فصل الوجه السادس أن يقول القائل ذلك حاكيا عن غيره

فقرة واحدة، ج ٢ ص ٢٤٤

  1. نقضي بقولك - وَأَنَا بِشْر وجميع البشر يلحقهم النقص حَتَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم - فأفتاه بإطالة سجنه وإيجاع أدبه إِذ لَم يقصد السب وَكَان بَعْض فُقَهَاء الأندلس أفتى بقتله

    فصل الْوَجْه السادس أَنّ يَقُول القائل ذَلِك حاكيا عن غَيْرِه وَآثِرًا لَه عَن سِوَاه فَهَذَا يُنْظَر فِي صُورَة حِكَايَتِه وَقِرينَة مَقَالَتِه وَيَخْتَلف الحُكْم باختلاف ذَلِك عَلَى أربعة وُجُوه: الْوُجُوب، وَالنّدْب، والكَرَاهَة، والتّحْرِيم فإن كَان أخْبَر بِه عَلَى وَجْه الشّهَادَة وَالتّعْرِيف بقائله والإنكار والإعلام بِقَوْلِه والتّنْفِير مِنْه والتّجْرِيح لَه فَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي امْتِثَالُه وَيُحْمد فاعِلُه وَكَذَلِك إن حَكاه فِي كِتَاب أو فِي مجلس عَلَى طريق الرَّد لَه والنَّقْض عَلَى قائله والفُتْيَا بِمَا يَلْزَمُه وَهَذَا منه مَا يَجِب وَمِنْه مَا يُسْتَحَب بحسَب حَالَات الحاكي لِذَلِك وَالمَحْكي عَنْه فإن كان القائل لِذَلِك مِمَّن تَصَدّى لأن يُؤْخذ عَنْه الْعِلْم أو رِواية الحديث أَو يُقْطَع بحُكْمِه أَو شَهَادَتِه أَو فُتْيَاه فِي الحُقُوق وَجَب عَلَى سَامِعِه الإشادَة بِمَا سُمع مِنْه وَالتّنْفِير للنَّاس عَنْه والشهادة عَلَيْه بِمَا قاله ووجب عَلَى من بلغه ذَلِك من أئِمَّة الْمُسْلِمِين إنكاره وبيان كفره وفساد قَوْله بقطع ضرره عَن الْمُسْلِمِين وقيامًا بحقّ سَيّد الْمُرْسَلِين وَكَذَلِك إن كَان مِمَّن يعظ العَامّة أَو يُؤدّب الصّبْيَان فَإِنّ من هَذِه سَرِيرَتُه لا يؤمن عَلَى إلقاء ذَلِك فِي قلوبهم فيتأكد فِي هَؤْلَاء الإيجاب لحق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ولحق شريعته

    ج ٢ ص ٢٤٥وَإِنّ لَم يَكُن القائِل بِهَذِه السّبيل فالْقِيَام بحَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَاجِب وَحِمَايَة عِرْضِه مُتَعَيّن وَنُصْرَتُه عَلَى الأذى حَيًّا وَميتًا مُسْتَحقّ عَلَى كُلّ مُؤْمِن لكنه إذا قَام بَهَذَا من ظَهَر بِه الْحَقّ وَفُصِلَت بِه القَضِيّة وبان بِه الأمْر سَقَط عَن الباقي الفَرْض وَبَقِي الاسْتِحْبَاب فِي تكْثِير الشَّهَادَة عَلَيْه وعَضْد التّحْذِير مِنْه وَقَد أجْمَع السّلَف عَلَى بَيَان حال المُتّهَم فِي الْحَدِيث فَكَيْف بِمِثْل هَذَا وَقَد سُئِل أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زَيْد عَن الشّاهِد يَسْمع مِثْل هَذَا فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى أيَسعُه أن لَا يؤدى شهادته قَال: إن رَجا نَفَاذ الحُكْم بِشهادته فليشهد وَكَذَلِك إن عَلِم أَنّ الْحَاكِم لَا يَرَى القتل بِمَا شهد بِه ويرى الاستتابه والأدب فليشهد ويلزمه ذَلِك وَأَمَّا الإباحة لحكاية قَوْله لغير هذين المقصدين فلَا أرى لَهَا مدخلًا فِي هَذَا الْبَاب فليس التفكه بعرض رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم والتمضمض بسوء ذكره لأحد لَا ذاكرًا وَلَا آثرا لغير غرض شرعي بمباح وَأَمَّا للأغراض المتقدمة فمتردد بَيْن الإيجاب والاستحباب وَقَد حكى اللَّه تَعَالَى مقالات المفترين عَلَيْه وَعَلَى رسله فِي كِتَابِه عَلَى وجه الإنكار لقولهم والتحذير من كفرهم والوعيد عليه والرد عليهم بِمَا تلاه اللَّه عَلَيْنَا فِي محكم كِتابِه وَكَذَلِك وَقَع من أمثاله فِي أحاديث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم الصحيحة عَلَى الوجوه المتقدمة وأجمع السلف والخلف من أئِمَّة الهدى عَلَى حكايات مقالات الكفرة والملحدين فِي كتبهم ومجالسهم ليبينوها للناس وينقضوا شبهها عَلَيْهِم وَإِنّ كَان وَرَد

    ج ٢ ص ٢٤٦لأحمد بن حَنْبَل إنكار لبعض هَذَا عَلَى الحَارِث بن أسد فقد صنع أَحْمَد مِثْلُه فِي رده عَلَى الجهمية والقائلين بالمخلوق وَهَذِه الوجوه الشائعة الحكاية عنها فَأَمَّا ذكرها عَلَى غَيْر هَذَا من حكاية سبه والإزراء بمنصبه عَلَى وجه الحكايات والأسمار والطرف وأحاديث النَّاس ومقالاتهم فِي الغث والسمير ومضاحك المجان ونوادر السخفاء والخوض فِي قِيل وقال ومالا يَعْنِي فكل هَذَا ممنوع وبعضه أشد فِي المنع والعقوبة من بَعْض فَمَا كَان من قائله الحاكي لَه عَلَى غَيْر قصد أو معرفة بمقدار مَا حكاه أَو لَم تكن عادته أَو لَم يَكُن الْكَلَام مِن البشاعة حيث هُو ولَم يظهر على حاكيه استحسانه واستصوابه زُجر عَن ذَلِك ونهي عَن العودة إليْه وَإِنّ قوم ببعض الأدب فَهُو مستوجب لَه وَإِنّ كَان لفظه من البشاعة حَيْث هُو كَان الأدب أشد، وَقَد حكي أَنّ رجلًا سَأل مالكًا عَمَّن يَقُول الْقُرْآن مخلوق فَقَال مَالِك كافر فاقْتلُوه فَقَال إنما حكيته عَن غَيْرِي فَقَال مَالِك إنَّمَا سمعناه مِنْك وَهَذَا من مَالِك رَحِمَه اللَّه عَلَى طريق الزجر والتغليظ بدليل أنَّه لَم ينفذ قتله وَإِنّ اتهم هَذَا الحاكي فِيمَا حَكاه أنه اختلقه ونسبه إِلَى غَيْرِه أو كَانَت تِلْك عادة له أَو ظهر استحسانه لِذَلِك أَو كَان مولعًا بِمِثْلِه والاستخفاف لَه أو التحفظ لمثله وطلبه ورواية أشْعَار هجوه صَلَّى اللَّه

    1. (قوله على الجهمية) هم أتباع جهم بن صفوان أبى محرز السمرقندى هلك في زمان صغار التابعين أعنى من رأى من الصحابة واحدا أو اثنين (قوله والطرف) بضم الطاء المهملة جمع طرفة (*)
    ج ٢ ص ٢٤٤