فصل وأما من أضاف إلى الله تعالى ما لا يليق به
فقرة واحدة، ج ٢ ص ٢٧٢
- ج ٢ ص ٢٧٢
وَوَجْه تَرْك اسْتِتَابِته أنه لما ظَهَر مِنْه ذَلِك بَعْد إظْهار الْإِسْلَام قَبْل اتهمناه وظننا أَنّ لسانه لَم ينطق بِه إلَّا وَهُو معتقد لَه إِذ لَا يَتَسَاهَل فِي هَذَا أَحَد فَحُكِم لَه بحكم الزَّنْدِيق وَلَم تُقْبَل توبته وَإذَا انْتَقَل من دِين إلى دِين آخَر وأظْهَر السّبّ بِمَعْنَي الارْتِدَاد فَهَذَا قَد أعْلَم أنَّه خَلَع رِبْقَه الْإِسْلَام من عُنُقِه بِخِلَاف الأوّل المستمسك بِه وحُكْم هَذَا حُكْم المُرْتَد يُسْتَتَاب عَلَى مَشْهُور مَذاهِب أَكْثَر الْعُلمَاء وَهُو مَذْهَب مَالِك وأصحابه عَلَى ما بَيَّنَاه قَبْل وَذَكَرْنا الخِلَاف فِي فُصُولِه
فصل وَأَمَّا من أضاف إِلَى اللَّه تَعَالَى مَا لَا يَلِيق بِه لَيْس عَلَى طريق السَّبّ وَلَا الرّدَّة وَقَصْد الكُفْر وَلَكِن عَلَى طَرِيق التَّأْوِيل والاجْتِهاد والخَطَإ المُفْضِي إِلَى الْهَوَى والبدعَة من تَشْبيه أَو نَعْت بِجارحَة أَو نَفْي صِفَة كَمَال فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَف السَّلَف وَالْخَلَف فِي تَكْفِير قائِلِه ومُعْتقِدِه واخْتَلف قَوْل مَالِك وأصحابِه فِي ذَلِك وَلَم يَخْتِلِفُوا فِي قِتالِهِم إذَا تَحَيَّزُوا فِئَة وَأَنَّهُم يُسْتَتابُون فإن تابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي المُنْفَرِد مِنْهُم فأكْثَر قَوْل مَالِك وأصحابِه تَرْك القَوْل بِتَكْفِيرِهِم وتَرْك قَتْلِهِم وَالْمُبَالغَة فِي عُقُوبَتِهِم وإطالَة سِجْنِهِم حَتَّى يَظْهَر إقْلاعُهُم وتَسْتَبين تَوْبَتُهُم كَمَا فعل
ج ٢ ص ٢٧٣عُمَر رَضِي اللَّه عَنْه بِصَبِيغ وَهَذَا قول مُحَمَّد بن المَوّاز فِي الخَوارِج وَعَبُد الملك بن الماجِشُون وقول سُحْنُون فِي جميع أَهْل الأهْوَاء، وبه فُسّر قوله مَالِك فِي المُوَطَّإ وما رواه عَن عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز وَجَدَّه وعمه من قولهم فِي القدرية يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا، وقال عيسى بن القاسم في أهل الأهواء من الإباضية والقدرية وشبههم ممن خالف الجماعة من أهل البدع والتحريف لتأويل كتاب اللَّه يستتابون أظهروا ذلك أو أسروه فإن تابوا وإلا قتلوا وميراثهم لورثتهم، وقال مثله أيضا ابن القاسم في كتاب محمد في أهل القدر وغيرهم قال واستتابتهم أن يقال لهم اتركوا ما أنتم عليه ومثله في المبسوط في الإباضِيَّة وَالقَدَرِيَّة وَسائِر أَهْل البِدَع قَال وهُم مُسْلِمُون وَإِنَّمَا لِرَأْيِهِم السُّوء وبهذا عمل عمر ابن عَبْد الْعَزِيز، قَال ابن الْقَاسِم: (من قَال إن اللَّه لَم يُكَلّم مُوسَى تَكْلِيمًا اسْتُتيب فإن تاب وَإِلَّا قُتل) وَابْن حَبِيب وَغَيْره من أصْحَابِنا يرى تكفيرهم
ج ٢ ص ٢٧٤وَتَكْفِير أمْثَالِهِم مِن الخَوَارِج وَالقَدَرِيَّة وَالمُرْجِئَة، وَقَد رُوِي أيْضًا عَن سُحْنُون مِثْلُه فِيمَن قَال لَيْس لله كَلَام أنَّه كافر واختلفت الروايات عَن مَالِك فَأطْلَق فِي رِوَايَة الشامِيَّين أَبِي مُسْهِر وَمَرْوَان بن مُحَمَّد الطاطِريّ: (الكُفْر عَلَيْهِم) وَقَد شُووِر فِي زَواج القَدَرِيّ فَقَال: لَا تُزَوّجْه) قَال اللَّه تَعَالَى: (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مشرك) وروى عند أيْضًا أَهْل الأهْواء كُلُّهُم كُفّار وَقَال من وَصَف شَيْئًا من ذات اللَّه تعالى وأشار إلى شئ من جَسَدِه يَد أَو سَمْع أَو بَصَر قُطِع ذَلِك مِنْه لِأَنَّه شَبّه اللَّه بنَفْسِه وَقَال فِيمَن قَال الْقُرْآن مَخْلُوق كافر فاقْتُلُوه وَقَال أيْضًا فِي رِوَايَة ابن نافع يُجْلَد ويوجع ضربا ويحبس حَتَّى يتوب وَفِي رِوَايَة بِشْر بن بَكْر التنيسي عَنْه يقتل وَلَا تقبل توبته قَال الْقَاضِي أَبُو عَبْد اللَّه البرنكاني والقاضي أَبُو عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ من أئِمَّة العراقيين جوابه مختلف يقتل المستبصر الداعية وَعَلَى
ج ٢ ص ٢٧٥هَذَا الخِلَاف اختلف قَوْله فِي إعادة الصَّلَاة خلفهم وَحَكَى ابن المنذر عَن الشَّافِعِيّ لَا يستتاب القدري وأكثر أقوال السَّلَف تكفيرهم وممن قَال بِه اللَّيْث وابن عيينة وبن لهيعة روى عَنْهُم ذَلِك فِيمَن قَال بخلق الْقُرْآن وقاله ابن المُبَارَك والأودي ووكيع وحفص بن غياث وَأَبُو إِسْحَاق الفزارى؟ ؟ ؟ ؟ وعلي بن عاصم فِي آخرين وهُو من قَوْل أَكْثَر الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فيهم وفى الخوارج والقدرية وَأَهْل الأهواء المضلة وأصحاب البدع المتأولين وَهُو قَوْل أَحْمَد بن حَنْبَل وَكَذَلِك قالوا فِي الوافقة والشاكة فِي هَذِه الأصول وممن رُوِي عَنْه مَعْنَي القَوْل الآخر بترك تكفيرهم عَلِيّ بن أَبِي طَالِب وَابْن عُمَر والحسن الْبَصْرِيّ وَهُو رأي جَمَاعَة مِن الفُقَهَاء النظار والمتكلمين واحتجوا بتوريث الصَّحَابَة والتابعين ورثة أَهْل حروراء وَمن عرف بالقدر مِمَّن مات مِنْهُم ودفنهم فِي مقابر الْمُسْلِمِين وجرى أحكام الْإِسْلَام عَلَيْهِم، قَال
إِسْمَاعِيل الْقَاضِي وإنما قَال مَالِك فِي القدرية وسائر أَهْل البدع يستتابون فَإِن تابوا وَإِلَّا قتلوا لِأَنَّه مِن الفساد فِي الْأَرْض كَمَا قَال فِي المحارب إن رَأَى الإمام قتله وَإِن لَم يقتل قتله وفساد المحارب إنَّمَا هُو فِي الأموال
- (قوله ربقة الإسلام) بكسر الراء وسكون الموحدة أي أحكام الإسلام وأصل الربقة عروة في حبل يجعل في عنق البهيمة أو يدها بمسكها (*)
- (قوله بصبيغ) بفح الصاد المهملة وكسر الموحدة وفى آخره غين معجمة هو ابن عسل بكسر العين وسكون السين المهملتين قال يحيى بن معين كان يتبع مشكل القرآن ويسأل عنه عمر فضربه عمر وأمر أن لا يجالس (قوله من الإباضية) بكسر الهمزة وتخفيف الموحدة والضاد المعجمة وتشديد المثناة أصحاب عبد الله بن إباض التميمي الخارجي ظهر في زمن مروان بن محمد آخر بنى أمية وقيل في آخر أمره، يزعمون أن مخالفيهم من أهل القبلة كفار غير مشركين يجوز قتالهم وغنيمة سلاحهم وكراعم عند الحرب دون غيره ودارهم دار الإسلام إلا معسكر سلطانهم وتقبل شهادة مخالفيهم عليهم كذا في المواقف (١٨ - ٢) (*)
- (قوله والقدرية) هم طائفة ينكرون أن الله قدر الأشياء في القدم وقد انقرضوا وصار القدرية لقبا للمعتزلة لإسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم وإنكارهم القدر فيها كذا في شرح مسلم للنووي (قوله والمرجئة) لقبوا بذلك لأنهم يرجئون العمل عن النية أي يؤخرون في الرتبة عنها وعن الاعتقاد من أرجاء آخره وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (أرجه وأخاه) أو لأنهم يقولون لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة فهم يعطلون الرجاء وعلى هذا ينبغى أن يهمز لفظ المرجئة كذا في المواقف (قوله الطاطرى) بطائين مهملتين ثانيهما مفتوحة نسبة إلى نوع من الثياب البيض كان يبيعها (قوله بشر التنيسى) بشر بالموحدة والشين المعجمة الساكنة والتنيسى بمثناة فوقية ونون مشددة مكسورة وسين مهملة نسبه إلى تنيس قرية بقرب تونة وكلاهما بقرب دمياط وقد أكلهما البحر وصارا بحيرة ماء (قوله بقتل المستبصر) بقتل بالباء الموحدة في أوله (*)
- بقتل بالباء الموحدة في أوله (قوله وحفص بن غياث) بالغين المعجمة المكسورة والمثناة التحتية الخفيفة (قوله حروراء) بفتح الحاء المهملة والمد قرية بقرب الكوفة على ميلين فيها اجتمع الخوارج وتعاقدوا فنسبوا إليها (*)