَغَنِي أَنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أَخَذ الْقَوْس بِيَدِه، وَقَد أَفْتى مَالِك فِيمَن قَال تُرْبَة الْمَدِينَة رَدِيَّة يُضْرب ثَلَاثِين دِرَّة وَأَمَر بحسبه وَكَان لَه قَدْر وَقَال مَا أحْوَجَه إِلَى ضرْب عُنُقِه: تُرْبَة دُفِن فِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم يَزْعُم أَنَها غَيْر طَيّبَة! وَفِي الصَّحِيح أنَّه قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي الْمَدِينَة (مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ والناس أجمعين لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) وَحُكِي أَن جهْجَاهًا الغِفَاريّ أَخَذ قَضِيب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم من يَد عُثْمَان رَضِي اللَّه عَنْه وَتَنَاولَه لَيكْسِرَه عَلَى رُكْبَتِه
ج ٢ ص ٥٨فَصَاح بِه النَّاس فَأَخَذَتْه الأَكِلَة فِي رُكْبَتِه فَقَطَعَهَا وَمَات قَبْل الحَوْل وَقَال صَلَّى اللَّه عليه وسلم (من خلف عَلَى مِنْبَرِي كَاذِبًا فليتبوأ مقعد، مِنَ النَّارِ) وَحُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيّ لَمّا وَرَد الْمَدِينَة زَائِرًا وَقرب من بُيُوتهَا تَرَجَّل وَمَشى بَاكِيًا مُنْشِدًا
وَلَمّا رَأَيْنَا رَسْم من لَم يَدَع لَنَا * فُؤَادًا لِعِرْفَان الرُّسوم وَلَا لُبَّا نَزَلْنَا عَن الأكْوَار نَمْشِي كَرَامَة * لِمَن بان عَنْه أن نلم به رَكْبَا وَحُكِي عَن بَعْض المُريدِين أنَّه لَمّا أشْرَف عَلَى مَدِينَة الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أنْشَأ يَقُول مُتَمَثّلًا رُفِع الْحِجَاب لَنَا فَلَاح لِنَاظِر * قَمَر تَقَطّع دُونَه الأوْهَام وَإذَا المَطيّ بِنَا بلعن مُحَمَّدًا * فَظَهُورُهُنّ عَلَى الرَّحَال حَرَام قَرَّبْنَنَا من خَيْر من وطئ الثرى * فلها عليا حُرْمَة وَذِمَام وَحُكِي عَن بَعْض الْمَشَايخ أنه حج ماشى فَقِيل لَه فِي ذَلِك فقال الْعَبْد الأبِق يَأْتِي إِلَى بَيْت مَوْلاه رَاكِبًا لَو قَدَرْت أن أمْشي عَلَى رَأْسِي مَا مَشَيْت عَلَى قَدَمَيّ، قَال الْقَاضِي وَجَدِير لِمواطِن عُمرت بالْوَحْي وَالتَّنْزِيل وَتَرَدَّد بِهَا جِبْرِيل ومِيكَائِيل وَعَرَجَت مِنْهَا الْمَلَائِكَة وَالرُّوح وَضَجَّت عَرَصَاتُهَا بالتَّقْدِيس وَالتَّسْبِيح وَاشْتَمَلَت تُرْبَتُهَا عَلَى جَسَد سيد البشر
- (قوله قصة) بضم القاف وتشديد الصاد المهملة: ما على الجبهة من شعر الرأس (قوله في قلنسوة خالد) أي قبعته (*)
- (قوله مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا) قال ابن الأثير: الحدث الأمر المنكر الذى ليس بمعتاد ولا معروف في السنة، والمحدث يروى بكسر الدال وفتحها فمعنى الكسر من نضر خائنا أو آواه وأجاره من خصمه، ومعنى الفتح. الأمر المبتدع نفسه فيكون معنى الإيواء فيه الرضى والصبر عليه فإنه إذا رضى البدعة وأقر فاعلها ولم ينكرها عليه فقد آواه (*)
- (قوله ولما رأينا) هذا البيتان لأبى طالب أحمد بن الحسين المتنبي (قوله رفع الحجاب) هذه الأبيات لأبى نواس الحكمى يمدح بها أمين الدولة (قوله فَظَهُورُهُنّ عَلَى الرَّحَال) هو بالمهملة جمع رحل، كذا رأيت بخط شيخنا كمال الدين الدميري الشافعي (*)
- ج ٢ ص ٥٩
وَانْتَشَر عَنْهَا من دِين اللَّه وَسُنَّة رَسُولِه مَا انْتَشَر مَدَارِس آيَات وَمَسَاجِد وَصَلَوات وَمَشَاهِد الْفَضَائِل وَالْخَيْرَات وَمَعَاهِد الْبَرَاهِين وَالْمُعْجِزَات وَمَنَاسِك الدّين وَمَشَاعِر الْمُسْلِمِين وَمَوَاقِف سَيّد الْمُرْسَلِين وَمُتَبَوّأ خَاتَم النَّبِيّين حَيْث انْفَجَرَت النُّبُوَّة وَأَيْن فَاض عُبَابُهَا وَمَوَاطِن طويت فيها لرسالة وَأَوَّل أَرْض مَسّ جِلْد الْمُصْطَفى تُرَابَهَا أن نعظم عَرَصَاتُهَا وَتُتَنَسَّم نَفَحَاتُهَا
وَتُقَبَّل رُبُوعُهَا وَجُدُرَاتُهَا يَا دَار خَيْر الْمُرْسَلِين وَمَن بِه * هُدَى الْأَنَام وَخُصّ بِالآيَات عِنْدِي لِأَجْلِك لَوْعَة وَصَبَابَة * وَتَشَوُّق مُتَوَقّد الْجَمَرَات وَعَلِيّ عَهْد إن مَلأْت مَحَاجِرِي * من تِلْكُم الْجُدرَات وَالْعَرَصَات لَأُعَفّرَنّ مَصُون شَيْبِي بَيْنَهَا * من كَثْرَة التَّقْبِيل وَالرَّشَفَاتِ لَوْلَا الْعَوَادِي وَالْأَعَادِي زُرْتُهَا * أبَدًا وَلَو سَحْبا على الْوَجَنَات لَكِن سَأهْدِي من حَفِيل تَحِيَّتِي * لقطين تلك الدّار وَالْحُجُرَات أزْكَى مِن الْمِسْك الْمُفَتَّق نَفْحَة * تَغْشَاه بِالآصَال وَالْبُكُرَات وَتَخُصُّه بِزَوَاكِي الصَّلَوَاتِ * وَنَوامِي التَّسْلِيم والبركات
- (قوله عبابها) العباب بضم العين المهملة وبموحدتين: معظم السيل وارتفاعه وكثرته (قوله يَا دَار خَيْر المرسلين) الظاهر أن هذه الأبيات للمصنف (قوله صبابة) هي رقة الشوق (قوله من حفيل) بفتح الحاء المهلمة وكسر الفاء أي جميع، في الصحاح حفل القوم واحتفلوا أي اجتمعوا (قوله لقطين) بفتح القاف وكسر الطاء المهملة: أي المقم (قوله المفتق) بتشديد المثناة الفوقية المتفوحة أي المستخرج الرائحة (*)