فصل وأما ما يعتقده في أمور أحكام البشر الجارية على يديه
فقرتان، ج ٢ ص ١٨٥
- ج ٢ ص ١٨٥
مِن القَلْب فَنَشْرَب وَلَا يَشْرَبُون، فَقَال (أشَرْت بالرَّأْي) وفعل مَا قاله، وَقَد قَال اللَّه تَعَالَى لَه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (وَشَاوِرْهُمْ في الأمر) وأراد مصالحة بَعْض عدوه عَلَى ثلث تمر الْمَدِينَة فاستشار الْأَنْصَار فَلَمّا أخبروه برأيهم رجع عَنْه، فمثل هَذَا وأشباهه من أمور الدُّنْيَا التي لَا مدخل فِيهَا لعلم ديانة وَلَا اعتقادها وَلَا تعليمها يجوز عَلَيْه فِيهَا مَا ذكرناه، إِذ لَيْس فِي هَذَا كله نقيصة وَلَا محطة وَإِنَّمَا هِي أُمُور اعتيادية يعرفها من جربها وجعلها همه وشغل نفسه بِهَا وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم مشحون القلب بمعرفة الربوبية ملآن الجوانح بعلوم الشريعة مقيد البال بمصالح الْأُمَّة الدينية والدنيوية وَلَكِن هَذَا إنَّمَا يَكُون فِي بَعْض الأمور ويجوز في النادر وَفِيمَا سبيله التدقيق فِي حراسة الدُّنْيَا واستثمارها لَا فِي الكثير المؤذن بالبله والغفلة وَقَد تواتر بالنقل عَنْه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم مِن المعرفة بأمور الدُّنْيَا ودقائق مصالحها وسياسة فرق أهلها مَا هُو معجز فِي البَشر مِمَّا قَد نبهنا عَلَيْه فِي باب معجزاته من هَذَا الْكِتَاب.
-
فصل وَأَمَّا مَا يعتقده فِي أمور أحكام البشر الجارية عَلَى يديه وقضاياهم ومعرفة المحق مِن المبطل وعلم المصلح مِن المفسد فبهذه السبيل لِقَوْلِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضُكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أسمع،
ج ٢ ص ١٨٦فَمَنْ قَضيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بشئ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) * حَدَّثَنَا الْفَقِيه أَبُو الْوَلِيد رَحِمَه الله حدثنا الحسين بن محمد الحافظ حدثنا أبو عُمَر حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن كثير أَخْبَرَنَا سُفْيَان عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أبيه عن زَيْنَبَ بِنْت أُمّ سَلَمَة عَن أم سَلَمَة قَالَت قَال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (الْحَدِيث) وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة) فَلَعَلَّ بَعْضُكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسَبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَأَقْضِيَ لَهُ) ويُجْري أحْكَامَه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلَى الظَّاهِر وَمُوجَب غَلبَات الظَّنّ بِشِهَادَة الشَّاهِد وَيَمين الحَالف وَمُراعَاة الأشْبَه وَمَعْرِفَة العْفَاص وَالْوِكَاء مَع مُقْتَضَى حِكْمَة اللَّه فِي ذَلِك فَإنَّه تَعَالَى لَو شَاء لأطْلَعَه عَلَى سَرَائِر عِبَادِه وَمُخَبّآت ضَمَائر أُمَّتِه فَتَولَّى الحُكْم بَيْنَهُم بِمُجَرَّد يَقِينِه وَعِلْمِه دون حَاجَة إِلَى اعْتِرَاف أَو بَيَّنَة أَو يَمِين أَو شُبْهَة وَلَكِن لَمّا أمَر اللَّه أمَّتَه باتباعه والاقتداء بِه فِي أفْعَالِه وَأحْوَالِه وَقَضَايَاه وَسِيَرِه وَكَان هَذَا
لَو كَان مِمَّا يَخْتَصّ بِعِلْمِه وَيُؤْثِرُه اللَّه بِه لَم يَكُن للْأُمَّة سَبِيل إلى الاقْتِدَاء بِه فِي شئ من ذَلِك وَلَا قَامَت حُجَّة بِقَضِيَّة من قَضَايَاه لأحد فِي شَرِيعته لأنَّا لَا نَعْلَم مَا أُطْلِع عَلَيْه هُو فِي تِلْك الْقَضِيَّة بحكْمِه هُو إذَا في ذلك
- (قوله ألحن بحجته) في الصحاح اللحن - بالتحريك - الفطنة وقد لحن وفى الحديث (ولعل أحدكم ألحن بحجته) أي أفطن بها، ومنه قَوْل عُمَر بن عبد العزيز: عجبت لمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم فاطنهم انتهى (*)
- (قوله ابن كثير) هو بفتح الكاف وكسر المثلثة (قوله العفاص) بكسر العين المهملة وتخفيف الفاء وفى آخره صاد مهملة: هو الوعاء الذى يكون فيه الشئ وفيه عفاص القارورة للجلد أي بلبسه رأسها (قوله والوكاء) بكسر الواو والمد هو الخيط الذى يشد به الوعاء، ثم استعمل فِي كُلّ مَا يربط به: صرة أو غيرها (*)