فصل
فقرتان، ج ٢ ص ١١٥
- ج ٢ ص ١١٥
قَبْل نبوته يُخَالف المشركين فِي وُقُوفِهِم بمزدلفة فِي الحج فَكَان يقف
هُو بعرفة لِأَنَّه كَان موقف إبْرَاهِيم عَلَيْه السَّلَام.
-
فصل قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَفَّقَه اللَّه قَد بَان بِمَا قدمناه عُقُود الْأَنْبِيَاء فِي التَّوْحِيد وَالْإِيمَان وَالَوَحَي وَعِصْمَتُهُم فِي ذَلِك عَلِيّ مَا بيناه، فأما مَا عَدَا هَذَا الْبَاب من عُقُود قُلُوبهِم فجماعها أنَّهَا مملوءة علما ويقينا عَلَى الجملة، وأنها قَد احتوت مِن المعرفة والعلم بأمور الدين والدنيا ما لا شئ فوقه وَمِن طالع الأحبار واعتني بالحديث وَتأمل مَا قلناه وجده وَقَد قدمنا مِنْه في حَقّ نبينا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي الْبَاب الرابع أَوَّل قسم من هَذَا الْكِتَاب مَا ينبه عَلَى مَا وراءه الا أَنّ أحوالهم فِي هَذِه المعارف تختلف، فأما مَا تعلق مِنْهَا بأمر الدُّنْيَا فلا يشترط فِي حَقّ الْأَنْبِيَاء العصمة من عدم معرفة الْأَنْبِيَاء ببعضها أَو اعتقادها عَلَى خِلَاف مَا هِي عَلَيْه وَلَا وصم عَلَيْهِم فِيه إِذ هممهم متعلقة بالآخرة وأنبائها وأمر الشريعة وقوانينها، وأمور الدُّنْيَا تضادها بخلاف غَيْرِهِم من أَهْل الدُّنْيَا الذين يعلمون ظاهرا مِن الحياة الدُّنْيَا وهم عَن الآخرة هُم غافلون كَمَا سنبين هَذَا فِي الْبَاب الثاني أَنّ شَاء اللَّه ولكنه لَا يقال انهم لَا يعلمون شَيْئًا من أمر الدُّنْيَا فان ذَلِك يؤدي إلى الغفلة والبله وهم المنزهون عَنْه بَل قَد أرسلوا إلى أهل الدُّنْيَا وقلدوا سياستهم وهدايتهم والنظر فِي مصالح دينهم ودنياهم، وَهَذَا لَا يَكُون مَع عدم الْعِلْم بأمور الدُّنْيَا بِالكلية، وأحوال الْأَنْبِيَاء وسيرهم فِي هَذَا الْبَاب معلومة ومعرفتهم بِذَلِك كله مشهورة وَأَمَّا إنّ كَان هَذَا
ج ٢ ص ١١٦العقد مِمَّا يتعلق بالدين فَلَا يصح مِن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم إلا الْعِلْم بِه وَلَا يجوز عَلَيْه جهله جملة لِأَنَّه لَا يخلو أن يَكُون حصل عِنْدَه ذَلِك
عَن وحي مِن اللَّه فَهُو مَا لَا يصح الشك مِنْه فِيه عَلَى مَا قدمناه فكيف الجهل؟ بَل حصل لَه الْعِلْم اليقين أَو يَكُون فعل ذَلِك باجتهاده فِيمَا لَم ينزل عليه فيه شئ عَلَى القول بتجويز وقوع الاجتهاد مِنْه فِي ذَلِك عَلَى قول المحققين وَعَلَى مقتضى حَدِيث أم سَلَمَة إنّي إنما أقضى بينكم برأى فيما لم ينزل على فيه شئ خَرجه الثقات، وكَقِصَّة أَسْرَى بَدْر وَالإذْن للْمُتخّلِفين عَلَى رأي بَعْضُهُم فَلَا يَكُون أيْضًا مَا يعتقده مِمَّا يثمره اجتهاده إلَّا حقا وصحيحا، هَذَا هُو الْحَقّ الَّذِي لَا يلتفت إلى خِلَاف من خالف فِيه مِمَّن أجاز عَلَيْه الخَطَإ فِي الاجْتِهَاد لَا عَلَى القول بتصويب المجتدين الَّذِي هُو الْحَقّ والصواب عندنا وَلَا عَلَى القول الآخر بأن الْحَقّ فِي طَرَف وَاحِد لِعصْمَة نَبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم مِن الخَطَإ فِي الاجْتِهَاد فِي الشَّرْعِيَّات وَلِأَنّ الْقَوْل فِي تَخْطِئَة المُجْتَهِدِين إنَّمَا هُو بَعْد اسْتِقْرَار الشَّرْع وَنَظَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَاجْتِهادُه إنَّمَا هُو فِيمَا لَم يُنْزَل عَلَيْه فيه شئ وَلَم يُشْرَع لَه قَبْل، هَذَا فِيمَا عَقد عَلَيْه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم قَلْبَه فأمَّا مَا لَم يَعْقِد عَلَيْه قَلْبَه من أمْر النَّوَازِل الشَّرْعِيَّة فَقَد كَان لَا يَعْلَم مِنْهَا أوَّلًا إلَّا مَا عَلَّمَه اللَّه شَيْئًا شَيْئًا حَتَّى اسْتَقَرّ عِلْم جُمْلَتِهَا عِنْدَه إِمَّا بِوَحْي مِن اللَّه أَو إذْن أن يَشْرَع فِي ذَلِك وَيَحْكُم بِمَا أرَاه اللَّه وَقَد كَان يَنْتَظِر الْوَحْي فِي كَثِير مِنْهَا وَلكِنَّه لَم يَمُت حَتَّى اسْتَفْرَغ عِلْم جَمِيعِهَا عِنْدَه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَتَقَرَّرَت مَعَارِفُهَا لَدَيْه عَلَى التَّحْقِيق وَرَفْع الشَّكّ وَالرَّيْب وَانْتِفَاء الجَهْل وَبِالجُمْلَة فَلَا يَصِحّ منه الجهل بشئ من تَفَاصِيل الشَّرْع الَّذِي أمر بالدَّعْوَة إليْه إذ