فصل واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان
٣ فقرات، ج ٢ ص ١١٧
- ج ٢ ص ١١٧
لَا تَصِحّ دَعْوَتُه إلى مَا لا يَعْلَمُه وَأَمَّا مَا تَعَلَّق بَعَقْدِه من مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَخَلق اللَّه وَتَعْيين أسْمَائِه الْحُسْنى وَآيَاتِه الْكُبْرَى وَأُمُور الآخِرَة وَأشْرَاط الساعة وأحْوَال السُّعَدَاء وَالأشْقِيَاء وَعِلْم مَا كَان وَمَا يَكُون مِمَّا لَم يعلمه إلا بِوَحْي فَعَلى مَا تَقَدَّم من أنَّه مَعْصُوم فِيه لَا يَأْخُذُه فِيمَا أُعْلِم مِنْه شَكّ وَلَا رَيْب بَل هُو فِيه عَلَى غَايَة اليَقِين لكنَّه لَا يُشْتَرَط لَه الْعِلْم بِجَمِيع تَفَاصِيل ذَلِك وَإن كَان عِنْدَه من عِلْم ذَلِك مَا لَيْس عِنْد جَمِيع الْبَشَر لِقَوْلِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (إِنِّي لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي رَبِّي) وَلِقَوْلِه وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قرة أعين) وَقَوْل مُوسَى لِلخضر (هل أتبعك لى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا علمت رشدا) وَقَوْلُه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (أَسْألُكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى مَا عَلِمْتَ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ) وَقَوْلُه (أَسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوِ لتأثرت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ) وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) قَال زيد بن أسلم وَغَيْرُه حَتَّى يَنْتَهِي الْعِلْم إِلَى اللَّه وَهَذَا مَا لَا خَفَاء بِه إذ مَعْلُومَاتُه تَعَالَى لَا يُحَاط بِهَا وَلَا مُنْتَهى لَهَا، هَذَا حُكْم عَقْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي التَّوْحِيد وَالشَّرْع وَالْمَعَارِف وَالْأُمور الدَّينِية
فصل وَاعَلم أَنّ الْأُمَّة مُجْمعة عَلَى عِصْمة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم مِن الشَّيْطَان وَكِفَايَتِه مِنْه لَا فِي جِسمِه بِأنْوَاع الأَذَى وَلَا عَلَى خَاطِرِه بِالوْسَاوِس وَقَد أَخْبَرَنَا الْقَاضِي الْحَافِظ أَبُو عَلِيّ رَحِمَه الله قَال حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونَ الْعَدْلُ حدثنا أبو بكر البرقاني وغيره حدثنا أَبُو الْحَسَنِ
ج ٢ ص ١١٨الدَّارَقُطْنِيُّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ التَّرْقُفِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) مَا مِنْكُمْ
مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ) قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ (وَإِيَّايَ وَلِكِنَّ اللَّهَ تعالى أعاني عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ) * زَاد غَيْرِه عَن منصور (فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ) وَعَن عَائِشَة بمعناه رُوِي فَأسْلَم بِضَم المِيم أَي فَأسْلَم أَنَا مِنْه وَصَحَّح بَعْضُهُم هَذِه الرَّوَايَة وَرَجَّحَهَا، وَرُوي فَأسْلَم يعني القَرِين أنَّه انْتَقَل عَن حَال كُفْرِه إِلَى الْإِسْلَام فَصَار لَا يَأْمُر إلَّا بِخَيْر كَالمَلك، وَهُو ظَاهِر الْحَدِيث، وَرَوَاه بَعْضُهُم فَاسْتَسْلَم قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَفَّقَه اللَّه فَإِذَا كَان هَذَا حُكْم شَيْطَانِه وقرينه المسلط عَلَى بَنِي آدَم فَكَيْف بِمَن بَعْد مِنْه وَلَم يَلْزَم صُحْبَتَه وَلَا أُقْدِر عَلَى الدُّنُوّ مِنْه؟ وَقَد جَاءَت الآثار بِتَصَدّي الشَّيَاطِين لَه في غير موطن رغبة في إطماء نُوره وَإماتَة نَفْسِه وَإدْخَال شُغْل عَلَيْه إِذ يئِسُوا من إغْوَائِه فانْقَلبُوا خَاسِرين كَتَعَرُّضِه لَه فِي صَلَاتِه فَأخَذَه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَأسَرَه * فَفِي الصَّحَاح قَال أَبُو هُرَيْرَة عَنْه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي - قَال عبد الرَّزَّاق فِي صُورَةِ؟ ؟ ؟ - فَشَدَّ عَلَيَّ يَقْطَعُ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكنِنِي اللَّهُ
ج ٢ ص ١١٩مِنْهُ فَذَعَتُّهُ وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصِبحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي ملكا) الآيَةَ، فَرَدَّهُ
اللَّهُ خَاسِئًا) * وَفِي حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء عَنْه صلى الله عليه وسلم (إن عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ جَاءَنِي بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَذَكَرَ تَعَوذَهُ بِاللَّهِ مِنْهُ ولعنه لَهُ ثُمَّ أَرَدْتُ آخُذُهُ) ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَال (لأَصْبَحَ مُوثَقًا يَتَلاعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِهِ فِي الْإِسْرَاء (وَطَلَب عفريت له بشعلة نار فعلمه جبريل ما يتعوذ به منه) ذكره في الموطإ، ولما لم يقدر على أداه بِمُبَاشَرَتِه تَسَبَّب بالتَّوَسُط إلى عِدَاه كَقَضيته مَع قُرَيْش فِي الائْتِمَار بِقَتْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَتَصوُّرِه فِي صُورَة الشَّيْخ النَّجْدِيّ وَمَرَّة أخْرَى فِي غَزْوَة يَوْم بَدْر فِي صُورَة سُرَاقَة بن مالك وَهُو قَوْله (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) الآيَة، وَمَرَّة يُنْذر بِشَأنِه عِنْد بَيْعَة العفية، وَكُلّ هَذَا فَقَد كَفَاه الله أمْرَه وَعَصَمَه ضُرَّه وَشَرَّه وَقَد قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (إِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كُفِيَ مِنْ لَمْسِهِ فَجَاءَ لِيَطْعَنَ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِهِ حِينَ وُلِدَ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ) وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ لُدَّ فِي مَرَضِهِ وَقِيل لَه خَشينا أن يكون بك
- (قوله عباس الترقفى) عباس بالموحدة والسين المهملة، الترقفى بفتح المثناة الفوقية وسكون الراء وضم القاف وكسر الفاء وياء النسبة (قوله فشد على فدعته) شد جمل ودعته بالعين المهملة قال ابن الأثير: الدعت بالدال والذال الدفع العنيف، والذعت أيضا المعك في التراب قال النووي وأنكر الخطابى المهملة وقال لا يصح، وصححها غيره وصوبها وإن كانت المعجمة أوضح وأشهر، وقال ابن قرقول وعند ابن الحذاء في حديث ابن أبى شيبة فذغته بذال وغين معجمتين (*)
- (قوله فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سليمان) قال المصنف في شرح مسلم معناه أنه مختص بهذا فامتنع صلى الله عليه وسلم من ربطه إلا لأنه لم يقدر عليه لذلك وما لأنه لما تذكر ذلك لما يتعاط ذلك لظنه أنه يقدر عليه أو تواضعا أو تأديا انتهى (قوله أبى الدرداء) اسمه عويمر بن عامر (قوله لشهاب) أي شعلة (قوله الشيخ النجدي) إنما انتسب اللعين إلى نجد لأنهم قالوا عند تعاقدهم لا تدخلوا منكم أحدا من أهل تهامة إن هواهم مع محمد (قوله في الحجاب) أي الغشاة الذى يكون الجنين في داخله وهو للشيمة، وقيل حجاب بين الشيطان وبين مريم (*)
- ج ٢ ص ١٢٠
ذَات الجَنْب فَقَال (إِنَّهَا مِنَ الشَّيْطَانِ وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُسَلِّطَهُ عَلَيَّ) فَإِن قِيل
فَمَا مَعْنَي قَوْلِه تَعَالَى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) الآيَة؟ فَقَد قَال بَعْض الْمُفَسّرِين إنها رَاجِعَة إِلَى قَوْلِه (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ثُمَّ قَال وإما يَنْزَغَنَّكَ أَي يَسْتَخِفَّنَّكَ غَضَبٌ يَحْمِلُكَ عَلَى تَرْكِ الإِعْرَاضِ عَنْهُمْ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَقِيلَ النزع هُنَا الْفَسَاد كَمَا قَال (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) وقيل ينرغنك يغرينك ويخركنك، والنزع أدْنى الْوَسْوَسَة فأمَرَه اللَّه تَعَالَى أنَّه مَتَى تَحَرَّك عَلَيْه غَضَبٌ عَلَى عَدُوِّهِ أَو رَام الشَّيْطَان من إغْرَائِه بِه وَخَوَاطِر أدْنى وَسَاوِسِه مَا لم يُجعَل لَه سَبِيل إليْه أن يَسْتَعِيذ مِنْه فَيُكْفى أمْرُه وَيَكُون سبب نمام عِصْمِته إذ لَم يُسَلَّط عَلَيْه بِأكْثَر مِن التَّعَرُّض لَه وَلَم يُجْعَل لَه قُدْرَة عَلَيْه وَقَد قِيل فِي هَذِه الآيَة غَيْر هَذَا وَكَذَلِك لَا يَصِحّ أن يُتَصَور لَه الشَّيْطَان فِي صُورَة المَلَك وَيُلَبَّس عَلَيْه لَا فِي أَوَّل الرّسَالة وَلَا بَعْدَهَا وَالاعْتِمَاد فِي ذَلِك دَلِيل المُعْجِزة بَل لَا يَشُكّ النَّبِيّ أَنّ مَا يَأتِيه مِن اللَّه المَلَك وَرَسُولُه حَقِيقَة إِمَّا بِعِلْم ضَرُورِي يَخْلُقُه اللَّه لَه أَو بِبُرْهَان يُظْهِرُه لديه لِتَتمّ كلمة رَبّك صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدّل لِكَلِمَاتِه.
-
فَإِن قِيل فَمَا مَعْنَي قوله تعالى: (وما أرسلنا منى قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) الآيَة؟ فاعلم أَنّ لِلنَّاس فِي مَعْنَي هَذِه الآيَة أقاوِيل مِنْهَا السَّهْل وَالْوَعْث *
ج ٢ ص ١٢١وَالسَّمِين والغَثّ، وَأوْلى مَا يُقَال فِيهَا مَا عَلَيْه الجمهور من المفسرين أن
التمنى ههُنَا التَّلاوَة وَإلْقَاء الشَّيْطَان فِيهَا إشْغَاله بِخَوَاطِر وَأذَكَار من أمور الدنيا لليالي حَتَّى يُدْخِل عَلَيْه الْوَهْم وَالنّسْيَان فِيمَا تَلاه أَو يُدْخِل غَيْر ذَلِك عَلَى أفهَام السَّامِعِين مِن التحريف وَسُوء التَّأوِيل مَا يُزِيلُه اللَّه وَيَنْسَخُه وَيَكْشِف لَبْسَه وَيُحْكم آياتِه وَسَيَأتَي الْكَلَام عَلَى هَذِه الآيَة بعد بِأشْبَع من هَذَا إن شَاء اللَّه، وَقَد حكى السَّمْرَقَنْدِيّ إنْكَار قَوْل من قال بتسلط الشَّيْطَان عَلَى مُلْك سليمان وغلبته عليه وَأَنّ مِثْل هَذَا لَا يَصحّ وَقَد ذَكَرْنا قِصَّة سُلَيْمَان مُبَيَنَة بَعْد هَذَا وَمِن قَال إنّ الجَسَد هُو الوَلَد الَّذِي وُلِد لَه، وَقَال أَبُو مُحَمَّد مَكّيّ فِي قِصَّة أيُّوب وَقَوْلُه: (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وعذاب) أنه لا يجوز لأحد أن ينازل أَنّ الشَّيْطَان هُو الَّذِي أمْرَضه وَألْقَى الضُّرّ فِي بَدَنِه ولا يَكُون ذَلِك إلَّا بِفِعْل اللَّه وَأمْرِه لِيَبْتَلِيَهُم وَيُثِيبهُم.
قَال مَكّيّ: وَقِيل إنّ الَّذِي أصَابَه الشَّيْطَان مَا وَسْوَس بِه إِلَى أهله فَإِنّ قُلْت: فَمَا مَعْنَي قَوْلِه تَعَالَى عَن يوشَع: - وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ) وَقَوْلُه عَن يُوسُف: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) وقَوْل نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم حِين نَام عَن الصَّلَاة يَوْم الْوَادِي: (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) وَقَوْل مُوسَى عَلَيْه السَّلَام فِي وَكْزَتِه: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) فاعْلَم أَنّ هَذَا الْكَلَام قَد يَرد فِي جميع خذا عَلَى مَوْرِد مُسْتَمِرّ كَلَام الْعَرَب فِي وَصْفِهِم كُلّ قَبح من شَخْص أَو فَعْل بالشَّيْطَان أَو فِعْلِه كَمَا قَال تَعَالَى: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رؤس الشياطين) وَقَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم: (فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) ، وأيضا فَإِنّ قَوْل يُوشَع لَا يَلْزَمُنَا الجواب
ج ٢ ص ١٢٢عَنْه، إذ لَم يَثْبُت لَه فِي ذَلِك الوقت نُبُوَّة مَع مُوسَى، قَال اللَّه تَعَالَى: (وإذ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ) وَالمَرْوِيّ أنَّه إنَّمَا نبى بَعْد مَوْت مُوسَى وَقِيل: قُبَيْل مَوْتِه، وقول مُوسَى كَان قَبْل نُبُوَّتِه بِدَلِيل الْقُرْآن وقصة يُوسُف قَد ذُكِر
أنَّهَا كَانَت قَبْل نُبُوَّتِه، وقد قال المفسرون في قوله: (أنساه الشيطان) قَوْلَيْن: أحَدُهُمَا: أَنّ الَّذِي أنْسَاه الشَّيْطَان ذَكَر رَبَّه أحد صَاحِبي السّجْن وَرَبَّه المَلك: أَي أنْسَاه أَنّ يَذْكُر لِلْمَلِك شَأْن يُوسُف عَلَيْه السَّلَام، وأيضا فَإِنّ مِثْل هَذَا من فعل الشَّيْطَان لَيْس فِيه تسلط عَلَى يُوسُف ويوشع بوساوس ونزغ وَإِنَّمَا هُو بشغل خواطر هما بِأُمُور أُخَر وَتَذْكِيرِهِما من أُمُورِهِمَا مَا يُنْسِيهِمَا مَا نَسِيَا، وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم: (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) فَلَيْس فِيه ذِكْر تَسَلُّطِه عَلَيْه وَلَا وَسْوَسَتِه لَه بَل إنّ كَان بِمُقْتَضى ظَاهرِه فَقَد بَيْن أمْر ذَلِك الشَّيْطَان بِقَوْلِه: (إن شيطان أَتَى بِلالًا فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ) فَاعْلَم أَنّ تَسَلُّط الشَّيْطَان فِي ذَلِك الْوَادِي إنَّمَا كَان عَلَى بلال الْمُوَكَّل بِكَلاءَة الْفَجْر، هَذَا إنّ جَعَلْنَا قَوْله: (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) تَنْبِيهًا عَلَى سَبَب النّوْم عَن الصَّلَاة، وَأَمَّا إنّ جَعَلْنَاه تَنْبِيهًا عَلَى سَبَب الرَّحِيل عَن الْوَادِي وَعِلَّة لِتَرْك الصَّلَاة بِه وَهُو دَلِيل مَسَاق حَدِيث زَيْد بن أسْلَم فَلَا اعْتِرَاض بِه فِي هَذَا الْبَاب لِبَيَانِه وإرتفاع إشكاله.
- (قوله ذات الجنب) هي قرحة تصيب الإنسان في داخل جنبه (قوله ويلبس) بكسر الموحدة أي يخلط (قوله والوعث) بفتح الواو وسكون العين المهملة بعدها مثلثة: في الصحاح الوعث المكان السهل الكبير الدهش تغيب فيه الأقدام ويسبق على من يمشى فيه والدهش المكان السهل لا يبلغ أن يكون رملا وليس ترابا ولا طينا (*)
- (قوله ويثبتهم) من التثبيت وفى نسخة ويثيبهم من الثواب (*)
- (وقوله يهدئه) بسكون الهاء وكسر الدال المخففة بعدها همزة، في الصحاح أهدأت الصبى إذا جعلت تضرب عليه بكفك وتسكنه لينام (قوله بكلاءة) أي بحراسة (*)