فصل في تحقيق القول في إكفار المتأولين
٣ فقرات، ج ٢ ص ٢٧٦
- ج ٢ ص ٢٧٦
ومصالح الدُّنْيَا وَإِن كَان قَد يدخل أيْضًا فِي أمر الدّين من سبيل الحج والجهاد، وفساد أَهْل البدع معظمه عَلَى الدّين وَقَد يدخل فِي أمر الدُّنْيَا بِمَا يلقون بَيْن الْمُسْلِمِين مِن العداوة
فصل فِي تحقيق القَوْل فِي إكفَار الْمُتَأوّلِين * قَد ذَكَرْنَا مذاهب السَّلَف فِي إكْفَار أَصْحَاب البدع وَالأهْوَاء المُتَأوّلين مِمَّن قَال قَوْلا يُؤَدّيه مَسَاقُه إِلَى كُفْر هُو إذَا وُقِف عَلَيْه لَا يَقُول بِمَا يُؤَدّيه قَوْله إليْه وَعَلَى اخْتِلَافِهِم اخْتلف الفُقَهَاء والمُتَكَلّمُون فِي ذَلِك فَمنهُم من صَوّب التّكْفِير الَّذِي قَال بِه الجُمْهُور مِن السَّلَف وَمِنْهُم من أباه وَلَم يَر إخْرَاجَهُم من سَوَاد الْمُؤْمِنين وَهُو قَوْل أَكْثَر الفُقَهَاء والمتكلمين وقالوا هُم فُسّاق عُصَاة ضُلّال ونُورّثُهُم مِن الْمُسْلِمِين ونحْكُم لَهُم بِإحْكامهم ولهذا قَال سُحْنُون لَا إعادَة عَلَى من صَلَّى خَلْفَهُم قَال وَهُو قَوْل جميع أَصْحَاب مَالِك المُغِيرَة وَابْن كِنَانَة وَأشْهَب قَال لِأَنَّه مُسْلِم وَذَنْبُه لَم يُخْرِجْه مِن الْإِسْلَام واضْطَرب آخرُون فِي ذَلِك وَوَقَفُوا عَن القَوْل بالتَّكْفِير أَو ضِدَّه وَاختلاف قولي مَالِك فِي ذَلِك وتَوَقُّفُه عَن إعَادَة الصَّلَاة خَلْفَهُم مِنْه وَإِلَى نَحْو من هَذَا ذهب الْقَاضِي أَبُو بَكْر إمام أَهْل التّحْقِيق وَالْحَقّ وَقَال إنَّهَا من الْمُعْوصات إذا الْقَوْم لَم يُصَرّحُوا باسم
ج ٢ ص ٢٧٧الكُفْر وَإِنَّمَا قَالُوا قَوْلًا يُؤَدّي إليْه واضطرب قَوْلِه فِي المسألة عَلَى نَحْو اضْطِرَاب قَوْل إمامه مَالِك بن أَنَس حَتَّى قاله فِي بَعْض كَلَامه إنَّهُم عَلَى رَأْي من كَفّرَهُم بالتَّأْويل لَا تَحِلّ مُنَاكَحَتُهُم وَلَا أكْل ذَبَائِحِهم وَلَا الصَّلَاة عَلَى مَيّتِهِم وَيُخْتَلف فِي مُوَارَثَتِهِم عَلَى الخِلَاف فِي ميراث المُرْتَد وقال أيضا نورث ميتهم ورثتهم مِن الْمُسْلِمِين وَلَا نورثهم من المسلمين وأكثر ميله إلى ترك التّكْفِير بالمَآل وَكَذَلِك اضْطَرَب فِيه قَوْل شَيْخِه أَبِي الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ وَأكْثَر قَوْلِه تَرْك التكْفِير وَأَنّ الكُفْر خَصْلَة وَاحِدَة وَهُو الْجَهْل بِوُجُود الْبَارِي تَعَالَى وَقَال مَرَّة مِن اعْتَقَد أَنّ اللَّه جِسْم أو المسِيح أَو بَعْض من يَلْقَاه فِي الطُّرُق فليس بِعَارِف بِه وَهُو كَافِر وَلِمِثْل هَذَا ذَهَب أَبُو المعالي رَحِمَه اللَّه فِي أجْوبَتِه لأبي مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ وَكَان سَألَه عَن المَسْألة فاعْتَذَر لَه بأن الغَلَط فِيهَا يَصْعُب لِأَنّ إدْخَال كافِر فِي المِلّة وَإخْرَاج مُسْلِم عَنْهَا عَظِيم فِي الدّين وقال غَيْرُهُمَا مِن المُحَقّقِين: الَّذِي يَجِب الاحْتِرَاز مِن التّكْفِير فِي أَهْل التَّأْوِيل فَإِنّ اسْتِبَاحَة دِمَاء المُصَلّين المُوَحّدِين خَطَر والخَطَأ فِي تَرْك ألْف كافِر أهْون مِن الخَطَإ فِي سَفْك مَحْجَمَة من دم مُسْلِم وَاحِد وَقَد قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فَإِذَا قَالُوهَا يَعْنِي الشَّهَادَة عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأموالهم إلا بححقها وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ
ج ٢ ص ٢٧٨فالِعصْمَة مَقْطُوع بِهَا مَع الشَّهَادَة وَلَا تَرْتَفِع وَيُسْتَبَاح خِلافُهَا إلا بقاطع ولا قاطع من شَرْع وَلَا قِيَاس عَلَيْه وألفاظ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْبَاب مُعَرَّضة لَلتأويل فَمَا جَاء مِنْهَا فِي التّصْرِيح بِكُفْر القَدَرِيَّة وَقَوْله لَا سَهْم لَهُم فِي الْإِسْلَام وَتَسْمِيَتُه الرَّافِضَة بالشَّرْك وإطْلاق اللَّعْنَة عَلَيْهِم وَكَذَلِك فِي الْخَوَارِج وَغَيْرِهِم من أَهْل الأهْوَاء فَقَد يحتْج بِهَا من يَقُول بالتَّكْفِير وَقَد يُجِيب الآخر بأنَّه قَد وَرَد مِثْل هَذِه الألفاظ فِي الْحَدِيث فِي غَيْر الكَفَرة عَلَى طريق التَّغْلِيظ وكُفْر دُون كُفْر وإشْرِاك دُون إشْرَاك وَقَد وَرَد مِثْلُه فِي الرّياء وعُقُوق الوالدين والزَّوْج والزُّور وَغَيْر معصية وَإذَا كَان محتملًا للأمْرَيْن فَلَا يُقْطَع عَلَى أحَدهمَا إلَّا بِدَلِيل قاطِع، وَقَوْلُه فِي الخَوَارِج هُم من شَرّ البَرِيَّة وَهَذِه صِفَة الكُفَّار، وَقَال شَرّ قَبِيل تَحْت أدِيم السَّمَاء طُوبي لِمَن قَتَلهُم أَو قَتَلُوه، وَقَال: (فَإِذَا وَجَدْتموهُم فاقتلوهم قَتْل عَاد) وظاهِر هَذَا الكُفْر لا سيما مَع تَشْبِيهِهِم بِعَاد فَيَحْتَجّ بِه من يَرَى تكفيرهم فيقول لَه الآخر إنَّمَا ذَلِك من قتلهم لخروجهم عَلَى الْمُسْلِمِين وبغيهم عليهم بدليله مِن الْحَدِيث نفسه يقتلون أَهْل الْإِسْلَام فقتلهم ههنا حد لَا كفر وَذَكْر عاد تشبيه للقتل وحله لَا للمقتول وَلَيْس كُلّ من حكم بقتله يحكم بكفره ويعارضه بقول خَالِد فِي الْحَدِيث دعني أضرب عنقه يَا رَسُول اللَّه فَقَال لعله يصلي فَإِن احتجوا بِقَوْلِه صلى الله عليه وسلم يقرؤن الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ فأخبر
- (قوله المعوصات) بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر الواو من التعويض في المسائل وغيرها وهو استخراج ما يصعب معناه (*)
- (قوله فِي أجْوبَتِه لأبي مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ) هو عن صاحب الأحكام لأن الإمام كانت وفاته قبل مولد عبد الحق صاحب الأحكام (قوله محجمة) بكسر الميم الأولى هي قارورة الحجام (*)
- ج ٢ ص ٢٧٩
أَنّ الْإِيمَان لَم يدخل قلوبهم وَكَذَلِك قَوْله (يَمْرُقُونَ مِنَ الدين مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمْيَةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ عَلَى فَوْقِهِ) وبقوله (سبق الفرث والدم) يدل عَلَى أنَّه لَم يتعلق مِن الْإِسْلَام بشئ أجابه الآخرون أَنّ مَعْنَي لَا يجاوز حناجرهم لَا يفهمون معانيه بقلوبهم وَلَا تنشرح لَه صدورهم وَلَا تعمل بِه جوارحهم وعارضوهم بِقَوْلِه ويتمارى فِي الفوق وَهَذَا يقتضي التشكك فِي حاله وَإِن احتجوا بقول أَبِي سَعِيد الْخُدْرِي فِي هَذَا الْحَدِيث.
-
سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم يَقُول: يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ) وَلَم يقل (مِنْ هَذِهِ) وتحرير أَبِي سَعِيد الرّوَايَة وإتقانه اللَّفْظ أجابهم الآخرون بأن العبارة بفي لَا تقتضي تصريحًا بكونهم من غَيْر الْأُمَّة بخلاف لفظه مِن - الَّتِي هِي للتبعيض وكونهم مِن الْأُمَّة مَع أنَّه قَد رُوِي عَن أَبِي ذَرّ وعلي وأبي أمامة وَغَيْرِهِم في هَذَا الْحَدِيث يخرج من أُمَّتِي، وسيكون من أُمَّتِي، وحروف المعاني مشتركة فَلَا تعويل عَلَى إخراجهم مِن الْأُمَّة؟ ؟ ؟ وَلَا عَلَى إدخالهم فيما بمن لَكِن أَبَا سَعِيد رَضِي اللَّه عَنْه أجاد مَا شَاء فِي التّنْبِيه الَّذِي نَبّه عَلَيْه وَهَذَا مِمَّا يَدُلّ عَلَى سِعَة فقه الصَّحَابَة وتحقيقهم للمعاني واستنباطها مِن الألْفاظ وتحْرِيرِهِم لَهَا وتَوَقّيهِم فِي الرّوَايَة هَذِه المذاهب المَعْرُوفَة لأهل السنة ولغيرهم
ج ٢ ص ٢٨٠مِن الفِرَق فِيهَا منالات كَثِيرَة مُضْطَرِبَة سَخِيفَة أقْرَبُهَا قَوْل جَهْم وَمُحَمَّد
ابن شبيب أَنّ الكُفْر بالله الْجَهْل بِه لَا يَكْفُر احد بغير ذَلِك وَقَال أَبُو الهُذَيْل إنّ كُلّ متأول كان تأوليه تَشْبيهًا لله بَخَلْقِه وتجْويرًا لَه فِي فِعْلِه وتَكْذِيبًا لِخَبَرِه فَهُو كافِر وكُلّ من أثْبَت شَيْئًا قديمًا لَا يُقَال لَه اللَّه فَهُو كافر وَقَال بَعْض المتكلمين إن كَان مِمَّن عَرّف الأصْل وبنى عَلَيْه وَكَان فِيمَا هُو من أوْصاف اللَّه فَهُو كافر وإن لَم يَكُن من هَذَا الْبَاب ففاسق إلَّا أن يَكُون مِمَّن لَم يعرف الأصل فَهُو مخطئ غَيْر كافر وذهب عُبَيْد اللَّه بن الْحَسَن العنبري إِلَى تصويب أقوال المجتهدين فِي أصُول الدّين فِيمَا كَان عُرْضَة لِلتَّأْوِيل وفارَق فِي دلك فِرَق الْأُمَّة إِذ أجْمَعُوا سِواه عَلَى أَنّ الْحَقّ فِي أُصُول الدّين فِي واحد والمُخْطِئ فِيه آثم عاص فاسِق وَإِنَّمَا الخِلَاف فِي تكفيره وَقَد حكى الْقَاضِي أَبُو بَكْر الْبَاقِلَّانِي مِثْل قَوْل عُبَيْد اللَّه عَن دَاوُد الأَصْبَهَانِيّ وَقَال وحكى قوم عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا ذَلِك فِي كُلّ من علم الله سبحانه من حالِه اسْتِفْراغ الْوُسْع فِي طَلَب الْحَقّ من أَهْل مِلّتِنَا أَو من غير هم وَقَال نَحْو هَذَا القَوْل الجاحظ وثمامة فِي أَنّ كثيرًا مِن العامة والنساء والبُلْه ومُقَلّدَة النصارى واليهود
ج ٢ ص ٢٨١وَغَيْرِهِم لَا حُجَّة لله عَلَيْهِم إِذ لَم تَكُن لَهُم طِباع يُمْكن معها الاسْتِدْلال وَقَد نحا الغزالي قريبًا من هَذَا المَنْحى فِي كِتَاب التَّفْرِقَة وقائِل هَذَا كُلُّه كافر بالإجْماع على كفر من لم يكذر أحدًا مِن النَّصَارَى واليَهُود
وَكُلّ من فَارَق دِين الْمُسْلِمِين أَو وَقَف فِي تكفير هم أوشك قَال الْقَاضِي أَبُو بَكْر لِأَنّ التّوقِيف والإجْماع اتّفَقَا عَلَى كُفْرِهِم فَمَن وقف فِي ذَلِك فَقَد كذّب النَّصّ والتّوْقِيف أَو شَكّ فِيه والتكذيب أو الشك فِيه لَا يقع إلا من كافر
- (قوله من الرمية) أي المرمية من الصيد (قوله على فوقه) الفوق بضم الفاء موضع الوتر من السهم (قوله سبق الفرث والدم) أي مر سريعا فلم يعلق بشئ من دمها وفرثها (*)
- (قوله عَن دَاوُد الأَصْبَهَانِيّ) هو إمام أهل الظاهر (قوله الجاحظ) هو عمرو بن بحر، إليه تنسب الجاحظية من المعتزلة، توفى سنة خمس وخمسين ومائتين بالبصرة (قوله وثمامة) هو ابن اشر بن أبى معين التميرى قال الذهبي كان من كبار المعتزلة ورؤس الضلالة وكان له أيضا اتصال بالرشيد ثم المأمون وكان ذا نوادر وملح (*)
- (قوله الغزالي) بفتح العين المعجمة وتشديد الزاى قال النووي في التبيان في أداه حملة القرآن بتخفيف الزاى نسبة إلى غزالة قرية من قرى طوس وقال ابن الأثير إن التخفيف خلاف المشهور قال وأظن أن هذه النسبة في التشديد إلى الغزال على عادة أهل جرجان وخوارزم كالقصارى إلى القصار، قال وحكى لى بعض من يُنْسَبُ إليْهِ مِنَ أهل طوس أنه منسوب إلى غزالة بنت كعب الأحبار انتهى وفى الطبقات للسبكي وكان والده يغزل الصوف ويبيعه بدكان بطوس ولما حضرته الوفاة أوصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له متصوف من أهل الخير وقال له إن لى تأسفا على تعلم الخط وأشتهي استدراك ما فاتني في ولدى فعلهما الخط ولا عليك ان تنفد في ذلك جميع ما خلفته لهما فلما مات أبوهما أقبل الصوفى على تعليمهما إلى أن فنى الذى خلفه لهما أبوهما وتعذر على الصوفى القيام يفوتهما قال لهما أرى أن تلجأ إلى مدرسة كأنكما من طلبة العلم فيحصل لكما قوت يعينكما على وقتكما ففعلا ذلك فكان السبب في سعادتهما وكان الغزالي يقول طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، ولد رحمه الله سنة خمسين وأربعمائة بطوس وتوفى سنة خمس وخمسمائة (*)