ثم دخلت سنة ثمان من الهجرة
٢٥٣ فقرة، ج ٢ ص ٧٦
الصفحة ٣ من ٧
- ج ٢ ص ١٠٣
[وفاة زينب بنت النبي ﷺ ]
-
وكانت أكبر بناته. توفيت في هذه السنة وغسلتها أم عطية الأنصارية وغيرها. وأعطاهن النبي ﷺ حقوه (١) ، فقال: "أشعرنها إياه" (٢) .
-
وبنتها أمامة بنت أبي العاص، هى التي كان النبي ﷺ يحملها في الصلاة
ج ٢ ص ١٠٤[فتح مكة شرفها الله وعظمها]
قال البكائي، عن ابن إسحاق: ثم إن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خزاعة، وهم على ماء بأسفل مكة يقال له: الوتير. وكان الذي هاج ما بين بكر وخزاعة أن رجلًا من بني الحضرمي خرج تاجرًا، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله. فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على سلمى وكلثوم وذؤيب بني الأسود بن رزن الديلي، وهو مفخر بني كنانة وأشرافهم، فقتلوهم بعرفة.
-
فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك حجز بينهم الإسلام، وتشاغل الناس به. فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله ﷺ وبين قريش، كان فيما شرطوا لرسول الله ﷺ وشرط لهم أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله وعهده فليدخل معه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه. فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ مؤمنها وكافرها.
-
فلما كانت الهدنة اغتنمها بنو الديل، أحد بني بكر من خزاعة، وأرادوا أن يصيبوا منهم ثارًا بأولئك الإخوة. فخرج نوفل بن معاوية الديلي في قومه حتى بيت خزاعة على الوتير فاقتتلوا. وردفت قريش بني الدليل بالسلاح، وقوم من قريش أعانت خزاعة بأنفسهم، مستخفين بذلك، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم. فقال قوم نوفل له: اتق إلهك ولا تستحل الحرم. فقال: لا إله لي اليوم، والله يا بني كنانة إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون فيه ثأركم؟ فقتلوا رجلا من خزاعة. ولجأت خزاعة إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي، ودار رافع مولى خزاعة.
-
فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة، كان ذلك نقضا للهدنة التي بينهم وبين رسول الله ﷺ . وخرج عمرو بن سالم الخزاعي فقدم على النبي ﷺ في طائفة مستغيثين به، فوقف عمرو عليه، وهو جالس في المسجد بين ظهري الناس، فقال:
يا رب إني ناشد محمدا … حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدا وكنا والدا … ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا أعتدا … وادع عباد الله يأتوا مدا
فيهم رسول الله قد تجردا … إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا … إن قريشا أخلفوك الموعدا
ج ٢ ص ١٠٥ونقضوا ميثاقك المؤكدا … وجعلوا لي في كداء رصدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا … وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا … وقتلونا ركعا وسجدا
فانصر، هداك الله، نصرا أيدا
فقال رسول الله ﷺ : "نصرت يا عمرو بن سالم" .
-
ثم عرض لرسول الله ﷺ عنان من السماء، فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب؛ يعني خزاعة. رواه أطول من هذا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن الزهري سماعا، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم.
وقال ابن إسحاق: ثم قدم بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة على النبي ﷺ فأخبروه. وقال رسول الله ﷺ : "كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد ويزيد في المدة" . ومضى بديل وأصحابه فلقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان، قد جاء ليشد العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذي صنعوا. فلما لقي بديل بن ورقاء، قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه أتى رسول الله ﷺ ، فقال: سرت في خزاعة على الساحل. فقال: أوما جئت محمدا؟ قال: لا. فلما راح بديل إلى مكة قال: أبو سفيان: لئن كان جاء إلى المدينة لقد علف بها النوى. فأتى مبرك راحلته ففته فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد أتى محمدا.
-
ثم قدم أبو سفيان المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة أم المؤمنين. فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك، نجس. قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر.
-
ثم خرج حتى رسول الله ﷺ فلم يرد عليه شيئا. فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر فكلمه فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ! فوالله لو لم أجد إلا الذر لجالدتكم عليه. ثم خرج حتى أتى عليا رضي الله عنه وعنده فاطمة وابنها الحسن وهو غلام يدب، فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى رسول الله. فقال: ويحك يا أبا سفيان، لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا ابنة محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بني ذلك، وما يجبر أحد على رسول الله ﷺ .
ج ٢ ص ١٠٦قال: يا أبا حسن، إني أري الأمور قد اشتدت على فانصحني. قال: والله ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك. قال: أوترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره وانطلق، فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ فقص شأنه، وأنه جار بين الناس، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: والله إن زاد الرجل على أن لعب بك.
-
ثم أمر رسول الله ﷺ بالجهاز، وأمر أهله أن يجهزوه. ثم أعلم الناس بأنه يريد مكة، وقال: "اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتهم في بلادهم" .
-
فعن عروة وغيره، قالوا: لما أجمع رسول الله ﷺ السير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش بذلك مع امرأة، فجعلته في رأسها ثم قتلت عليه قرونها ثم خرجت به. وأتى النبي ﷺ الوحي بفعله، فأرسل في طلبها عليا والزبير. وذكر الحديث.
-
أخبرنا محمد بن أبي الحرم القرشي، وجماعة، قالوا: حدثنا الحسن بن يحيى المخزومي قال: حدثنا عبد الله بن رفاعة، قال: أخبرنا علي بن الحسن الشافعي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عمر بن النحاس، قال: أخبرنا عثمان بن محمد السمرقندي، قال: حدثنا أحمد بن شعبان، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن حسن بن محمد، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي رافع -وهو كاتب علي- قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: بعثني النبي ﷺ أنا والزبير والمقداد، قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها.
-
فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة. قلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قلنا: لتخرجن الكتاب أو لتقلعن الثياب. فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "يا حاطب ما هذا" ؟ قال: يا رسول الله لا تعجل، إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها، وكان من كان من المهاجرين معك لهم قرابات يحمون بها أهليهم بمكة، ولم يكن لي قرابة، فأحببت أن أتخذ فيهم يدا -إذ فاتني ذلك- يحمون بها قرابتي، وما فعلته كفرا ولا ارتدادا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "إنه قد صدقكم" . فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. قال:
ج ٢ ص ١٠٧"إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله -تعالى- اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (١) .
-
أخرجه البخاري عن قتيبة، ومسلم عن ابن أبي شيبة، وأبو داود عن مسدد، كلهم عن سفيان.
-
أبو حذيفة النهدي: حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن ابن عباس، قال: قال عمر: كتب حاطب إلى المشركين بكتاب فجيء به إلى النبي ﷺ فقال: "يا حاطب ما دعاك إلى هذا" ؟ قال: كان أهلي فيهم وخشيت أن يصرموا عليهم، فقلت: أكتب كتابا لا يضر الله ورسوله. فاخترطت السيف فقلت: يا رسول الله، أضرب عنقه فقد كفر. فقال: "وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" . هذا حديث حسن.
-
وعن ابن إسحاق نحوه، وزاد: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] .
-
وعن ابن إسحاق، قال: وعن ابن عباس، قال: ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره، واستعمل على المدينة أبا رهم الغفاري. وخرج لعشر مضين من رمضان. فصام وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد، بين عسفان وأمج أفطر.
-
اسم أبي رهم: كلثوم بن حصين.
وقال سعيد بن بشير، عن قتادة: أن خزاعة أسلمت في دراهم، فقبل رسول الله ﷺ إسلامها، وجعل إسلامها في دارها.
وقال سعيد بن عبد العزيز، وغيره: إن رسول الله ﷺ أدخل في عهده يوم الحديبية خزاعة.
ج ٢ ص ١٠٨وقال الوليد بن مسلم: أخبرني من سمع عمرو بن دينار، عن ابن عمر، قال: كانت خزاعة حلف رسول الله ﷺ ، ونفاثة حلف أبي سفيان. فعدت نفاثة على خزاعة، فأمدتها قريش. فلم يغز رسول الله ﷺ قريشا حتى بعث إليهم ضمرة، فخيرهم بين إحدى ثلاث: أن يدوا قتلى خزاعة، وبين أن يبرأ من حلف نفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء. قالوا: ننبذ على سواء. فلما سار ندمت قريش، وأرسلت أبا سفيان يسأل تجديد العهد.
وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: كانت بين نفاثة من بني الديل، وبين كعب، حرب. فأعانت قريش وبنو كنانة بني نفاثة على بني كعب. فنكثوا العهد إلا بنو مدلج، فإنهم وفوا بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلن. فذكر القصة، وشعر عمرو بن سالم. فقال رسول الله ﷺ : "لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي" . فأنشأت سحابة، فقال رسول الله ﷺ : "إن هذه السحابة تستهل بنصر بني كعب، أبصروا أبا سفيان فإنه قادم عليكم يلتمس تجديد العهد والزيادة في المدة" .
-
فأقبل أبو سفيان، فقال: يا محمد جدد العهد وزدنا في المدة. فقال: رسول الله ﷺ : "أو لذلك قدمت؟ هل كان من حدث قبلكم" ؟ قال: معاذ الله. قال رسول الله ﷺ : "فنحن على عهدنا وصلحنا" . ثم ذكر ذهابه إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وأنه قال له: أنت أكبر قريش فأجر بينها. قال: صدفت إني كذلك فصاح: ألا إني قد أجرت بين الناس، وما أظن أن يرد جواري ولا يخفر بي، قال: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة؟ ثم خرج، فقال النبي ﷺ حين أدبر: "اللهم سد على أبصارهم وأسماعهم فلا يروني إلا بغتة" . فانطلق أبو سفيان حتى قدم مكة فحدث قومه، فقالوا: رضيت بالباطل وجئتنا بما لا يغني عنا شيئا، وإنما لعب بك علي.
-
وأغبر رسول الله ﷺ في الجهاز، مخفيا لذلك. فدخل أبو بكر على ابنته، فرأى شيئا من جهاز رسول الله ﷺ ، فأنكر وقال: أين يريد رسول الله؟ فقالت عائشة: تجهز، فإن رسول الله ﷺ غاز قومك، قد غضب لبني كعب. فدخل رسول الله ﷺ فأشفقت عائشة أن يسقط أبوها بما أخبرته قبل أن يذكره رسول الله ﷺ ، فأشارت إلى أبيها بعينها، فسكت. فمكث رسول الله ﷺ ساعة يتحدث مع أبي بكر، ثم قال: "تجهزت يا أبا بكر" ؟ قال: لماذا يا رسول الله؟ قال: "لغزو قريش، فإنهم قد غدروا ونقضوا العهد، وإنا قوم غازون إن شاء الله" .
-
وأذن في الناس بالغزو، فكتب حاطب إلى قريش فذكر حديثه، وقال: ثم خرج رسول الله ﷺ في اثني عشر ألفا من المهاجرين، والأنصار، وأسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة،
ج ٢ ص ١٠٩وبني سليم، وقادوا الخيول حتى نزلوا بمر الظهران، ولم تعلم بهم قريش، قال: فبعثوا حكيم بن حزام وأبا سفيان وقالوا: خذوا لنا جوارا أو آذنونا بالحرب. فخرجا فلقيا بديل بن ورقاء فاستصحباه، فخرج معهما حتى إذا كانوا بالأراك بمكة، وذلك عشاء، رأوا الفساطيط والعسكر، وسمعوا صهيل الخيل ففزعوا: هؤلاء بنو كعب جاشت بهم الحرب. قال بديل: هؤلاء أكثر من بني كعب، ما بلغ تأليبها هذا.
-
وكان النبي ﷺ قد بعث بين يديه خيلا لا يتركون أحدا يمضي. فلما دخل أبو سفيان وأصحابه عسكر المسلمين أخذتهم الخيل تحت الليل وأتوا بهم. فقام عمر إلى سفيان فوجأ عنقه، والتزمه القوم وخرجوا به ليدخلوا على النبي ﷺ به، فحبسه الحرس أن يخلص إلى رسول الله ﷺ ، وخاف القتل، وكان العباس بن عبد المطلب خالصة له في الجاهلية، فنادى بأعلى صوته: ألا تأمر بي إلى عباس؟ فأتاه عباس فدفع عنه، وسأل النبي ﷺ أن يقبضه إليه.
-
فركب به تحت الليل، فسار به في عسكر القوم حتى أبصره أجمع. وكان عمر قال له حين وجأه: لا تدن من رسول الله ﷺ حتى تموت. فاستغاث بالعباس وقال: إني مقتول. فمنعه من الناس. فلما رأى كثرة الجيش، قال: لم أر كالليلة جمعا لقوم. فخلصه عباس من أيديهم، وقال: إنك مقتول إن لم تسلم وتشهد أن محمدا رسول الله، فجعل يريد أن يقول الذي يأمره به عباس، ولا ينطلق به لسانه وبات معه.
-
وأما حكيم وبديل فدخلا على رسول الله ﷺ فأسلما. وجعل يستخبرهما عن أهل مكة.
-
فلما نودي بالفجر تحسس القوم، ففزع أبو سفيان وقال: يا عباس، ما يريدون؟ قال: سمعوا النداء بالصلاة فتيسروا لحضور النبي ﷺ فلما أبصرهم أبو سفيان يمرون إلى الصلاة، وأبصرهم يركعون ويسجدون إذا سجد النبي ﷺ ، قال: يا عباس، ما يأمرهم بشيء إلا فعلوه؟ ! فقال: لو نهاهم عن الطعام والشراب لأطاعوه. فقال: يا عباس، فكلمه في قومك، هل عنده من عفو عنهم؟ فانطلق عباس بأبي سفيان حتى أدخله على النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان، فقال أبو سفيان: يا محمد إني قد استنصرت بإلهي واستنصرت إلهك، فوالله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت علي، فلو كان إلهي محقا وإلهك باطلا ظهرت عليك، فأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وقال عباس: يا رسول الله إني أحب أن تأذن لي إلى قومك فأنذرهم ما نزل بهم، وأدعوهم إلى الله ورسوله. فأذن له. قال: كيف أقول لهم؟ قال: "من قال: لا إله إلا الله
ج ٢ ص ١١٠"وحده لا شريك له، وشهد أن محمدا عبده ورسوله، وكف يده، فهو آمن، ومن جلس عند الكعبة ووضع سلاحه فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن" . قال: يا رسول الله، أبو سفيان ابن عمنا، فأحب أن يرجع معي، فلو خصصته بمعروف. فقال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" . فجعل أبو سفيان يستفهمه. ودار أبي سفيان بأعلى مكة. وقال: من دخل دارك يا حكيم فهو آمن. ودار حكيم في أسفل مكة.
-
وحمل النبي ﷺ العباس على بغلته البيضاء التى أهداها إليه دحية الكلبي، فانطلق العباس وأبو سفيان قد أردفه. ثم بعث النبي ﷺ في إثره، فقال: "أدركوا العباس فردوه علي" .
-
وحدثهم بالذي خاف عليه، فأدركه الرسول، فكره عباس الرجوع، وقال: أترهب يا رسول الله أن يرجع أبو سفيان راغبا في قلة الناس فيكفر بعد إسلامه؟ فقال: "احبسه" فحبسه. فقال أبو سفيان: غدرا يا بني هاشم؟ فقال عباس: إنا لسنا بغدر، ولكن لي إليك بعض الحاجة.
قال: وما هي، فأقضيها لك؟ قال: إنما نفاذها حين تقدم عليك خالد بن الوليد والزبير بن العوام. فوقف عباس بالمضيق دون الأراك، وقد وعى منه أبو سفيان حديثه.
-
ثم بعث رسول الله ﷺ الخيل بعضها على إثر بعض، وقسم الخيل شطرين، فبعث الزبير في خيل عظيمة. فلما مروا بأبي سفيان قال للعباس: من هذا؟ قال: الزبير. وردفه خالد بن الوليد بالجيش من أسلم وغفار وقضاعة، فقال أبو سفيان: أهذا رسول الله ﷺ يا عباس؟ قال: لا، ولكن هذا خالد بن الوليد. وبعث رسول الله ﷺ سعد بن عبادة بين يديه في كتيبة الأنصار، فقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. ثم دخل رسول الله ﷺ في كتيبة الإيمان من المهاجرين والأنصار.
-
فلما رأى أبو سفيان وجوها كثيرة لا يعرفها قال: يا رسول الله، اخترت هذه الوجوه على قومك؟ قال: "أنت فعلت ذلك وقومك. إن هؤلاء صدقوني إذ كذبتموني، ونصروني، إذ أخرجتموني" ، ومع النبي ﷺ يومئذ الأقرع بن حابس، وعباس بن مرداس، وعيينة بن بدر، فلما أبصرهم حول النبي ﷺ قال: من هؤلاء يا عباس؟ قال: هذه كتيبة النبي ﷺ ، ومع هذه الموت الأحمر، هؤلاء المهاجرون والأنصار. قال: امض يا عباس، فلما أر كاليوم جنود قط ولا جماعة، وسار الزبير بالناس حتى إذا وقف بالحجون، واندفع خالد حتى دخل من أسفل مكة. فلقيته بنو بكر فقاتلهم فهزمهم، وقتل منهم قريبا من عشرين، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وهزموا وقتلوا بالحزورة، حتى دخلوا الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبل على الخندمة، واتبعهم المسلمون بالسيوف.
- ج ٢ ص ١١١
ودخل رسول الله ﷺ في أخريات الناس، ونادى مناد: من أغلق عليه داره وكف يده فإنه آمن. وكان النبي ﷺ نازلًا بذي طوى، فقال: "كيف قال حسان" ؟ فقال رجل من أصحابه: قال:
عدمت بنيتي إن لم تروها … تثير النقع من كنفي كداء
فأمرهم فأدخلوا الخيل من حيث قال حسان. فأدخلت من ذي طوى من أسفل مكة.
-
واستحر القتل ببني بكر. فأحل الله له مكة ساعة من نهار، وذلك قوله - تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١، ٢] ، فقال رسول الله ﷺ : "ما أحلت الحرمة لأحد قبلي ولا بعدي، ولا أحلت لي إلا ساعة من نهار" .
-
ونادى أبو سفيان بمكة: أسلموا تسلموا فكفهم الله عن عباس.
-
فأقبلت هند فأخذت بلحية أبي سفيان، ثم نادت: يا آل غالب اقتلوا الشيخ الأحمق.
قال: أرسلي لحيتى، فأقسم لئن أنت لم تسلمى لتضربن عنقك ويلك جاءنا بالحق ادخلي بيتك واسكتي.
-
ودخل رسول الله ﷺ فطاف سبعا على راحلته.
-
وفر صفوان بن أمية عامدا للبحر، وفر عكرمة عامدا لليمن، وأقبل عمير بن وهب إلى رسل الله ﷺ فقال: يا نبي الله آمن صفوان فقد هرب، وقد خشيت أن يهلك نفسه، فأرسلني إليه بأمان فإنك قد آمنت الأحمر والأسود، فقال: "أدركه فهو آمن" . فطلبه عمير فأدركه ودعاه فقال: قد آمنك رسول الله ﷺ . فقال صفوان: والله لا أوقن لك حتى أرى علامة بأماني أعرفها. فرجع فأعطاه النبي ﷺ برد حبرة كان معتجرا به حين دخل مكة، فأقبل به عمير، فقال صفوان: يا رسول الله، أعطيتني ما يقول هذا من الأمان؟ قال: "نعم" . قال: اجعل لي شهرا، قال: "لك شهران، لعل الله أن يهديك" .
-
واستأذنت أم حكيم بنت الحارث بن هشام وهي يومئذ مسلمة، وهي تحت عكرمة بن أبي جهل، فاستأذنت رسول الله ﷺ في طلب زوجها، فأذن لها وآمنه، فخرجت بعبد لها رومي فأرادها عن نفسها، فلم تزل تمنيه وتقرب له حتى قدمت على ناس من عك فاستعانتهم عليه فأوثقوه، فأدركت زوجها ببعض تهامة وقد ركب في السفينة، فلما جلس فيها نادى باللات والعزى. فقال أصحاب السفينة: لا يجوز ههنا من دعاء بشيء إلا الله وحده مخلصا، فقال عكرمة: والله لئن كان في البحر، إنه لفي البر وحده، أقسم بالله لأرجعن إلى محمد، فرجع عكرمة مع امرأته، فدخل على رسول الله ﷺ فبايعه، وقبل منه.
- ج ٢ ص ١١٢
ودخل رجل من هذيل على امرأته، فلامته وعيرته بالفرار، فقال:
وأنت لو رأيتنا بالخندمه … إذ فر صفوان وفر عكرمه
قد لحقتهم بالسيوف المسلمه … يقطعن كل ساعد وجمجمه
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
وكان دخول النبي ﷺ مكة في رمضان، واستعار النبي ﷺ من صفوان فأعطاه فيما زعموا مائة درع وأداتها، وكان أكثر شيء سلاحا.
-
وأقام النبي ﷺ بمكة بضع عشرة ليلة.
وقال ابن إسحاق: مضى النبي ﷺ حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف، فسبعت سليم، وبعهضم يقول: ألفت، وألفت مزينة. ولم يتخلف أحد من المهاجرين والأنصار.
-
وقد كان العباس لقي رسول الله ﷺ ببعض الطريق. قال عبد الملك بن هشام: لقيه بالجحفة مهاجرًا بعياله.
قال ابن إسحاق: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة؛ قد لقيا رسول الله ﷺ بنيق العقاب -فيما بين مكة والمدينة- فالتسما الدخول عليه، فكلمته أم سليم فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك. قال: "لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال" .
-
فلما بلغهما قوله قال أبو سفيان: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رق لهما، وأذن لهما، فدخلا وأسلما، وقال أبو سفيان:
لعمرك إني يوم أحمل راية … لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله … فهذا أواني حين أهدى وأهتدي
هداني هاد غير نفسي ونالني … مع الله من طردت كل مطرد
أصد وأنأى جاهدا عن محمد … وأدعى وإن لم أنتسب من محمد
فذكروا أنه حين أنشد النبي ﷺ هذه ضرب في صدره، وقال: "أنت طردتنى كل مطرد" !