فصل وأما من تكلم من سقط القول وسخف اللفظ
فقرتان، ج ٢ ص ٢٩٩
- ج ٢ ص ٢٩٩
مِثْل قَوْلِه طُوِلب مُطَالَبَة الزّنْدِيق لِأَنّ هَذَا كُفْر المُتَلَاعبِين
فصل وَأَمَّا من تَكَلَّم من سَقَط القَوْل وَسُخْف اللَّفْظ مِمَّن لَم يَضْبِط كَلَامَه وأهْمَل لِسَانَه بِمَا يَقْتَضِي الاسْتخْفَاف بِعَظَمَة رَبِّه وَجَلالَة مَوْلاه أَو تَمثَّل فِي بَعْض الأشياء بِبَعْض مَا عَظَّم اللَّه من مَلَكُوتِه أَو نَزَع مِن الْكَلَام لِمَخْلُوق بِمَا لَا يَلِيق إلَّا فِي حَقّ خالِقِه غَيْر قاصِد لِلْكُفْر والاسْتِخْفَاف وَلَا عامِد لِلْإلْحَاد فَإِن تَكَرّر هَذَا مِنْه وَعُرِف بِه دَلّ عَلَى تلاعبه بدينه واستخفافه بحُرْمَة رَبّه وَجَهْلِه بِعَظِيم عِزَّتِه وكِبْرِيائِه وَهَذَا كُفْر لَا مِرْيَة فِيه وَكَذَلِك إن كَان مَا أوْرَدَه يُوجِب الاسْتِخْفَاف والتَّنْقُّص لِرَبّه وَقَد أفْتى ابن حبيب وأصْبَغ بن خَلِيل من فُقَهَاء قُرْطُبَة بِقَتْل المَعْرُوف بابن أخي عَجَب وَكَان خَرَج يَوْمًا فأخذه المطر فَقَال: بدأ الخراز يرش جلوده، وَكَان بَعْض الفُقَهَاء بِهَا أَبُو زيد صَاحِب الثمانية وَعَبد الأَعْلَى بن وَهْب وأبان بن عِيسَى قَد توقفوا عَن سفك دمه وأشاروا إلى أنَّه عبث مِن القَوْل يكفي فِيه الأدب وأفتى بِمِثْلِه الْقَاضِي حِينَئِذ مُوسَى بن زياد فَقَال ابن حبيب: دمه فِي عنقي، أيُشْتَم رَبّ عبدناه ثُمّ لَا ننتصر لَه؟ إنا إذَا لعبيد سُوء مَا نَحْن لَه بعابدين، وبَكَى ورُفع الْمَجْلِس إلى الأمير بِهَا عَبْد الرَّحْمن
ج ٢ ص ٣٠٠ابن الحَكَم الأمَوِيّ وكانت عَجَب عَمَّه هَذَا الْمَطْلُوب من حَظَاياه وَأَعْلَم باختلاف الفُقَهَاء فخرج الإذْن من عِنْدَه بالأخْذ لقول ابن حبيب وصاحبه وأمر بقتله فقتل وَصُلِب بحَضْرَة الْفَقِيهَين وَعَزَل الْقَاضِي لِتُهْمَتِه بالمُدَاهَنَة فِي هَذِه الْقِصَّة وَوَبَّخ بَقِيَّة الفُقَهَاء وَسَبَّهُم.
- (قوله الخراز) بالخاء المعجمة والراء المشددة وفى آخره زاى (قوله صاحب الثمانية) بضم المثلثة في أوله وكسر النون وتشديد المثناة تحتية (*)
-
وَأَمَّا من صَدَرَت عَنْه من ذَلِك الهَنَة الوَاحِدَة وَالْفَلْتَة الشَّارِدة ما لم يكن تقصا وَإزْرَاء فَيُعَاقَب
عَلَيْهَا وَيُؤَدَّب بِقَدْر مُقْتَضَاهَا وَشُنْعَة مَعْنَاهَا وَصُورَة حال قائِلِهَا وَشَرْح سَببهَا وَمُقَارِنهَا، وَقَد سُئِل ابن الْقَاسِم رَحِمَه اللَّه عَن رَجُل نادَى رَجُلًا باسْمِه فَأجَابَه لَبَّيْك اللَّهُمّ لَبَّيْك قَال إن كَان جاهِلًا أو فاله عَلَى وجْه سَفَه فلا شئ عَلَيْه قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَشَرْح قَوْله أنَّه لَا قَتْل عَلَيْه والجَاهِل يُزْجَر ويُعَلَّم وَالسَّفِيه يُؤَدّب وَلَو قالها عَلَى اعْتِقَاد إنْزَالِه مَنْزِلَة رَبّه لكَفَر، هَذَا مُقَتَضَى قَوْلِه وَقَد أسْرَف كثير من سُخَفَاء الشُّعَرَاء ومُتَّهَمِيهِم فِي هَذَا الْبَاب واسْتَخَفُّوا عَظِيم هذه الْحُرْمَة فأتَوْا من ذَلِك بِمَا نُنَزَّه كِتَابَنَا وَلِسَانَنَا وَأقْلَامَنَا عَن ذِكْرِه ولوْلَا أَنَّا قَصَدْنَا نَصّ مَسَائِل حَكَيْناهَا لَما ذَكَرْنَا شَيْئًا مِمَّا يَثْقُل ذِكْرُه عَلَيْنَا مِمَّا حَكَيْنَاه فِي هَذِه الْفُصُول، وَأَمَّا مَا وَرَد فِي هَذَا من أَهْل الجَهَالَة وأغَالِيط اللّسَان كَقَوْل بَعْض الأعْرَاب
ج ٢ ص ٣٠١رب العباد مالنا ومالكا * قَد كُنْت تَسْقِينا فما بَدَا لَكَا أنْزِل عَلَيْنَا الْغَيْث لَا أَبَا لَكا فِي أشْبَاه لهذا من كَلَام الجُهَّال وَمن لَم يُقَوّمْه ثِقَاف تأدِيب الشريعة والعلم فِي هَذَا الباب فلما يصدر إلَّا من جاهل يَجِب تَعْلِيمُه وَزَجْرُه وَالإغْلَاظ لَه عَن الْعوْدَة إِلَى مِثْلِه قَال أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيّ وَهَذَا تَهَوُّر مِن القَوْل والله مُنَزَّه عَن هَذِه الْأُمُور وَقَد رَوَيْنَا عَن عَوْن بن عَبْد اللَّه
أنَّه قَال لِيُعَظّم أحَدُكُم رَبَّه أَن يُذْكَر اسْمُه فِي كل شئ حَتَّى لَا يَقُول أخْزَى اللَّه الْكَلْب وَفَعَل بِه كَذَا وكَذَا وَكَان بَعْض من أدْرَكْنا من مشايخنا فلما يَذْكُر اسم اللَّه تَعَالَى إلَّا فِيمَا يَتَّصِل بِطَاعَتِه وَكَان يَقُول للإنسان جُزيت خَيْرًا وَقَلَّمَا يَقُول جَزاك اللَّه خَيْرًا إعْظَامًا لاسْمِه تَعَالَى أَنّ يُمْتَهَن فِي غَيْر قُرْبَة، وحَدَّثَنَا الثقَة أَنّ الْإِمَام أَبَا بَكْر الشَّاشِيّ كَان يَعيب عَلَى أَهْل الْكَلَام كَثْرَة خَوْضِهِم فِيه تَعَالَى وَفِي ذكر صِفَاتِه إجْلالًا لاسْمه تَعَالَى يقول هَؤْلَاء يَتَمَنْدَلُون بالله عَزّ وَجَلّ وَيُنَزَّل الْكَلَام فِي هَذَا البَاب تَنْزيلَه فِي باب سابّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلَى الْوُجُوه الَّتِي فَصَّلْنَاهَا والله الموفق
- (قوله من سخفاء) جمع سخيف أي رقيقا العقل (قوله كَقَوْل بَعْض الأعْرَاب) قال ابن الأثير وسمع سليمان رجلا من الأعراب في سنة مجدبة يقول رب العباد إلى آخره فحمله سليمان أحسن محمل وَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ لا أبا له ولا صاحبة ولا ولد انتهى قال ابن الأثير وأكثر ما يستعمل لا أبا لك في المدح أي لا كافى لك غير نفسك وقد يذكر في معرض الذم وقد يذكر في معرض التعجب ودفع العين وقد يذكر في معنى جد في أمرك وشمر له (*)
- (قوله ثقاف) بكسر المثلثة وتخفيف الفاء وهو في الأصل اسم لما يسوى به الرماح (قوله تَهَوُّر مِن القَوْل) التهور بفتح المثناة الفوقية والهاء وضم الواو تشديدها الوقوع في الشئ بقلة مبالاة (قوله يتمندلون) في الصحاح المنديل معروف تقول منه تمندلت بالمنديل (*)