فصل الوجه الخامس أن لا يقصد نقصا ولا يذكر عيبا
فقرتان، ج ٢ ص ٢٣٨
- ج ٢ ص ٢٣٨
فصل الْوَجْه الخامس أن لَا يَقْصِد نَقْصًا وَلَا يَذْكُر عَيْبًا وَلَا سَبًّا لكنه يَنْزَع بِذِكْر بَعْض أوْصَافِه أَو يَسْتَشْهِد بِبَعْض أَحْوَالِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم الْجَائزَة عَلَيْه فِي الدُّنْيَا عَلَى طَرِيق ضَرْب المثل والحجة لنفسه أو لغيره أو عَلَى التشبه بِه أَو عِنْد هضيمة نالته أو غضاضة لحقته لَيْس عَلَى طريق التأسي وطريق التحقيق بَل عَلَى مَقْصِد التَّرْفِيع لِنَفْسِه أَو لِغَيْرِه أَو عَلَى سَبِيل التّمْثِيل وعدم التّوْقِير لِنَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أَو قَصْد الْهَزْل وَالتّنْذِير بِقَوْلِه كقول القائِل إن قِيل فِي السُّوء فَقَد قِيل فِي النَّبِيّ أَو إن كُذّبْت فَقَد كُذّب الْأَنْبِيَاء أَو إن أذْنَبْت فَقَد أذْنَبُوا أَو أَنَا أسْلَم من ألْسِنَة النَّاس وَلَم يَسْلَم مِنْهُم أنبِيَاء اللَّه ورسله أَو قَد صَبَرْت كَمَا صَبَر أُولُو العَزْم أَو كَصَبْر أَيُّوب أَو قَد صَبَر نَبيّ اللَّه عَن عِدَاة وَحَلُم عَلَى أكْثَر مِمَّا صَبَرْت وكقول المتنى: أَنَا فِي أُمَّة تَدَارَكَهَا اللَّه غَرِيب كَصَالِح فِي ثَمُود
ج ٢ ص ٢٣٩وَنَحْوَه من أشْعَار الْمُتَعَجْرِفِين فِي الْقَوْل الْمُتَسَاهِلِين فِي الْكَلَام كقول المَعَرّي كُنْت مُوسَى وَافَتْه بِنْت شُعَيْب * غَيْر أن لَيْس فِيكُمَا من فَقِير
عَلَى أَنّ آخِر الْبَيْت شديد وَدَاخل فِي الإزْرَاء وَالتَّحْقِير بالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وسلم وتفضيل حال غَيْرِه عَلَيْه وَكَذَلِك قَوْله لَوْلَا انْقِطَاع الْوَحْي بَعْد مُحَمَّد * قُلْنَا مُحَمَّد عَن أَبِيه بَدِيل هُو مِثْلُه فِي الْفَضْل إلَّا أنَّه * لَم يَأْتِه بِرِسَالَة جِبْرِيل فَصَدْر البَيْت الثاني من هَذَا الفَصْل شَديد لِتَشْبِيهه غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي فَضْلِه بالنبي والعَجُز مُحْتَمِل لِوَجْهِين أحَدُهُمَا أَنّ هَذِه الفضيلة نَقّصَت الْمَمْدُوح وَالآخَر اسْتِغْنَاؤُه عَنْهَا وَهَذِه أشَدّ ونحو مِنْه قَوْل الآخِر وَإذَا مَا رُفِعَت رَاياتُه * صَفّقَت بَيْن جَنَاحَي جَبْرِين وقول الآخَر من أَهْل العَصْر فَرّ مِن الخُلْد وَاسْتَجَار بنا * فَصَبَّر اللَّه قَلْب رضوان وكقول حسان المصيصي من شعراء الأندلس فِي مُحَمَّد بن عباد المعروف بالمعتمد ووزيره أَبِي بَكْر بن زيدون
ج ٢ ص ٢٤٠كأن أَبَا بَكْر أَبُو بَكْر الرضا * وحَسّان حَسَّان وَأنْت مُحَمَّد إِلَى أمثال هَذَا وَإِنَّمَا أكثرنا بشاهدها مَع استثقالنا حكايتها لتعريف أمثلتها ولتساهل كثير مِن النَّاس فِي ولوج هَذَا الْبَاب الضنك واستخفافهم فادح هَذَا العبء وقلة علمهم بعظيم مَا فِيه مِن الوزر وكلامهم مِنْه بِمَا لَيْس لَهُم بِه علم وتحسبونه هينا وَهُو عِنْد اللَّه عظيم لَا سيما الشعراء وأشدهم فِيه تصريحًا وللسانه تسريحًا ابن هانئٍ الأندلسي وَابْن سُلَيْمَان المعري بَل قَد خرج كثير من كلامهما إِلَى حد الاستخفاف والنقص وصريح الكفر وَقَد أجبنا عَنْه وغضرنا الآن الْكَلَام فِي هَذَا الْفَصْل الَّذِي سقنا أمثلته فَإِنّ هذا كلها وَإِنّ لَم تَتَضمن سبًّا وَلَا أضافت إِلَى الْمَلَائِكَة والأنبياء نقصا وَلَسْت أعْنِي عَجُزَي بَيْتِي المَعَرّي وَلَا قَصَد قائلها إزارة وَغَضًّا فَمَا وَقّر النُّبُوَّة وَلَا عَظّم الرسالة ولا غزر حُرْمَة الاصْطِفَاء وَلَا عزز حُظْوَة الكَرَامَة حَتَّى شَبّه من شَبّه فِي كَرَامَة نالَهَا أَو مَعَرَّة قَصَد الانْتِفَاء مِنْهَا أَو ضرب مثل لتطبيب مَجْلِسِه أَو إغْلاء فِي وَصْف لِتَحْسِين كَلَامِه بمَن عَظّم اللَّه خَطَرَه وَشَرّف قَدْرَه وَألزَم تَوْقِيرَه وَبِره ونهى عَن جهر
ج ٢ ص ٢٤١القَوْل لَه ورفع الصوت عِنْدَه فحق هَذَا إن درئ عَنْه القتل: الأدب والسجن وقوة تعزيره بحسب شنعة مقاله ومقتضى قبح مَا نطق بِه ومألوف عادته لمثله أَو ندوره وقرينة كلامه أو ندمه عَلَى ما سبق مِنْه وَلَم يزل المتقدمون ينكرون مِثْل هَذَا مِمَّن جاء بِه وَقَد أنكر الرشيد عَلَى أَبِي نواس قَوْله فإن يَك باقي سِحْر فِرْعَوْن فِيكُم * فَإِنّ عَصَا مُوسَى بِكَفّ خَصِيب وَقَال لَه يابن اللّخْنَاء أنْت المُسْتَهْزِئ بِعَصَا مُوسَى وأمَر بإخْرَاجِه عَن عَسْكَرِه من لَيْلَتِه وَذَكَر اليقتبى أَنّ مِمَّا أُخِذ عَلَيْه أيْضًا وَكُفّر
فِيه أَو قَارَب قَوْله فِي مُحَمَّد الْأَمِين وتَشْبِيهِه إيَاه بالنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم حَيْث قَال: تَنَازَع الأحْمَدَان الشّبْه فاشْتَبَهَا * خَلْقا وَخُلقًا كَمَا قَد الشّراكَان وَقَد أنْكَرُوا عَلَيْه أيْضًا قَوْله كيف لا يدينك من أَمَل * من رَسُول اللَّه من نَفَرِه
ج ٢ ص ٢٤٢لِأَنّ حَقّ الرَّسُول وموجب تعظيمه وإناقة مَنْزلَتِه أن يُضَاف إليْه وَلَا يُضَاف فَالْحُكْم فِي أمْثَال هَذَا مَا بَسَطْنَاه فِي طَرِيق الْفُتْيَا على هَذَا المَنْهج جَاءَت فُتْيَا إمام مَذْهِبنَا مَالِك بن أنس رَحِمَه اللَّه وأصحابه في النّوَادِر من رِوَايَة ابن أَبِي مَرْيَم فِي رَجُل غَيْر رَجُلًا بالْفَقْر فَقَال: تعيرني بالْفَقْر وَقَد رَعَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم الغَنَم فَقَال مَالِك قَد عَرّض بِذِكْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي غَيْر مَوْضِعه أرى أَنّ يُؤَدّب قَال: وَلَا يَنْبَغِي لأهل الذُّنُوب إذَا عُوتِبُوا أَنّ يَقُولُوا قَد أخْطَأت الْأَنْبِيَاء قبْلَنَا، وَقَال عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز لِرجل: (أنْظُر لَنَا كَاتِبًا يَكُون أبُوه عَرَبيًّا) فَقَال كَاتِب لَه: قَد كَان
- (قوله ولا سبا) بالسين المهملة والموحدة (قوله أَو عِنْد هضيمة) بفتح الهاء وكسر الضاد المعجمة وهى أن يهتضمك القوم شيئا أي يظلمونك أياه (قوله غضاضة) بغين معجمة وضادين معجمتين أي ذلة ومنقصة (قوله المتنبي) هو أبو الطلب أحمد بن الحسين الجعفي الكوفى ولد سنة ثلاث وثلاثمائة ونشأ بالبادية والشام ومات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة قال السمعاني في الأنساب إنما قيل له المتنبي لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة وتبعه كثير من كلب وغيرهم فخرج إليهم لؤلؤ أمير حمص بالأخشيدة فأسره وسجنه طويلا ثم أشهد عليه أنه تاب وكذب نفسه فيما ادعاه وأطلقه (*)
- (قوله كقول المعرى) هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان توفى سنة تسع وأربعين وأربعمائة بالمعرة
- (قوله الضنك) أي الضيق (قوله فادح) بالفاء وبالدال المكسورة أي شاف (قوله ابن هانئٍ الأندلسي) هو أبو القاسم محمد الشاعر شاعر العرب كالمتنبي في الشرق توفى سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وعمره ست وثلاثون سنة وقيل اثنان وأربعون سنة ببرقة متوجها من مصر إلى المغرب أضافه شخص فعربدوا عليه فقتلوه وقيل بل وجد مخنوقا وقيل بل نام فوجد ميتا (*)
- (قوله عَلَى أَبِي نواس) هو الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح توفى سنة خمس وقيل ست وقيل ثمان وتسعين ومائة ببغداد (قوله يا بن اللخناء) لخن السقاء بالسر أي أنتن وقال ابن الأثير في حديث ابن عمر يا بن اللخناء هي المرأة التى لم تختن وقيل اللخن النتن وقد لخن السقاء يلخن انتهى (قَوْله فِي مُحَمَّد الأمين) هو ابن الرشيد بن المهدى (قوله وقد أنكروا) أيضا عليه أي عَلَى أَبِي نواس (قوله من رسول الله) بفتح الميم (قوله من نفره) النفرة بالتحريك عدة رجال من ثلاث إلى عشرة (١٦ - ٢) (*)
-
أَبُو النَّبِيّ كَافِرًا.
فَقَال: (جَعَلْت هَذَا مَثلًا) فعَزَلَه وَقَال: (لَا تَكْتُب لِي أبدًا) وَقَد كَرِه سُحْنُون أن يصلى على النبي صلى الله عليه وَسَلَّم عِنْد التَّعَجُّب إلَّا عَلَى طَرِيق الثَّوَاب وَالاحْتِسَاب تَوْقِيرًا لَه وَتَعْظِيمًا كَمَا أمرنا اللَّه وسئل القابسي عَن رَجُل قَال لرجل قبيح كَأنَّه وجه نكير، ولرجل عبوس كَأنَّه وجه مالك الغضبان فقال أي شئ أراد بَهَذَا ونكير أَحَد فتاني القبر وهما ملكان فَمَا الَّذِي أراد أروع دخل عَلَيْه حِين رآه من وجهه أم عاف النظر إليْه لدمامة خلقه فَإِنّ كَان هَذَا فَهُو شديد لِأَنَّه جرى مجرى التحقير والتهوين فَهُو أشد عقوبة وليس فيه تصريح بالسب للملك
ج ٢ ص ٢٤٣وأنما السب واقع عَلَى المخاطب وَفِي الأدب بالسوط والسجن نَكال لِلسُّفَهَاء، قَال: (وَأَمَّا ذَاكِر مَالِك خازن النَّار فَقَد جفا الَّذِي ذَكَرَه عِنْد مَا أنكر حاله من عُبُوس الآخَر إلَّا أَنّ يَكُون المُعَبّس لَه يَد فَيُرْهَب بِعبْسَتِه فَيُشَبّهَه الْقَائِل عَلَى طريق الذّمّ لهذا في فعليه ولزومه فِي ظلمه صفة مَالِك الْمُلْك المطيع لربه فِي فعله فَيَقُول كَأنَّه لله يَغْضَب غضبه مَالِك فيَكُون أخفّ وما كان يَنْبَغِي لَه التعرض لمثل هذا ولو كَان أَثْنَى عَلَى العبوس بعبسته واحتج بِصِفَة مَالِك كَان أشَد وَيُعَاقَب الْمُعَاقَبَة الشَّدِيدَة وَلَيْس فِي هَذَا ذَم لِلْمَلَك ولو قَصَد ذَمّه لقُتِل وَقَال أَبُو الْحَسَن أيضا فِي شابّ معروف بالْخَيْر قَال لِرَجُل شَيْئًا فَقَال لَه الرجل اسْكُت فإنك أمَّيّ فَقَال الشابّ ألْيس كَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أُمّيًّا فَشُنّع عَلَيْه مَقَالُه وَكَفّرَه النَّاس وَأشْفَق الشَّابّ مِمَّا قَال وَأظْهَر النّدَم عَلَيْه فَقَال أَبُو الْحَسَن
أَمَّا إطْلَاق الْكُفْر عَلَيْه فَخَطَأ لكنه مُخْطِئ فِي استشهادته بَصِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وكَوْن النبي أُمّيّا آيَة لَه وَكَوْن هَذَا أُمّيّا نَقِيصَة فِيه وَجَهَالَة وَمِن جَهَالتِه احْتِجَاجُه بِصِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لكنه إذَا اسْتَغْفَر وتَاب واعْتَرَف وَلَجَأ إِلَى اللَّه فَيُتْرَك لِأَنّ قَوْله: (لَا يَنْتَهي إِلَى حد الْقَتْل وَمَا طَرِيقُه الأدب فَطَوع فاعله بالدم عَلَيْه يوجب الكف عَنْه ونزلت أيْضًا مسألة استفتى فِيهَا بَعْض قُضاة الأندلس شيخنا الْقَاضِي أَبَا مُحَمَّد بن مَنْصُور رَحِمَه اللَّه فِي رَجُل تنقصه آخر بشئ فَقَال لَه إنَّمَا تريد
- (قوله لدمامة خلقه) الدمامة بتفح الدال المهملة وتخفيف الميم القبح والحلق بفتح الهاء المهملة قال المزى الدمامة بالدال المهملة في الخلق بفتح الخاء المعجمة والذمامة بالذال المعجمة في الخلق بضم الخاء المعجمة (*)