فصل هذا حكم من صرح بسبه

فقرتان، ج ٢ ص ٢٩٦

  1. أَهْل الأديان اللَّه تَعَالَى بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي ذُكِر فِي كِتابِه قُتِل إلَّا أَن يُسْلِم وَقَال المَخْزُومِي فِي المَبْسُوطَة وَمُحَمَّد بن مَسْلَمَة وَابْن أَبِي حازِم لَا يُقْتَل حَتَّى يُسْتَتَاب، مُسْلِمًا كَان أَو كافِرًا فإن تاب وَإِلَّا قُتِل وَقَال مُطَرّف وَعَبُد الْمَلِك مِثْل قَوْل مَالِك وَقَال أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد من سَبّ اللَّه تَعَالَى بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي بِه كَفَر قُتِل إلَّا أَن يُسْلِم وَقَد ذَكَرْنَا قَوْل ابن الْجَلَاب قَبْل وَذَكَرْنا قَوْل عُبَيْد اللَّه وَابْن لُبَابَة وشُيُوخ الأنْدَلُسِيّين فِي النَصْرَانِيّة وفُتْياهُم بقَتْلِها لِسَبّها بالْوَجْه الَّذِي كَفَرت بِه اللَّه وَالنَّبِيّ وإجْماعَهُم عَلَى ذَلِك وَهُو نَحْو القَوْل الآخَر فِيمَن سَبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم مِنْهُم بالْوَجْه الَّذِي كَفَر بِه وَلَا فَرْق فِي ذَلِك بَيْن سَبّ اللَّه وسب نَبِيّه لأنَّا عاهَدْناهُم عَلَى أن لا يُظْهِرُوا لَنَا شَيْئًا من كُفْرِهِم وأن لَا يُسْمِعُونا شَيْئًا من ذَلِك فَمَتى فَعَلُوا شَيْئًا مِنْه فَهُو نَقْض لِعَهْدِهِم واختلف الْعُلمَاء فِي الذّمّيّ إذَا تَزَنْدَق فَقَال مَالِك ومُطَرَّف وَابْن عَبْد الحكم وأصْبَغ لَا يُقْتَل لِأَنَّه خَرَج من كُفْر إلى كُفْر وَقَال عَبْد الْمَلِك بن المَاجِشُون يُقْتَل لِأَنَّه دِين لَا يُقَرّ عَلَيْه أَحَد ولا يوخذ عليه جِزْيَة قَال ابن حَبِيب وَمَا أَعْلَم من قاله غَيْرِه

    فصل هَذَا حُكْم من صَرَّح بِسَبّه وإضافة مَا لَا يَلِيق بِجَلالِه وإلهِيّتِه * فَأَمَّا مُفْتَرِي الكَذِب عَلَيْه تَبارَك وَتَعَالَى بادّعاء الإلهيّة أَو الرَّسالة أَو النَّافي

    ج ٢ ص ٢٩٧أن يَكُون اللَّه خالقَه أَو رَبَّه أَو قَال لَيْس لِي رَبّ أَو الْمُتَكَلّم بِمَا لَا يُعْقَل من ذَلِك فِي سُكْرِه أَو غَمْرَة جُنُونِه فَلَا خِلَاف فِي كُفْر قائِل ذَلِك ومُدَّعِيه مَع سَلامَة عَقْلِه كَمَا قَدّمْناه لكنه تُقْبَل تَوْبَتُه عَلَى الْمَشْهُور وَتَنْفَعُه إنابَتُه وتُنْجِيه مِن القَتْل فَيْأته لكنه لَا يَسْلَم من عَظِيم النَّكَال وَلَا يُرَفَّه عَن شدِيد الْعِقَاب لِيَكُون ذَلِك زجْرًا لمثله عَن قَوْلِه وله عَن العَوْدَة لِكُفْرِه أَو جَهْلِه إلَّا من تَكَرَّر مِنْه ذَلِك وعُرف اسْتِهانَتُه بِمَا أتى بِه فَهُو دَلِيل عَلَى سُوء طَوِيَّتِه وكَذِب تَوْبَتِه وصار كالزّنْدِيق الَّذِي لَا نَأمَن باطِنَه وَلَا نَقْبَل رُجُوعَه وحُكْم السَّكْران فِي ذَلِك حُكْم الصاحِي وَأَمَّا الْمَجْنُون والْمَعْتُوه فَمَا علم أنه قال من ذَلِك فِي حال غَمْرَتِه وذَهاب مَيْزِه فَلَا نَظَر فِيه وَمَا فَعَلَه من ذَلِك فِي حال ميزه وَإِن لَم يَكُن مَعَه عقله وسقط تكليفه أدب عَلَى ذَلِك لينزجر عَنْه كَمَا يؤدب عَلَى قبائح الأفعال ويوالى أدبه عَلَى ذَلِك حَتَّى ينكف عنها كَمَا تؤدب البهيمة عَلَى سوء الْخلق حَتَّى تراض وَقَد أحرق عَلِيّ بن أَبِي طَالِب رَضِي اللَّه عَنْه من ادَّعى لَه الإلِهِيَّة وَقَد قَتَل عَبْد المَلِك بن مَرْوَان الحَارِث المتنب وصَلَبَه وفَعَل ذَلِك غَيْر وَاحِد مِن الخُلَفَاء والمُلُوك بأشْبَاهِهِم وأجْمَع علماء وَقْتِهِم عَلَى صَوَاب فِعْلِهِم والمُخَالِف فِي ذَلِك من كُفْرِهِم كافِر وأجْمَع فُقَهَاء بَغْدَاد أيَّام المُقْتَدِر مِن

    ج ٢ ص ٢٩٨المَالِكِيَّة وقاضِي قُضاتِهَا أبو عم الْمَالِكِيّ عَلَى قَتْل الْحَلَّاج وصَلْبِه

    لِدَعْوَاه الإلهِيَّة والقول بالحُلُول وَقَوْلُه: - أَنَا الْحَقّ - مَع تمسُّكه فِي الظّاهِر بالشّرِيعَة وَلَم يَقْبَلُوا تَوْبَتَه وَكَذَلِك حَكَمُوا فِي ابن أَبِي العَزَافِير وَكَان عَلَى نَحْو مَذْهَب الحَلَّاج بَعْد هَذَا أيام الرّاضِي بالله وقاضي قُضاة بغداد يَوْمَئِذ أَبُو الْحُسَيْن بن أَبِي عُمَر المالكي، وَقَال ابن عَبْد الحَكَم فِي المبسوط من تَنَبَّأ قُتِل، وَقَال أَبُو حَنِيفَة وأصْحَابُه: من جَحَد أَنّ اللَّه تَعَالَى خالِقُه أَو رَبُّه أَو قَال لَيْس لِي رَبّ فَهُو مُرْتَد، وَقَال ابن الْقَاسِم فِي كِتَاب ابن حبيب وَمُحَمَّد فِي العُتْبيَّة فِيمَن تنبأ يستتاب أسَرّ ذَلِك أَو أعلنه وهو كالمرتد وقاله سحنون وغيره وقاله أشْهَب فِي يَهُودِيّ تَنَبَّأ وادّعى أنَّه رسول إِلَيْنَا إن كَان؟ ؟ ؟ ؟ ؟ بِذَلِك اسْتُتِيب فإن تاب وَإِلَّا قُتِل.

    1. (قوله فيأته) بفتح الفاء وكسرها أي رجوعه (قوله طويته) بفتح الطاء المهملة أي: ضمرته (*)
    ج ٢ ص ٢٩٦
  2. وَقَال أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد فَمَن لَعَن بارئَه وادّعى أَنّ لِسَانِه زَلّ وَإِنَّمَا أراد لَعْن الشَّيْطَان يُقْتَل بِكُفْرِه وَلَا يُقْبَل عُذْرُه وَهَذَا عَلَى القَوْل الآخَر من أنَّه لَا تُقْبَل تَوْبَتُه وَقَال أَبُو الْحَسَن القابِسيّ فِي سَكْرَان قَال: أَنَا اللَّه أَنَا اللَّه إن تاب أدَّب فإن عاد إِلَى

    1. (قوله الحلاج) هو الحسين بن منصور من أهل البيضاء بلدة بفارس نشأ بواسط والعراق وصحب الجنيد وغيره، ضرب ألف سوط وقطعت أطرافه وحز رأسه وأحرقت جثته في ذى القعدة سنة تسع وثلاثمائة بأمر المقتدر (قوله وَكَذَلِك حَكَمُوا فِي ابن أَبِي العَزَافِير) بفتح المهملة وتخفيف الزاى وبعد الألف فاء مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فراء: هكذا في النسخ، وفى تاريخ الذهبي محمد بن علي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بن أبى العزافر بغير ياء الزنديق أحدث مذهبا في الرفض ببغداد ثم قال بالتناسخ ومخرق على الناس وظهر منه ادعاء الربوبية (*)